الفقهاء يقرّون بـ “حق الحياة” للحيوان والنبات صوناً للتوازن البيئي
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع شبكة “اجتهاد”: الفقهاء يقرّون بـ “حق الحياة” للحيوان والنبات صوناً للتوازن البيئي
توطئة: يُعد “فقه البيئة” واحداً من الأبواب المستجدة والحديثة النشأة في الفقه المعاصر؛ ومن الطبيعي ألا تحظى مبانيه وافتراضاته المسبقة ببحث وتأصيل جادين ومستفيضين حتى الآن. فعلى سبيل المثال، يتوهم البعض أن الافتراض المسبق لدى الفقهاء في المباحث البيئية يرتكز على عدم الاعتراف بحق الحياة للحيوان والنبات، والافتقار لقيمة صيانة البيئة واحترامها. ولتسليط الضوء على هذه الشبهة، أجرينا حواراً مفصلاً مع رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، وهو الذي يعكف منذ سنوات طوال على دراسة وتدريس حقول الفقه المعاصر وإلقاء محاضرات متعددة في أبوابه المستجدة. يرى سماحته أنه بالرغم من عدم تناول الفقهاء للمباحث البيئية بالتفصيل، إلا أنه لم يكن هناك أبداً مبنى فقهي يرفض الاعتراف بحق الحياة للحيوان والنبات.
وفيما يلي النص الكامل للحوار مع أستاذ درس خارج الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة:
مفهوم فقه البيئة وأبعاده المعاصرة
شبكة اجتهاد: تفضلوا ببيان المقصود الدقيق بـ “فقه البيئة”، وتوضيح أبعاده ومساحته المعرفية.
الأستاذ نورمفيدي: بالنظر إلى التعريف المعتمد لكل من “الفقه” و”البيئة”، يمكننا القول إن فقه البيئة يمثل مجموعة الأحكام التكليفية (الأوامر والنواهي) التي حددتها الشريعة الإسلامية لتنظيم سلوك الإنسان وتعاطيه مع البيئة. والبيئة هنا تعني المحيط الطبيعي بكافة ظروفه وكائناته التي تعيش على هذا الكوكب. وفي واقع الأمر، يساعدنا فقه البيئة على فهم المعايير والمباني التي يتعين على الإنسان اتخاذها تجاه سلوكياته الإيجابية والسلبية حيال الطبيعة والبيئة.
وبطبيعة الحال، ثمة اصطلاحان حول ما إذا كان موضوع البيئة يقتصر على الإنسان بمفرده، أم يشمل كافة فصائل الكائنات الحية؟ فتارة يُقصد بالبيئة “البيئة الإنسانية” التي يحتل فيها الإنسان المركز والعمود الفقري، وتارة يُقصد بها “بيئة الكائنات الحية قاطبة” لتشمل كافة الحيوانات، والنباتات، والطبيعة برمتها. والواقع أن أبحاث الفقهاء البيئية تنطلق غالباً من المنظور الأول؛ أي دراسة البيئة بمحورية الإنسان، وهو أمر بحد ذاته يستدعي البحث والنقاش.
إن مسألة الحفاظ على البيئة -وفقاً لتعبير أخصائيي التنمية المستدامة- تُمثّل واحداً من أهداف التنمية للألفية الثالثة، وإحدى الركائز الثلاث للتنمية المستدامة؛ وهو ما جاء نتاجاً للمشاكل الكبرى التي واجهتها البشرية في القرون الأخيرة؛ حيث يواجه الإنسان اليوم معضلات بيئية حقيقية. وصحيح أن مسألة البيئة لم تحظَ بهذا المستوى من الاهتمام والوعي في العصور الماضية، إلا أن البشر اليوم يواجهون أزمات جادة في مجالات الماء والتربة والهواء على حد سواء. فالكثير من الفصائل الحيوانية والنباتية باتت مهددة بالانقراض، والغابات الشاسعة تتعرض للإبادة والمساحات الخضراء تتقلص باستمرار، والمراعي تواجه الخطر نفسه، تزامناً مع تراجع حاد وخطير في مخزون المياه الجوفية.
ومن جهة أخرى، فإن التنمية الصناعية للدول قد قذفت بأحجام هائلة من النفايات ومياه الصرف الصحي في البحار والأراضي؛ فضلاً عن غازات المصانع المعتمدة على الوقود الأحفوري والتي ألحقت ضرراً فادحاً بالهواء وتسببت في اتساع ثقب طبقة الأوزون. ويُضاف إلى كل ذلك الأسلحة البيولوجية والجرثومية الفتاكة التي تصنعها الدول للدفاع أو للهجوم، والتي تضر بالبشرية والبيئة ضرراً بليغاً.
