تحديات صياغة المناهج المسرحية والحدود الشرعية للدراما والسينم
فقه الفنون الاستعراضية: تحديات صياغة المناهج المسرحية والحدود الشرعية للدراما والسينما
توطئة: لعل “فقه العرض والتمثيل” يمثل الحقل الأهم والأكثر اتساعاً في فقه الفن؛ إذ تحظى الفنون الاستعراضية والمسرحية بإقبال جماهيري واسع النطاق أفرز كماً هائلاً من التساؤلات المعاصرة، وكان لكل مخرجات فقهية حيالها أصداء ومواقف متباينة، مما جعله الحقل الأكثر جدلاً وتحدياً في فقه الفن.
ولتسليط الضوء على هذا الملف، أجرينا حواراً مفصلاً مع رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، وهو الأستاذ المبرز في دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة؛ حيث استعرض سماحته التحديات المشتركة والخاصة بفقه العرض والتمثيل في العصر الراهن، واضعاً في الوقت ذاته جملة من الحلول والمقترحات البحثية لتجاوز هذه العقبات.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
الهوية المفهومية والأنطولوجية للفنون الاستعراضية والمسرحية
شبكة اجتهاد: ما هي أبرز وأهم التحديات التي تواجه مسيرة فقه العرض والتمثيل في عصرنا الراهن؟
الأستاذ نورمفيدي: قبل الخوض في تبيين تحديات فقه العرض والتمثيل، يتحتم علينا أولاً الوقوف على تعريف دقيق لـ “فقه العرض والتمثيل” وتحديد معالمه لنعلم ما الذي نقصده بالتمثيل والعرض وأثره الفقهي. ينطوي مصطلح “التمثيل والعرض” (نمایش) على مساحة واسعة تشتمل على عدة فروع من فروع الفن؛ ففي القراءة التخصصية، يعني العرض والتمثيل: “الحركات والتمثيلات الخاصة التي يؤديها الإنسان لتبيين وتوصيل حالة شعورية أو حدث معين”. ومقتضى هذا التعريف يضم طيفاً واسعاً من الفنون يشمل: الرقص، الأوبرا، السينما، السيرك، وألعاب الخفة وما شاكلها.
وبناءً على هذا المنظور، فإن الفنون الاستعراضية والمسرحية -بوصفها ركناً من الفنون السبعة- تنطوي على دلالة واسعة تشتمل على ممارسات وسلوكيات شتى. غير أن الغالب والمنصرف إلى الذهن من تعبير “التمثيل والعرض” وما يترتب عليه من بحوث فقهية، ينحصر غالباً في السينما والتلفزيون والمسرح والتمثيل الدرامي للممثلين. فإذا تصفحنا المصنفات والبحوث المدونة تحت مسمى “فقه العرض والتمثيل”، سنجدها مقتصرة غالباً على دراسة المسائل المرتبطة بهذا الشق الدرامي فحسب، في حين أن التقييم الفني يبين مساحة أوسع بكثير واجهت الإهمال والغفلة في المباحث الحوزوية؛ ومنها فنون الرقص، والأوبرا، والسيرك، وألعاب الخفة وغيرها.
وبالالتفات إلى هذه المقدمة، وفي الإجابة عن تساؤلكم، أقول إن ثمة تحديات عامة تشترك فيها كافة الفروع والفقهيات المعاصرة والمضافة؛ ومن أعمق هذه التحديات: الغموض المفهومي لحدود “العرض والتمثيل”، وعدم وضوح ركائزه وضوابطه بالدقة المطلوبة. ويليه التحدي المتمثل في الافتقار للتشخيص والفهم الموضوعي الدقيق والصائب لمسائل وموضوعات فنون العرض والتمثيل.
