الحادي عشر من شباط يومٌ من أيام الله وسيبقى كذلك إلى الأبد
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في درس خارج الأصول: الحادي عشر من شباط يومٌ من أيام الله وسيبقى كذلك إلى الأبد
تبيين الجوانب المعنوية لعشرة الفجر المباركة (الاثنين ٢٤ رجب ١٤٤٥ هـ)؛ ووجوب التماسك الوطني والمشاركة الفاعلة في مسيرات الحادي عشر من شباط لدحر مؤامرات الأعداء.
الشكر الحقيقي للناس يكون عبر “التقدير العملي”؛ والمتمثل في تقديم المزيد من الخدمة المخلصة والدؤوبة على مدار الساعة لتقليل الأعباء والمعضلات المعيشية.
تصادف هذه الأيام المباركة عشرة الفجر لانتصار الثورة الإسلامية. ويقيناً وبلا أدنى شك، فإن أيام انتصار الثورة هي من أيام الله (أيام الله العظمى)؛ ونظراً للتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد في عام ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م) وحفظت الإسلام، والشعب، والبلاد من أخطار مهلكة، فلا يسع أحد إنكار صفة “يوم الله” عن هذه المناسبة العظيمة. وأنا هنا أقيّم بالدرجة الأولى ذلك الحدث التاريخي المفصلي الذي وقع في عام ١٣٩٩ هـ، وأؤكد أن لا قوة ولا عامل يقدر على سلب وصف “يوم الله” عن ذلك اليوم التاريخي. وحتى أولئك الذين يتصفون بالتدين بالظاهر وهم على خلاف مع الثورة أو يقفون على مسافة منها، لا يسعهم التذرع بأي حجة أو دليل للادعاء بأن ذلك اليوم لم يكن يوماً من أيام الله.
لقد نجح الإمام الخميني (ره) -بمؤازرة علماء الدين، والمراجع العظام، والتلاحم والدعم المطلق للغالبية الساحقة من الجماهير- في إنقاذ البلاد وصيانتها رافعين شعار: «الاستقلال، والحرية، والجمهورية الإسلامية». فكل يوم يشهد قطع دابر تسلط وهيمنة الأجانب عن حياض هذا الوطن هو يوم من أيام الله؛ وكل يوم يثمر استقلالاً وحرية لهذا الشعب هو يوم من أيام الله؛ وكل يوم يثبت حاكمية أحكام الإسلام وصيانتها في البلاد هو يوم من أيام الله؛ وهو مبدأ لا ريب فيه. وتكرار الشعارات والكلمات قد يصرف الإنسان أحياناً عن إدراك حقيقة وجوهر المعنى؛ ولكن المعايير كافة التي تحدد ملامح “يوم الله” تنطبق انطباقاً تاماً على هذا الحدث وتلك الأيام الشريفة. فالبلد الذي كان مرتعاً للأجانب يسيره حكام يأتمرون بأوامر أسيادهم الاستعماريين، وتحدد مقدراته في غرف العمليات الخارجية، ويواجه أبناؤه التحذير والتحقير المذل، وتنتهك في ربوعه أحكام الإسلام وتُهدم هويته الإسلامية والوطنية؛ يوم يخلص فيه العباد من كل هذه المآسي والجور، هو يقيناً يوم من أيام الله. لقد توفرت للبلد والشعب بركائز انتصار الثورة رساميل مادية ومعنوية بالغة الأهمية والقيمة، وستبقى هذه القيمة خالدة إلى الأبد بغير نقصان أو قدرة على كتمانها.
أصالة الثورة وتطلعاتها بوجه حملات التشكيك والتزييف
وأما تساؤل البعض: كيف يمكن وصف ذلك اليوم بأنه يوم من أيام الله في ظل الأزمات الراهنة والصعوبات المعيشية التي يعاني منها الناس اليوم؟ فإنني أؤكد بكل ثبات وقناعة وحزم: إن ذلك اليوم كان وسيبقى يوماً من أيام الله الخالدة؛ ويتعين على الجميع الحذر الشديد لئلا تقودنا بعض الأزمات والنواقص الحالية لكتمان الحقائق والإنكار لها؛ لكون البعض يهدف بالأساس لتخريب أصل الثورة الإسلامية وبنيانها وتشويه مآثرها.