وبناءً على تداخل حياة البشر مع هذا ملف الحيوي والواسع النطاق -لا سيما في السنوات الأخيرة التي شهدت بروز طيف شاسع من المسائل البيئية- فإن فقه البيئة يشتمل اليوم على مجموعة ضخمة من المسائل التي لا يزال الكثير منها بكراً ويفتقر للبحث والدراسة والتحقيق العلمي الرصين.
المباني التمهيدية العامة والخاصة لفقه البيئة
شبكة اجتهاد: قبل الولوج في مباحث فقه البيئة، ما هي المباني والافتراضات التي يتعين الالتفات إليها واتخاذ مبنى واضح حيالها؟
الأستاذ نورمفيدي: إن الكثير من الموضوعات المستجدة في عصرنا الراهن كانت تملك جذوراً وسوابق في الماضي؛ غير أنها كانت تتسم بالبساطة الشديدة في العصور الغابرة بينما باتت اليوم في غاية التعقيد؛ ومن هنا إذا تصفحنا كُتب الأقدمين ومصادرنا الفقهية، سنجد أن المسائل البيئية قد بُحثت بأسلوب بسيط وموجز، ولكنها اليوم تشابكت وتداخلت مع شؤون شتى لتبلغ ذروة التعقيد، مما يفرض بالتأكيد تأسيس افتراضات مسبقة ومبانٍ تمهيدية في هذا المضمار.
لقد أُسست اليوم فروع أكاديمية متخصصة ومستقلة لكل حقل من حقول البيئة وشؤونها؛ ونظراً لهذا التعقيد الحاصل، فإننا بأمس الحاجة لإجراء بحوث قبلية وتمهيدية. وفي تقديري، يمكن تقسيم هذه الافتراضات المسبقة إلى قسمين: افتراضات مسبقة خاصة بالولوج في فقه البيئة تحديداً، وافتراضات عامة للولوج في هذا الحقل المعرفي وغيره من الفقهيات المعاصرة.
فيما يتعلق بالافتراضات المسبقة العامة، تبرز النقطة الأولى في وجوب اتخاذ مقاربات ومناهج خاصة حيال الكثير من المسائل والقضايا المستجدة؛ وتُعد “المقاربة الاجتماعية” المنهج الأهم الذي تجب مراعاته في هذا الصدد. ولو أردنا تصنيف الفقه والفقهاء من منظور معين، لأمكننا القول إن طيفاً واسعاً من الفقهاء قد تعاطوا مع المسائل الفقهية برؤية ومقاربة فردية محضة، بينما راعت طائفة أخرى المقاربة والبعد الاجتماعي؛ وبطبيعة الحال كلما اقتربنا من العقود الأخيرة يتبلور هذا البعد الاجتماعي بوضوح أكبر؛ ومن هنا فإن المقاربة الاجتماعية للفقه تكتسب أهمية بالغة لا سيما في دراسة وبحث القضايا البيئية.
وإلى جانب هذه المقاربة الفقهية، تبرز الأهمية الفائقة لـ “المقاربة الحكومية”؛ لكون العديد من المسائل والتحديات البيئية تقع بالأساس ضمن نطاق مسؤوليات الدولة والحكومة وتخرج عن عهدة الأفراد والشخصيات الحقيقية بمفردهم، أو أن قسماً من هذه المشاكل يولد بالأساس كإفراز طبيعي للسلوك والقرارات الحكومية؛ ومن هنا يتعين الالتفات بجدية للمقاربة الحكومية في هذا الفقه.
والمسألة الثالثة التي أراها ضرورية بصفة عامة وفي فقه البيئة بصفة خاصة، هي تحديد نوع منهجية مواجهة الإنسان وتفاعله مع الظواهر والمسائل المستجدة؛ وهل نريد مواجهة هذه القضايا بسلوك مبني على الانقباض والرفض والنهي السلبي، أم نريد تعاطياً قائماً على الانبساط والمواجهة الإيجابية البناءة؟ إذ جرت العادة لدى البعض على مواجهة الظواهر والآليات الحديثة الداخلة في حياة البشر بغارد سلبي وموقف رافض من منطلق فردي وضيق؛ ومن هنا تكتسب منهجية المواجهة والتعاطي مع هذه المستجدات أهمية كبرى.
أما في حقل الافتراضات المسبقة الخاصة بفقه البيئة، فثمة ثلاث مسائل محورية:
-
الأولى: تحديد موقفنا الأساسي تجاه البيئة وتأصيل معالمها؛ وهل نقصد بالبيئة معناها العام والشامل -أي صيانة البيئة بغض النظر عن الإنسان ومنافعه المادية المحضة- أم نقصد بها البيئة بمحورية الإنسان ومنفعته وتوفير سبل حياته الكريمة؟ فالكائنات الحية بمختلف فصائلها تمثل محيطاً حيوياً للإنسان؛ مما يفرض تحديد حدود وثغور هذه المصادر الطبيعية، سواء تلك التي تترك أثراً مباشراً أم غير مباشر على حياة الإنسان.