فحين نطالع النتاجات العلمية الصادرة في هذا المضمار، نجد غالبيتها تعاني بوضوح من خلل وقصور ناتج عن غياب الفهم الموضوعي الدقيق؛ حيث تقتصر موضوعاتها على مسائل تقليدية بسيطة من قبيل: تشبه الرجال بالنساء وبالعكس، وتزيين وتجميل الرجل بما تتزين به المرأة، ونظر الرجل للمرأة وبالعكس، وبعض العلاقات العاطفية المحدودة على الشاشة، واستخدام الباروكة (الشعر المستعار)، وتجميل وتزيين الممثلين (الماكياج) من قِبل الجنس الآخر وما شاكل ذلك من المسائل؛ في حين أن التحديات والمسائل الحقيقية في هذا الحقل هي أعمق بكثير وأكثر اتساعاً وتكثراً. ومن هنا أؤكد صراحة أنه إذا أراد “فقه العرض والتمثيل” النهوض لعلاج مشاكل هذا الحقل الفني وحسم ملفاته، فيتعين عليه أولاً الارتقاء بفهمه وتأصيل موضوعاته ومسائله بالدقة العلمية اللازمة.
فعلى سبيل المثال، يزخر الفن المسرحي بمدارس ومذاهب وتوجهات متعددة تتجاوز أحياناً خمسة عشر مذهباً؛ ومنها المذهب والفكر “العدمي والعبثي” (النهيليستي)، الذي يرى الوجود والحياة عبثاً خالصاً خالياً من أي قيمة أو معنى؛ وبغض النظر عن مدى جاذبية هذا المذهب ومساحة جمهوره، فإن التساؤل الفقهي المطروح هو: ما حكم تمثيل وتجسيد وعرض المذهب والتوجه العدمي والعبثي في الفن؟ وهل يسوغ الفقه إعداد وتجسيد وعرض مثل هذه الأفكار والتوجهات الهدامة والمخالفة لأساس الدين؟ وتتكرر هذه التحديات في المدارس الكوميدية والساخرة الممتزجة بالابتذال أو التهريج، وسائر المذاهب الدرامية المعاصرة في السينما والتلفزيون؛ فهل يجوز استخدام هذه الأساليب في العرض والتمثيل فقهياً؟ والقول ذاته ينطبق على الأوبرا وغيرها من الفنون.
أما التحدي الثالث، فيتمثل في غياب “شبكة مصنفة ومنظمة لنظام المسائل” في فقه العرض والتمثيل؛ ليتسنى للباحث السير على هداها؛ وعليه فلا بديل للنهوض بهذا الحقل كعلم تخصصي ومنهجي عن صياغة وتدوين شبكة تنظيمية متكاملة لنظام مسائله لتمثل خارطة طريق للأبحاث والدراسات اللاحقة.
والتحدي الرابع يكمن في شحة ونقص المصادر التخصصية المدونة؛ فصيانة ومناعة أي علم وضمان بقائه ورقيه يقتضي بالضرورة إنتاج بحوث رصينة ومصادر متقنة ومستحكمة لتكون قادرة على علاج المسائل وحسم التحديات، وفقه العرض والتمثيل يندرج تحت هذا القانون؛ فصياغة المصادر المتقنة هي صمام الأمان للاستنباط الفقهي الصحيح للأحكام.
والتحدي الخامس هو الافتقار لـ “الدراسات البينية” المرتبطة بفقه العرض والتمثيل؛ فالعلوم المعاصرة اليوم لا غنى لها عن تفعيل الدراسات البينية والمشتركة، بل إن رقي أي حقل معرفي وتطوره يرتبط برباط وثيق بمدى تفعيل بحوثه المشتركة مع بقية العلوم؛ وهو ما يفتقر إليه فقه العرض والتمثيل للأسف.
أما التحدي السادس، فيتمثل في غياب المفاهمة والفهم المشترك بين النخب والباحثين الحوزويين وبين النخب والناشطين الفنيين وأصحاب الفنون الاستعراضية؛ وصحيح أن الباحث الحوزوي قد يبذل قصارى جهده لتشخيص موضوعات الفن وتأصيل أحكامها، إلا أن هذه الجهود ستظل قاصرة وغير فاعلة ما لم تثمر فهماً مشتركاً ولغة حوار متبادلة مع أصحاب الفنون أنفسهم عبر الحوار المفتوح واللقاءات التخصصية المستمرة.