إن هذه الحقيقة التاريخية غير قابلة للإقصاء والتخطئة مطلقاً؛ وإن الدوافع، والتطلعات، والغايات السامية التي رسمها الشعب لنهضته وثورته كانت ولا تزال تتصف بقدسية ومشروعية بالغة تمنع صيرورة أي عامل قادراً على سلب المشروعية والأصالة عن تلك الدوافع والتطلعات الكبرى.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على انتصار الثورة الإسلامية، يمكننا القول بقراءة موضوعية، منصفة، وواقعية: إننا حققنا نجاحات وإنجازات، وواجهنا إخفاقات وعقبات؛ وتكللت مسيرتنا بانتصارات وتحديات، وكانت هناك نقاط قوة بارزة تزامنت مع وجود نقاط ضعف ونواقص. والزعم بأن مسيرتنا بأكملها كانت نجاحات باهرة ومستمرة هو قول ينطوي على التضليل والجهالة، ولا يقره العقل السليم ولا تسوغه الشريعة؛ وتصوير المسيرة بأكملها على أنها إخفاقات تامة وخسائر مستمرة هو قول باطل ومرفوض يقيناً بلا شك.
إن مسؤوليتنا تقتضي مراجعة الماضي وتقييمه بإنصاف وموضوعية، ومواصلة السير نحو المستقبل بأمل واعد؛ وهو المنهج البنيوي والتأسيسي ذاته الذي ارتكزت عليه بنود “بيان الخطوة الثانية للثورة” لسماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم؛ إذ ينطوي البيان على قراءة موضوعية للماضي ونقاط قوته وضعفه، وصياغة خارطة طريق متكاملة للمستقبل؛ ولهذا سُمي بـ “الخطوة الثانية”. ففي الخطوة الأولى كانت هناك مكاسب ونواقص، ومسؤوليتنا اليوم تقتضي اجتثاث نقاط الضعف وتلافي الأخطاء لتحويلها إلى نقاط قوة واقتدار لمواصلة السير نحو المستقبل المشرق.
وممّا يدعو للأسف، أننا نواجه هذه الأيام بعض التصريحات والمواقف الجائرة التي تسعى لاستغلال الأزمات والمشاكل الراهنة لنفي الماضي بأكمله والتشكيك في أصل الثورة وبنيانها؛ وهو تعاطٍ يتصف بغياب الإنصاف وتجاهل الحقائق التاريخية، ويتنافى بالكامل مع التعاليم والقيم الدينية والوطنية. إننا نمتلك اليوم نقاط قوة واقتدار كثيرة جداً تجب رؤيتها وتثمينها؛ ومنها منعة البلاد واقتدارها وتأثيرها الحاسم في المعادلات الإقليمية والدولية، وهو أمر في غاية الأهمية والقيمة. وتزامناً مع ذلك، نواجه مشاكل وأزمات حقيقية؛ والتقدم العلمي الباهر في شتى الحقول المعرفية لا يمكن لأحد إنكاره، ولكن في المقابل يعاني الناس من صعاب معيشية خانقة، وبطالة، وتضخم، وضغوط اقتصادية حادة يلمسها الجميع ويعيش أعباءها المواطنون يومياً في المجتمع؛ ويتوجب على المسؤولين التفكير الجاد وصياغة حلول عاجلة وعلمية لعلاج هذه الأزمات.
الشكر العملي للشعب الإيراني الوفي وأبعاده التخطيطية
لقد كان هذا الشعب الصابر حاضراً فاعلاً في كافة الساحات طوال السنوات التي تلت انتصار الثورة؛ فقدموا أنفسهم، وأموالهم، وبذلوا مهجهم دفاعاً عن حياض الوطن، ولم يقصروا أو يتوانوا يوماً في نصرة الثورة؛ فتواجدوا في ميدان الحرب والدفاع المقدس، وفي جبهات الدفاع عن المقدسات والحرم، وفي مسيرات العزة الوطنية والانتخابات وكافة عرصات الوجود والسيادة، فدوا الثورة بوجودهم وحياتهم وممتلكاتهم؛ وحقاً إن هذا الشعب الأبي يستحق العيش في أرقى مستويات الحياة والخدمات، ويتوجب بذل أقصى التخطيط والتدبير لحل مشاكلهم وتقليل أعبائهم المعيشية. وصحيح أن جزءاً من هذه الأزمات يعود بالأساس إلى الضغوط والعقوبات الجائرة والحصار الاقتصادي المفروض من قِبل الأعداء والأجانب، إلا أن جزءاً آخر يظل معلولاً لسوء الإدارة وبعض الخطوات الارتجالية والمشاكل التي نجلبها بأيدينا.
