The news is by your side.

دراسة في شروط فاعلية التبليغ ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة

علماء الدين والتوجيه الثقافي: دراسة في شروط فاعلية التبليغ ومواجهة التحديات الفكرية المعاصرة

علماء الدين هم محور التوجيه الثقافي وصمام أمان القيم في المجتمع، ولكنهم لا يمثلون الأداة الوحيدة ولا التيار الصانع للثقافة بمفرده.إن دور العلماء يتجاوز كونه أداة فنية عابرة ليمثل الامتداد الرسالي لهداية الأمة وسوقها نحو كمالها الأسمى؛ والشهيد مطهري نموذج للمنظومة المعرفية المتماسكة.

حريم إمام: هل ينحصر محرك التغيير والتوجيه الثقافي في المجتمع في علماء الدين (الروحانيين) بمفردهم؟ وبأي حجم يقاس أثرهم ودورهم الفاعل في ثقافة المجتمع؟

الأستاذ نورمفيدي: إن حصر التوجيه الثقافي في سلك علماء الدين بمفردهم هو طرح مقبول من جهة، ومرفوض من جهة أخرى؛ ومن هنا أفضل إعادة صياغة هذا المفهوم بالقول: إن علماء الدين هم محور التوجيه الثقافي وقبابه، ولكنهم لا يمثلون الأداة الوحيدة ولا التيار الصانع للثقافة بمفرده. وينقسم التأثير الثقافي وحركة بناء الثقافة لعلماء الدين إلى شقين أساسيين: تأثير مباشر، وتأثير غير مباشر.

فبمقتضى الوظيفة الذاتية لعلماء الدين والمتمثلة بالأساس في مواصلة مسار رسالة الأنبياء والرسل (عليهم السلام) وسوق الجماهير نحو الغاية الإنسانية الأسمى والكمال المعنوي المنشود -وهو ذات الجهد الذي نهض به الأنبياء ولهذا وُصف العلماء بأنهم ورثة الأنبياء-؛ فإن هداية العباد نحو هذا المقصد الشريف تتطلب توفر مقدمات وأرضيات علمية على المستويين النظري والعملي؛ والمتمثلة في المعرفة والوعي بالمعارف الدينية والإلهية. فالذي يبتغي هداية الناس صوبه، يتعين عليه أولاً الإلمام والوقوف التام على هذه المعارف والنهل منها.

شمولية المعارف الإسلامية وشرط بناء الذات المعنوي

حريم إمام: ما هي المساحة التي تشملها المعارف الإسلامية والدينية؟ وأين يقع علماء الدين في ثناياها؟

الأستاذ نورمفيدي: يدرس طلاب العلوم الدينية ويتلقون تعليمهم في بيئة ومناهج تتكفل بتدريس هذه المعارف وتأصيلها؛ وحين نتحدث عن المعارف الدينية والإلهية، فإننا نقصد بالدقة معناها الشامل والجامع المشتمل على ثلاثة حقول كبرى: العقائد، والأحكام الشرعية، والأخلاقيات؛ فهي تحيط بكافة أبعاد وجوانب الحياة الإنسانية. وبناءً على هذا، وبما أن طالب علم الدين يبتغي رسم خارطة طريق هداية الناس، فيتحتم عليه أولاً العلم والوقوف الدقيق على هذه الخارطة وتفاصيلها.

ومن هنا، فإن الحوزات العلمية قد أُسست بالأساس لصياغة هذه الخارطة وتقديمها برصانة؛ فالأرضية المعرفية والنظرية مهيأة ومثبتة في المسار العلمي لعلماء الدين؛ غير أن هذا البعد النظري لا يكفي بمفرده ما لم يقترن بالقوة المحركة والعامل المطبق على أرض الواقع؛ والمتمثل في الجانب التطبيقي والعملي بأن يسلك المبلّغ والعالم هذا الدرب بنفسه أولاً ويتحلى بالسير والسلوك المعنوي فيه. واستناداً إلى هذا التلازم، يمكننا القول إن علماء الدين هم محور التوجيه الثقافي، والغاية الختامية من هذا التوجيه هي تأمين السعادة الحقيقية والكمال الإنساني للعباد.

