ليس مقرراً تغيير “الدين” ليتماشى مع الأهواء والأذواق
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي مستقبلاً وفداً من أساتذة ومبلّغي العراق: ليس مقرراً تغيير “الدين” ليتماشى مع الأهواء والأذواق
استضاف معهد أبحاث الفقه المعاصر وفداً من حوزة العراق الشقيقة (الاثنين ١٩ جمادى الأولى ١٤٤٢ هـ)؛ مستعرضاً المسؤولية العلمية والعملية للمبلّغين في صيانة سيرة أهل البيت والرد على تخرصات الفرق المنحرفة.
إن الفرصة التاريخية المتمثلة في انتصار الثورة الإسلامية في إيران وزعامة المرجعية العليا في النجف الأشرف توجب رص صفوف الأمة الإسلامية ونصرة مظلومي غزة وفلسطين.
استضاف معهد أبحاث الفقه المعاصر للدراسات والبحوث حشداً من أساتذة الحوزة العلمية والمبلّغين من دولة العراق الشقيقة، حيث اطلعوا عن كثب على المنجزات والنشاطات العلمية والبحثية للمعهد.
وخلال اللقاء، بادر رئيس المعهد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي بالترحيب بالوفد الزائر؛ مؤكداً على الضرورات والمسؤوليات الكبرى الملقاة على عاتق الحوزات العلمية والخطباء والمبلّغين في العصر الراهن، واصفاً رسالة الخطباء والمبلغين في المجتمع المعاصر بأنها بالغة الخطورة والتأثير. وأشار سماحته إلى التوجيه والوصية التاريخية للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لشيعته حيث يقول:
«اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا زَيْناً وَلَا تَكُونُوا شَيْناً، جُرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ، فَإِنَّهُ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ حُسْنٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ، وَمَا قِيلَ فِينَا مِنْ سُوءٍ فَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ»
مؤكداً وجوب اتخاذ هذا التوجيه الشريف كخارطة طريق ومنهج عملي مستمر لكافة أنشطتنا التبليغية والعلمية.
أبعاد المسؤولية المعرفية لعلماء الدين في العصر الحديث
وأوضح سماحته أن أداء هذه الرسالة العظيمة الملقاة على عاتق العلماء والمبلّغين يرتكز على شقين أساسيين: الشق العلمي والشق العملي.
وتتمثل المرحلة الأولى للشق العلمي في: “الفهم الصائب والدقيق للدين ولمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)”. وصحيح أن بلوغ هذا المستوى من الفهم الدقيق والعميق هو أمر ينطوي على صعوبة بالغة، غير أن الرأي العام العالمي اليوم يترقب ويطالب الحوزة بتقديم المعارف الدينية الصافية كما هي من دون إفراط أو تفريط؛ ويتطلب إحراز هذا الفهم الدقيق مواصلة الجهد العلمي، والرجوع المستمر للمصادر والمباني الأصيلة، والنهل من محضر العلماء والمراجع الأعاظم.
وأضاف آية الله نورمفيدي: “وتتمثل المرحلة الثانية للشق العلمي في: تقديم وتعريف هذه مدرسة شريفة للعالم بأسره بغير نقص أو زيادة. وصحيح أن أذواق، وثقافات، وقناعات الشعوب تتباين وتختلف من بقعة جغرافية إلى أخرى في العالم، ولكن ليس مقرراً أبداً تغيير الدين وتسييل حدود أحكامه ليتماشى مع الأهواء والأذواق والتقلبات المعاصرة؛ بل يتعين علينا تبليغ المذهب والدين بناءً على قواعده وأصوله الثابتة والمعتبرة شرعاً”.
وأردف أستاذ دروس الخارج بالحوزة العلمية في قم بالقول: “أما الشق الثالث لرسالتنا العلمية، فهو إدراك الأهمية الاستثنائية للحقبة التاريخية المعاصرة التي نعيشها واستثمار طاقاتها على الوجه الأكمل؛ فبفضل انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران وبسط زعامة المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق الشقيق (النجف الأشرف)، أتيحت للحوزات العلمية فرصة ذهبية فريدة وتاريخية لتبيين وتأصيل مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بأفضل شكل ممكن”.
