الفقه والعرفان مدينان للشخصية الشامخة للإمام الخميني
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي مستقبلاً وفداً من علماء غينيا بيساو: الفقه والعرفان مدينان للشخصية الشامخة للإمام الخميني
تزامناً مع عشرة الفجر (٢٤ رجب ١٤٤٥ هـ)؛ تبيين القواسم المشتركة بين الطريقة التيجانية والتشيع، والترابط الجوهري بين الشريعة الباطنية والظاهرية في فكر الإمام الراحل.
إن التكفير والتفسيق التاريخي بين الفقهاء والصوفية ناتج عن غياب الفهم المشترك؛ والإمام الخميني نجح بمقاربته الفذة في تأصيل وتبيين “أسرار العبادات”.
استقبل رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر للدراسات والبحوث، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، وفداً من علماء الدين والمبلغين من مذهب أهل السنة والجماعة من جمهورية غينيا بيساو الإفريقية، حيث اطلع الوفد عن كثب على الأنشطة والمشاريع العلمية والبحثية للمعهد.
وبادر آية الله نورمفيدي بالترحيب بالوفد الزائر تزامناً مع الأيام المباركة لعشرة الفجر؛ مؤكداً أن الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (ره) قد فتحت نافذة وآفاقاً جديدة للتعاون والارتباط الوثيق بين إيران والقارة الإفريقية؛ لكون الإمام يولي اهتماماً ورعاية خاصة لدعم ونصرة الشعوب الإفريقية المظلومة، وهو ذات الاهتمام والعناية الخاصة التي يوليها اليوم قائد الثورة الإسلامية المعظم لشعوب هذه المنطقة.
ونوه سماحته بوجود قواسم مشتركة وعلاقات وثيقة بين الطريقة “التيجانية” الصوفية ومذهب التشيع؛ مشيراً إلى الترابط الجوهري والعميق بين الفقه والعرفان، قائلاً: “لقد قدم الإمام الخميني -بوصفه عارفاً كبيراً ومفسراً فذاً- خدمات جليلة ومصنفات رائدة لعلم العرفان الإسلامي. وينقسم العرفان والتصوف في منظور الإمام الخميني إلى شقين: شق إيجابي وصالح، وشق سلبي؛ حيث يطلق سماحته على الصوفي الإيجابي المخلص واصفاً بـ (الصوفي الصافي)”.
وأضاف أستاذ دروس الخارج بالحوزة العلمية في قم المقدسة: “إن (الصوفي الصافي) في ميزان الإمام الخميني هو ذلك العارف الذي استطاع إنزال وترجمة معارف العرفان من مرتبة العقل والقلب إلى ميدان العمل والسلوك الخارجي، ملتزماً التزاماً صارماً بأحكام الشريعة وآدابها؛ بينما يمثل الصوفي الخالي من الصفاء ذلك الذي يتجاهل ظاهر الشريعة ويهمل أحكامها بذريعة شهود الباطن”.
البعد الظاهري والباطني للشريعة في المنظور الخمينّي
وصرح آية الله السيد مجتبى نورمفيدي: “بصفة عامة، وبناءً على ما يقرره الإمام الخميني -وهو العارف الذي بلغ الذروة والقمة المعنوية- فإن لكل من الإنسان والدين بعدين وساحتين: الظاهر والباطن. ويمثل الظاهر في وجود الإنسان منطلق ومبدأ الحركة والتسامي نحو الباطن؛ فالأعمال والعبادات والمناسك الظاهرية تسهم مباشرة في تغيير وتزكية قلب الإنسان وروحه وباطنه المعنوي”.
وأكد سماحته: “إن التأثير المتبادل والتكامل التام بين الجسد والروح، والظاهر والباطن، هو حقيقة يقرها العلم والوجدان البشري وتؤيدها التجربة الإنسانية عياناً؛ والعبادات والمناسك التي قدمتها الشريعة الغراء للإنسان هي السبيل والمنهج الأوحد للتعامل والتسامي الروحي والمعنوي للعباد. وفي الوقت ذاته، فإن المقامات والحالات القلبية والروحانية السامية تضاعف وتزيد من حيوية وعمق المناسك العبادية الظاهرية؛ وتلاحم هذين الركنين يمثل الأساس المتين للتصوف والعرفان الحقيقي الأصيل”.
وأوضح رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر: “لقد ركز الإمام الخميني -وهو المبرز والأبرز بين عرفاء عصره- في مصنفاته العرفانية على حقيقة بالغة الأهمية؛ وهي (أسرار العبادات)؛ مبيناً أن العبد الذي يلتزم بالعبادات والمناسك بغير التفات وتدبر في أسرارها المعنوية والملكوتية، يُحرم يقيناً من نيل حقيقة العبادة وبركاتها الصافية. وبالمقابل، يرى الإمام أن من يقتصر على الاهتمام بأسرار العبادات وباطنها مع إهمال وتجاهل المناسك والظاهر الشرعي، يقع صيداً سهلاً في شباك الشيطان ومكائده”.