امتداد الدور الرسالي لعلماء الدين في تربية الكوادر المتخصصة

حريم إمام: وبناءً على هذا التلازم، ترون أن لعلماء الدين دوراً محورياً، راسخاً، وأساسياً في هذا المضمار؟

الأستاذ نورمفيدي: بديهي أن لعلماء الدين دوراً محورياً وأساسياً في هذا المسار، وهو دور لا يسعنا ترقبه أو انتظاره من الشرائح الأخرى؛ وحين أقول هذا الكلام فإنني لا أقصد حصر الأمر في سلك زملائي من الروحانيين كعنوان فئوي ضيق بمفردهم؛ بل أعني بالدقة: “أن كل من نهل من هذه المعارف وعمل بها في ذاته بصدق وإخلاص، يملك الأهلية الكاملة للنهوض بالتوجيه الثقافي والإرشاد المعنوي”.

ولكن بما أن الوظيفة الذاتية والرسالة التأسيسية لعلماء الدين تفرض عليهم كسب هذه المعارف والعمل بها وتقديمها مخلصة للجماهير، فإن دورهم يكتسب صفة المحورية والتفوق؛ وهذا هو “التأثير المباشر” الذي أشرت إليه. أما “التأثير غير المباشر”، فيتجلى في أن القوى والمؤسسات الصانعة للثقافة والتيارات المنتجة لها والموجهين الثقافيين في الساحات المتنوعة، يتأثرون مباشرة بهذا التوجيه والإرشاد الحوزوي، مما يمكنهم بالتبعية من ممارسة توجيه ثقافي صحيح وصائب في حقول تخصصاتهم المتنوعة؛ ومن هنا أؤمن يقيناً بالدور المحوري لعلماء الدين في التوجيه الثقافي ولكن «بشرطها وشروطها»؛ فالأمر ليس مطلقاً ومتاحاً لكل منتسب؛ ولا أعني بكلامي هذا كل منتسب لهذا السلك بالظاهر، بل أقصد علماء الدين الأصلاء الملتزمين بتلك الخصائص والسمات التي أسلف تبيينها؛ فهؤلاء يملكون القدرة على التأثير المباشر والواضح في عامة الناس، والتأثير غير المباشر من خلال تربية وإعداد كفاءات وكوادر متخصصة في شتى حقول الثقافة تسير في ظل رعاية وتوجيه الحوزة والعلماء.

شروط فاعلية التبليغ والنموذج المعرفي للشهيد مطهري

حريم إمام: هل ترون فاعلية وكفاءة علماء الدين في الساحة الثقافية المعاصرة كافية؟ وهل نجحوا بالفعل في ترسيخ وتوطيد الثقافة الدينية في النفوس؟

الأستاذ نورمفيدي: إن دراسة كفاءة وفاعلية علماء الدين في الثقافة المعاصرة ومستوى نجاحهم تارة تنظر للواقع العيني والميداني الخارجي والمنجزات المحققة على الأرض حتى الآن، وتارة تنظر للقدرة والطاقة الكامنة والإمكانية المعرفية لعلماء الدين على تحقيق هذا النجاح.

فيما يتعلق بالشق الثاني، أنا على يقين من توفر كافة المقتضيات والمقومات الكفيلة بنجاح وتوفيق علماء الدين وتأثيرهم، ولكن هذا النجاح مشروط بالعمل في اتجاهين أساسيين مضافين لمسؤولياتهم التقليدية:

  • الأول: إدراك الفهم المضموني الحقيقي للزمان والمعادلات الحاكمة على العصر والتحولات المعاصرة عن كثب.

  • الثاني: الإلمام والمعرفة الفذة بالقوالب والأدوات الفنية والتقنية المعاصرة الموظفة في هذا العصر.

فإذا تميز عالم الدين بالشمولية وجامعية الفهم للمعارف الدينية والإلهية وتجنب القراءات أحادية الجانب أو “القراءات الكاريكاتورية والسطحية والانتخابية” لتعاليم الإسلام؛ فسيتحقق النجاح يقيناً.