صيانة الانسجام الإسلامي ومكافحة مؤامرات التفرقة والفرق المنحرفة
ووصف سماحته “الوحدة والانسجام الإسلامي والمودة بين الجماهير والعلماء” بأنهما بعدان أساسيان لرسالة الحوزويين العلمية؛ قائلاً: “إن النزاع والتخاصم بين المذاهب الإسلامية، أو الاحتراب والتناحر بين التيارات داخل الصف الشيعي الواحد، يورث الخسران المبين ويبدد الفرص والطاقات المخلصة للمبلغين والعلماء. وكما أكد الإمام الخميني (ره)، وقائد الثورة الإسلامية المعظم، والمراجع العظام للتقليد في النجف الأشرف مراراً وتكراراً؛ فإن وحدة المذاهب الإسلامية وتماسك التيارات داخل الصف الشيعي يمثل الصخرة الشامخة التي تتحطم عليها مؤامرات الأعداء ودسائسهم الخبيثة”.
وأضاف: “وفي هذا السياق، يبرز وجوب معرفة مخططات الأعداء الممنهجة لإثارة الفتنة والخلاف المذهبي بين المسلمين وفي صفوف الشيعة كشأن بالغ الأهمية؛ واليوم نشهد نشاطاً لبعض الفرق والنزعات المنحرفة داخل المجتمع الديني التي يتعين تشخيصها بدقة ومكافحتها والرد العلمي الرصين عليها صيانةً لمعتقدات الناس”.
نمط الحياة السلوكية لأهل البيت كمعجزة كبرى
وفي الشق الثاني من حديثه، تطرق آية الله نورمفيدي لدراسة “الجانب العملي والتطبيقي” لرسالة العلماء والمبلّغين؛ قائلاً: “إن المنهج العملي الأساس لأداء هذه الرسالة الإلهية يكمن في معرفة وتطبيق نمط الحياة والسيرة العملية والسنن السلوكية لأهل البيت (عليهم السلام). واليوم يمثل تبيين سيرة أهل البيت وتفاعلاتهم الأخلاقية، والعبادية، والاجتماعية، والاقتصادية، وعموم شؤون حياتهم مع الناس، الجهاد الأكبر في الساحة؛ ويتعين على العلماء والخطباء والمبلغين أن يكونوا هم السباقين والأولين في تطبيق هذا النمط السلوكي والعمل بسيرة الأئمة (ع) في ذواتهم أولاً، لتتحقق فعلياً تلك الوصية المباركة:
«کونُوا لَنا زَيْناً وَ لا تَکونُوا عَلَيْنا شَيْناً»
وعبر سماحته عن أسفه حيال ما يطرح على بعض المنابر بالقول: “مما يؤسف له، أن نجد بعض الخطباء على المنابر ينصب جل اهتمامهم على سرد الكرامات والمعجزات الخاصة لأهل البيت (ع)، في حين أن المعجزة الكبرى والفريدة للعترة الطاهرة تكمن في نمط حياتهم الدينية الرصينة وسيرتهم الأخلاقية والعملية الفذة التي لم تُبيّن ولم تُعرّف للرأي العام المعاصر على وجهها الصحيح والدقيق حتى الآن”.
ونوه آية الله نورمفيدي إلى الوقائع والأحداث الجارية في الأمة الإسلامية المعاصرة بالقول: “لقد كان الأئمة الأطهار (عليهم السلام) مدافعين حقيقيين عن الحق والإنصاف وصامدين بوجه الجور والظلم على الدوام. واليوم، نشهد فظائع ومجازر وجرائم وحشية بحق الإنسانية في غزة وفلسطين المحتلة بدعم أمريكي وغربي فادح وسافر؛ وإن السيرة الحقيقية لأهل البيت تفرض في مثل هذه القضايا نصرة المظلوم ومساندته، ورص صفوف الأمة الإسلامية بوجه الظالمين ومقارعة غطرستهم؛ مما يتحتم علينا أداء مسؤوليتنا وواجبنا التاريخي في هذه البرهة وإثبات تبعيتنا العملية الصادقة لمدرسة أهل البيت (ع)”.
وعقب تبيين هذه المباحث، طرح عدد من الأساتذة والضيوف العراقيين الأفاضل تساؤلات واستفسارات حول أبعاد ومساحة الفقه المعاصر والأنشطة والمنجزات العلمية لمعهد أبحاث الفقه المعاصر، حيث استمع سماحة آية الله نورمفيدي لتساؤلاتهم وأجاب عنها تفصيلاً.
ويجدر بالذكر أنه قبيل اللقاء، قام الوفد الزائر بجولة استطلاعية في أقسام المعهد شملت المجموعات العلمية التخصصية، والمكتبة المتخصصة، وقسم الموسوعة الإلكترونية للفقه المعاصر، مطلعين عن كثب على منجزات ومشاريع المعهد العلمية الرائدة.