ويتحتم علينا تسخير الطاقات والجهود كافة لعلاج هذه المشاكل، وبناء الثقة وإحراز رضا الجماهير عملياً؛ وألا يقتصر الدفاع عن الشعب وإظهار التقدير لصموده على الشعارات والكلمات الإعلامية والخطابات فحسب، بل يجب صياغة هذا التقدير بـ “الشكر والتقدير العملي”؛ والمتمثل في تقديم المزيد من الخدمة المخلصة والدؤوبة على مدار الساعة لتقليل الأعباء والمعضلات، وتحسين معيشة المواطنين، وتوفير الأمن والهدوء والاستقرار لهم، لكي تتهيأ لهم وللأجيال القادمة حياة حافلة بالفضائل المعنوية ومفعمة بالمكاسب المادية؛ وإن التقدير الحقيقي يتجلى في التخطيط والتدبير الحكيم والرؤية الثاقبة للمستقبل.
وصحيح أن المنجزات والتقدم العلمي والخدمي والتقني الذي تحقق بعد انتصار الثورة الإسلامية هو أمر جليل وبارز يستدعي الاهتمام والتقدير، ولا يسع أحداً جحود المكتسبات التي تحققت في شتى حقول التكنولوجيا المعاصرة وتوفير الخدمات للأرياف والقرى والمناطق النائية؛ ولكن هذا التقدم لا يزال غير كافٍ ولا ينسجم مع الشأن والمنزلة الرفيعة التي يستحقها الشعب الإيراني الأبي، ويتعين علينا الحركة الدؤوبة نحو هذا الأفق بروح ملؤها الأمل بالمستقبل الواعد والمشرق، متكاتفين يداً واحدة لعلاج المشاكل وتجاوز الأزمات.
مسيرات ٢٢ بهمن ورمز التعلق بغايات الثورة الشامخة
ويتعين التنبيه إلى أن المشاركة في مسيرات الحادي عشر من شباط (٢٢ بهمن) تمثل في الواقع الرمز والسمة للتعلق والرباط الوثيق بالثورة وتطلعاتها وغاياتها الشامخة؛ ويتحتم على الجميع بمختلف مشاربهم وأذواقهم وأفكارهم إبراز هذا التلاحم والرباط بكل طاقاتهم وقواهم.
ونستحضر في هذه المناسبة الشريفة سيرة وذكرى شهداء الثورة الإسلامية الأبرار، وشهداء الدفاع المقدس، وشهداء الدفاع عن الحرم والمقدسات؛ مجلين الأثر العظيم والذكرى العطرة لمرادنا الإمام الراحل العظيم، وكبار مراجع وعلماء الحوزة الدينية الكرام الذين بذلوا جهوداً جبارة وعكفوا على تثبيت معالم الدين في هذا السبيل، ومنهم الشهيد مرتضى مطهري والشهيد محمد بهشتي والعلماء الشهداء الأبرار المتربين في الحوزة الذين نالوا شرف الشهادة في جبهات القتال والدفاع عن المقدسات؛ لا سيما سيد شهداء المقاومة وقائدها العظيم الشهيد قاسم سليماني الذي لا يزال اسمه وذكره العطر ملهماً ومعلماً للأمة وقواها المقاومة؛ ونبتهل إلى المولى القدير أن يتغمدهم جميعاً برحمته الواسعة ويسكنهم فسيح جناته ويرفع درجاتهم ومقامهم في السماوات العُلى، ليكون جهدهم وسعيهم مباركاً ومقبولاً عنده سبحانه.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا جميعاً بتوفيق جعل الدفاع عن حياض الإسلام ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والثورة والبلاد في مركز وجوهر كافّة شؤوننا وممارساتنا، وأن يملأ قلوبنا بالمحبة واللين والود في تعاملنا البيني، لنتلاقى بحسن الظن والنية الصادقة، ونصون وحدتنا وتماسكنا يداً واحدة واضعين أيدينا في أيدي بعض لعلاج مشاكل البلاد وتقليل هموم الجماهير، مبتهلين إليه سبحانه بقلوب متعاطفة وضارعة لتعجيل فرج قائمنا وأن تسلم راية هذه الثورة ليد صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).