وإذا أردت مثالاً واضحاً للمجتهد المبرز ذي الفهم المعرفي الشامل والمنسجم في عصرنا الراهن، فإنني أشير بلا تردد إلى الشهيد المفكر مرتضى مطهري (قدس سره)؛ والسبب الأساس وراء التأييد المطلق والفريد الذي منحه الإمام الخميني للشهيد مطهري ومنشوراته يرتكز بالأساس على أن الشهيد مطهري كان ينظر للمعارف الإسلامية بوصفها منظومة متكاملة ومتجانسة ونظاماً معرفياً منسجماً يربطه رباط منطقي وثيق، ونجح نجاحاً باهراً في تقديم وعرض هذه المنظومة المتماسكة للناس؛ فلم يعمد يوماً لتضخيم شق أو بعد فقهي أو أخلاقي بشكل مفرط على حساب تقوي ومقاومة الأبعاد الأخرى؛ وهذه تُمثّل الميزة الأبرز والأعظم للشهيد مطهري؛ حيث يستشعر القارئ لمصنفاته في أي حقل دخل فيه أنها تندرج وتصاغ وتتكامل مع ركائز تلك المنظومة المعرفية المنسجمة، وقلما يواجه الباحث تهافتاً أو تعارضاً بين أفكاره ومقارباته المتنوعة؛ ويضاف إلى هذا الفهم الشامل معرفته العميقة والدقيقة بماهية وحقيقة تحولات عصره وزمانه.

جوهر “فهم الزمان” ومسؤوليات العصر الرقمي

حريم إمام: هل تتفضلون بتوضيح هذه النواحي وتبيين كنهها ومضمونها بدقة؟

الأستاذ نورمفيدي: نعم، يتوهم البعض أحياناً أن مواكبة العصر والوقوف على متطلباته تنحصر في مجرد معرفة الأدوات والتقنيات التقنية المعاصرة واستخدامها؛ فتراهم يوظفون شتى وسائل التواصل والتقنيات الحديثة دون أن يكتب لهم النجاح أو التأثير الحقيقي؛ والسبب في ذلك هو عدم إدراكهم لجوهر وماهية هذا العصر، والافتقار لفهم طبيعة العلاقات والمناسبات المعاصرة الحاكمة على مجريات الحياة وتطوراتها.

إن فهم تحولات كل عصر يتقدم رتبةً وأهميةً على مجرد استخدام أدوات وتقنيات ذلك العصر؛ وهنا تكمن المعضلة الأساس والسر الحقيقي وراء توفيق العلماء والروحانيين؛ فالطاقة المعرفية متوفرة لدينا بتمامها وبلا نواقص في شريعتنا ومصادرنا (وأنا أؤكد هذا القول بكل ثبات وقناعة ويقين)، ولكن شرط فاعليتها يقتضي مزج هذه المعارف الشريفة بالفهم العميق والدقيق للزمان ومعادلات العصر الحالية. وفهم الزمان ينطوي على دلالة معرفية بالغة العمق والخطورة صاغها الحديث الشريف:

«العَالِمُ بِزَمَانِهِ لَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ اللَّوَابِسُ»

ولا ينحصر فهم الزمان في مجرد معرفة كيف يسافر الناس اليوم أو أين يقضون أوقاتهم؛ بل يعني بالدقة: إدراك طبيعة العلاقات الإنسانية المعقدة وتطوراتها، والوقوف على ماهية العلاقات الاقتصادية والروابط السياسية الحديثة؛ لكون موضوعات العلوم المعاصرة -لا سيما العلوم الإنسانية- قد تباينت تبياناً كبيراً وعميقاً عن موضوعات الماضي؛ وإدراك هذا التمايز هو المفتاح والواجب الأكبر؛ ومما يؤسف له أننا نواجه ثغرات ومشاكل حقيقية في هذا المضمار الحاسم.

أما على صعيد التقييم العملي والواقعي لمدى نجاح وتوظيف علماء الدين؛ فيمكنني القول إن طائفة وجزءاً من علماء الدين قد وفقوا وحققوا نجاحات باهرة في هذا المضمار، بينما واجهت فئات أخرى الإخفاق والقصور؛ وبصفة عامة لا نزال نعاني من مشاكل وعقبات كثيرة في الأبعاد الثلاثة للعملية؛ حيث يعود جزء من الإشكالات لنقص معرفي في فهم المنظومة المتكاملة للمعارف، ويعود جزء آخر لعجز البعض عن إدراك ماهية تحولات العصر، ويكمن الجزء الثالث في إهمال الاستفادة من الأدوات والتقنيات المعاصرة لتوصيل رسالة الإسلام للرأي العام.