التعارض الجوهري للفن الحديث والماكيافيلية الفنية
شبكة اجتهاد: بغض النظر عن التحديات العامة للفقهيات المستجدة (كشحة المصادر والقواعد التخصصية)، ما هي “التحديات التخصصية والخاصة” التي تحكم فقه العرض والتمثيل؟
الأستاذ نورمفيدي: ينطوي الفن المعاصر بمعناه العام، والفن السينمائي بمعناه الخاص، على فلسفة ومنهج داخلي خاص يفرضان ترفع الفنون الاستعراضية والمسرحية عن الغايات والأهداف الدينية والأخلاقية المحضة؛ ويرتكز هذا المنهج على الافتراض الفلسفي القائل بـ “الفن للفن، السينما للسينما، والمسرح للمسرح”؛ رافضاً إقحام الغايات الدينية أو الأخلاقية في صلب العمل الفني. ويمثل هذا الفكر سمّاً زعافاً لصناعة الفن ورسالته الإنسانية، وفي الوقت ذاته يشكل تحدياً عقائدياً وتخصصياً خطيراً جداً لـ “فقه العرض والتمثيل”؛ لكونه يذكي فتيل تعارض جوهري وماهوي بين الفقه وبين الفنون الاستعراضية.
وإلى جانب هذا المنظور المادي، ثمة رؤية فنية أخرى تقر بوجوب هادفية وغائية الفنون الاستعراضية، ولكن أصحابها يلتزمون بوجوب استخدام واستغلال كافة الوسائل والأدوات المتاحة (سواء أكانت مشروعة أم لا) للوصول إلى الغاية الأخلاقية أو الدينية الختامية للعمل الفني؛ أي وجوب دفع المشاهد بكافة السبل الممكنة للتعاطف والتماهي الوجداني مع شخصيات الفيلم والعيش معها خطوة بخطوة للوصول للرسالة الختامية؛ وبناءً عليه يسوغون استخدام الوسائل الرخيصة أو المحرمة بدعوى سمو الهدف والرسالة الختامية للقصة (شعار: الغاية تبرر الوسيلة فقهياً وفنياً).
في حين أن الفقه الإسلامي يرفض بالكامل هذا الشعار ومبدأ التوسل بالوسائل المحرمة لعلاج المسائل؛ فلا يسوغ لنا شرعاً عرض وتجسيد السلوكيات المحرمة أو القبيحة بصورة عارية ومخالفة للعفة والأخلاق بذريعة الرغبة في إيصال رسالة إنسانية مصلحة في نهاية الفيلم؛ بينما يرى أصحاب الفنون المادية أن هذا التجسيد هو مقتضى طبيعة الفن ودستوره لتأسيس عملية التماهي والتعاطف لدى المشاهد.
وإن هذا التباين يمثل واحداً من التحديات الجوهرية والخاصة بفقه العرض والتمثيل؛ لكونه يولد صراعاً وجودياً يضع الباحث بين خيارين: فإما الالتزام التام بالضوابط والقواعد الفقهية وتجريد الفن الاستعراضي الحديث من هويته ودستوره الفني، وإما القبول بالهوية والآلية الفنية الحديثة بتمامها على حساب التضحية بالقواعد والضوابط الفقهية وتجاوزها.
خلفيات الحذر الفقهي التاريخي وتحديث الفهم باجتهاد الزمان والمكان
شبكة اجتهاد: غالباً ما يتسم تعاطي الفقهاء بعدم الارتياح والتربص بالفنون الاستعراضية والمسرحية (تلفزيون، سينما، مسرح)؛ فما هي الافتراضات والمباني التي قادت الفقهاء قديماً لصياغة هذا الموقف؟
الأستاذ نورمفيدي: يرتكز هذا التعاطي غير الصائب لغالبية الفقهاء تجاه الفنون الاستعراضية على افتراض مسبق يرى كافة مظاهر التمدن والحضارة الحديثة ظواهر فاسدة ومطرودة بطبيعتها؛ وهو منظور متطرف وغير مقبول يفرز تداعيات خطيرة، ولو سار العقل خلفه لما بقي أمام المسلمين سوى جادة الانعزال، والصمت، والانسداد الفكري الكامل. وصحيح أن دافع وحرص هؤلاء الأفاضل يمثل غيرة دينية ومخاوف مقدسة حيال انزلاق الإنسان نحو مسالك الحضارة المادية، وهي مخاوف مقبولة ومبررة في حد ذاتها؛ إلا أن منهجية تعاملهم وافتراضاتهم تخلو من المنطق العقلاني القويم والموضوعية.