عبقرية الإمام الخميني في إنهاء النزاع التاريخي بين الفقهاء والعرفاء
ونوه بالقول: “إن الاهتمام الفذ للإمام الخميني بالعرفان يبرهن على الترابط والوفاق العميق بين الفقه والعرفان في مدرسة التشيع؛ وإذا ما أدركنا وقرأنا فصول النزاعات التاريخية الطويلة التي دارت بين أصحاب الفقه والظاهر من جهة، وأصحاب العرفان والتصوف من جهة أخرى، لتبين لنا جلالة وعظمة الإنجاز العلمي والتأسيسي الذي أنجزه الإمام الخميني (ره). لقد كان هذا النزاع والشقاق قائماً بين الفقهاء والعرفاء لدى الشيعة وأهل السنة على حد سواء؛ حيث بادر بعض فقهاء الظاهر لرمي أهل المعرفة والعرفان بالكفر والفسق والتمرق، وبالمقابل بادر بعض الصوفية لرمي الفقهاء بالقشرية والجمود والظاهرية المحضة”.
وأردف آية الله نورمفيدي بالقول: “لهذه الاتهامات والتناحرات التاريخية عوامل شتى؛ ويأتي على رأسها غياب الفهم والإدراك المتبادل لنظريات ومباني كلا الطرفين؛ تزامناً مع ضيق الأفق والافتقار لسعة الصدر والتحمل العلمي، مما أتاح للأعداء استغلال هذا النزاع وإذكاء ناره. وفي ظل هذا المناخ المتشنج، بادر الإمام الخميني لإنجاز عدة خطوات تاريخية مثلت خدمة كبرى للإسلام والعلوم الإسلامية والعلماء كافة؛ أولها: سعيه الدؤوب وتحصيله الراسخ لعلوم الفقه والأصول والعرفان والفلسفة حتى تربع على قمة الهرم العلمي لعصره؛ وجاءت مصنفاته الفقهية والعرفانية لتمثل الذروة والقمة العلمية في هذه الحقول المعرفية”.
وأضاف سماحته: “لقد سعى الإمام في كتبه لتوضيح وتحرير المفاهيم الفقهية والعرفانية المثيرة للنزاع والجدل، وتوجيه الأنظار نحو عمقها وحقيقتها وجوهرها المعنوي؛ مبادراً برفقة ثلة من الأعاظم للتحذير من مغبة الانزلاق نحو تكفير وتفسيق الآخرين بمجرد مواجهة مصطلح أو مضمون غير مألوف لديهم”.
توصيات ورسائل فكرية للمبلغين والوعاظ
ووجه رئيس المعهد طائفة من النصائح والتوجيهات القيمة للوفد الزائر من الخطباء والمبلغين قائلاً: “يتعين علينا فهم ومعرفة متطلبات زماننا واحتياجات إنسان العصر الراهن بدقة، وبذل الجهود لعرض وتقديم المعارف الدينية والإلهية في قوالب جذابة وأدبيات حسنة تناسب وعي وتطلعات المخاطبين. كما يجب علينا الاعتراف بتعدد وتنوع الأذواق والسليقات، والسعي للوصول إلى فهم مشترك ولغة حوار متبادلة عبر لقاءات الحوار المفتوح. ويتحتم علينا صيانة ورقي مستوانا المعرفي والعلمي على الدوام؛ والأهم من ذلك كله هو أن نكون دعاة ومعلمين للناس بسلوكنا وممارساتنا وأفعالنا العملية قبل أقوالنا”.
ونوه آية الله نورمفيدي في مستهل اللقاء إلى زياراته ولقاءاته السابقة في بعض دول شمال وجنوب القارة الإفريقية بالقول: “تتميز الشعوب الإفريقية -بمعزل عن دياناتهم وتوجهاتهم- بامتلاكهم لفطرة سليمة نقية وبيضاء، وإن هذه الفطرة النقية تمثل أرضية خصبة ومناسبة جداً لكم -أيها المبلغون الأفاضل- لزرع معارف الإسلام وتبليغ رسالته الإنسانية المصلحة وصيانة قيمها السامية لديهم”.
وعقب هذا اللقاء، طرح عدد من الضيوف الأفاضل تساؤلات واستفسارات حول آليات ونطاق الفقه المعاصر والمنجزات العلمية للمعهد، حيث استمع سماحة رئيس المعهد لتساؤلاتهم وأجاب عنها تفصيلاً. كما قام الوفد الزائر بجولة استطلاعية في أقسام المعهد شملت المجموعات العلمية التخصصية، والمكتبة المتخصصة، وقسم الموسوعة الإلكترونية للفقه المعاصر، مطلعين عن كثب على منجزات ومشاريع المعهد العلمية الرائدة.