وثمة طائفة أخرى تخلصت من هذا المنظور المتطرف، ولكنها تلتزم بأن مناشئ الفنون المعاصرة وغالبية الإنتاجات الفنية الحالية تصدر من جهات خالية من الالتزام الديني والأخلاقي، وأن الكثير من المنتجات الفنية الغربية تهدف لزعزعة صروح العقيدة والالتزام الأخلاقي والسلوك القويم في المجتمعات قاطبة، ولا سيما المجتمعات الإسلامية؛ وهو قلق حقيقي وجاد يواجه حراس الشريعة ودعاة الأخلاق والفضيلة لحماية الجيل الشاب وصيانته من التلوث المعنوي؛ وهو قلق مشروع جداً لا سيما في عصرنا الرقمي الراهن الذي تلاشت فيه الحدود الجغرافية والقانونية للأخلاق والتربية وباتت المجتمعات فاقدة لأدوات السيطرة والتحجيم للحد من تغلغل هذه الأخطار في عقول الشباب.
وإلى جانب ذلك، لا يمكن لأحد إنكار أن وسائل الإعلام -لا سيما وسائل العرض المرئية والسينمائية- قد وظفت لقرون طوال كأدوات استعمارية لقوى الهيمنة العالمية لتثبيت هيمنتها ونهب ثروات الشعوب وغزو عقولها وقلوبها وتشويه هويتها؛ وهي مخاطر سياسية، وثقافية، واقتصادية حقيقية غذت تلك الحساسية والتحفظ الحوزوي.
وثمة معطى آخر بالغ الأهمية يرتبط بمنهجية وأدوات الاستنباط والاجتهاد الحوزوي؛ فبمعزل عن تلك المخاوف السياسية والأخلاقية، فإن إهمال وغياب دور عنصري “الزمان” و”المكان” في عملية الاستنباط الفقهي قد أسهم مباشرة في صياغة هذا التحفظ وعدم الارتياح الفقهي؛ وحين نتصفح مقاربة الإمام الخميني (قدس سره) التجديدية في هذا الباب، نجدها متباينة تماماً عن القراءات الحوزوية التراثية؛ حيث يذكر كلمته التاريخية الخالدة:
«نحن لسنا ضد السينما، بل ضد الفحشاء والفساد»
والسر الكامن وراء تفوق فكر الإمام يرتكز بالأساس على تفعيله التام لعنصري الزمان والمكان في عملية الاجتهاد، وميز بدقة وموضوعية فائقة بين التقنية والأداة الفنية الحديثة وبين استخدامها المنحرف ومفاسدها الأخلاقية، مؤكداً وجوب صيانة التوجه والرسالة الإنسانية للفنون الاستعراضية لإحباط غايات الأعداء الاستعمارية وتوظيف الفن لصلاح العباد وسعادتهم المعنوية.
الحلول والمخارج البحثية لتطوير المناهج الحوزوية
شبكة اجتهاد: من الناحية البحثية، ما هي التحديات التي تعيق حركة البحث الفقهي التخصصي في حقل فقه العرض والتمثيل؟ وكيف يمكن تجاوز هذه العقبات؟
الأستاذ نورمفيدي: إن التحديات الستة التي أسلفت ذكرها في تبيين واقع فقه العرض والتمثيل تنسحب بأجمعها على ساحة البحث والدراسة الحوزوية في هذا الحقل المعرفي؛ وتكمن سبل علاجها وصياغة الحلول لها في تفكيك تلك التحديات ومعالجتها؛ أي من خلال إشعال وتفعيل نهضة تخصصية لتنقيح وتحديد موضوعات الفن ومسائله وتشخیصها، وبناء المصادر الفقهية المتقنة، وتصميم شبكة متكاملة لنظام المسائل الفنية، وتأسيس قنوات تواصل وبحوث بينية مع بقية العلوم الإنسانية المعاصرة، وتقوية المنهج الاجتهادي الحوزوي المواكب لعنصري الزمان والمكان، وصياغة نظام فقهي متكامل؛ وحقيقةً نحن لا نزال في مطلع الطريق وبداياته الأولى في كافة هذه الحقول، ويتعين علينا بذل طاقات مضاعفة لتلبية هذه التطلعات وحسم التحديات الفقهية المعاصرة.