-
الثانية: موقع الإنسان وعلاقته بهذه المصادر الطبيعية؛ وهل نرى ملكية الإنسان لها ملكية خاصة وتامة؟ (إذ ينظر طيف من الفقهاء إلى ملكية الأرض والماء والهواء برؤية تامة وخصوصية من هذا القبيل). أم نرى ملكية هذه المصادر في عهدة الحاكم والدولة والحكومة بوصفها من بيت المال والأنفال التي تدار من قبل السلطة؟ ومن هنا يبرز وجوب تنقيب وبحث ملفات الأنفال، والجبال، والغابات، والمراعي، والأراضي، والوقوف على طبيعة مالكها الشرعي؛ لأن هذه الافتراضات ترسم معالم فقه البيئة بوضوح ولها أثر حاسم فيه.
-
الثالثة: مسألة “تنقيح وتحديد الموضوع” بوصفه واحداً من أهم المبادئ العامة للولوج في فقه البيئة وعموم الفقهيات المعاصرة؛ ويمكن دراسة هذا المبدأ من منظورين: تارة تبرز ظاهرة أو تحدٍ بيئي مستجد مثل مشكلة اتساع ثقب الأوزون وتداعياته الكارثية على البشر والكائنات كافة، وهذا قسم؛ وتارة يتجاوز تحديد الموضوع هذا الحد الجزئي ليرسم “صياغة فقهية وهيكلية شاملة للمسألة”؛ وهو أمر يتوقف بدوره على دراسة مجموعة الموضوعات والمسائل برؤية كلية وشاملة، لنصوغ بناءً عليها قائمة واضحة بالموضوعات التي تقتضي البحث الفقهي؛ ومن هنا يكتسب تحديد وتنقيح الموضوع أهمية كبرى من كلا المنظورين، ويتعين أولاً معرفة الموضوعات البيئية ذاتها وتفاعلاتها المختلفة مع شتى الفروع العلمية والمعرفية ومختلف أبعاد الحياة الإنسانية لصياغة وتأصيل هيكل فقه البيئة ورسم حدوده الشرعية.
معالجة المسائل البيئية في سيرة الفقه التقليدي والمستحدث
شبكة اجتهاد: ما هي الافتراضات المسبقة التي انطلق منها الفقهاء قديماً في علاج المسائل البيئية؟
الأستاذ نورمفيدي: يتضح الجواب عن هذا السؤال من خلال المباحث السابقة؛ فللإيجاز لم تكن مسائل فقه البيئة مطروحة كملفات مستقلة في الماضي، نعم، كانت غالبية المسائل البيئية تُطرح وتُبحث قديماً في كتاب الجهاد (أي سياق الحروب والمنازعات)؛ سواء في الحروب بين المسلمين والكفار أم في النزاعات الداخلية بين طوائف المسلمين وبغاة الفتنة؛ حيث بحث الفقهاء قضايا من قبيل: حرمة قطع الأشجار، والمنع من تسميم أو تلوث المياه الصالحة للشرب، وحرمة حرق الأراضي الزراعية والمحاصيل وما شاكل ذلك من المسائل.
وبصفة عامة، فإن الأزمات البيئية المعاصرة تولدت بالأساس كإفراز للتدخل البشري الجائر في الطبيعة؛ وإلا فإن الطبيعة تسير في مسارها الذاتي بغير مشاكل إذا ما تُركت بغير تدخل. والتدخل الإنساني المشروع في الطبيعة يقتضي إعمار الأرض واستصلاحها واستعمارها بالمعروف تلبيةً للتعاليم القرآنية الشريفة؛ حيث يقول الباري جل وعلا في سورة هود الآية 61:
«هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا»
والدلالة المطابقية لهذه الآية الشريفة تفيد بوجوب سعي الإنسان لإعمار الأرض واستصلاحها (وهو ما يُصطلح عليه اليوم بالتنمية)، ومقتضى هذا الإعمار والوقوف عليه هو حرمة تخريب الأرض وتدمير معالمها؛ وحين يتدخل الإنسان في الطبيعة بهدف الاستصلاح والإعمار، يتحتم شرعاً تحديد حدود وضوابط هذا التدخل البشري.
وقد حظي هذا البحث بدراسة مبسطة وموجزة في فقه القدماء؛ غير أن المسائل البيئية المعاصرة باتت في غاية التعقيد والعمق ولها آثار مدمرة ومستديمة؛ فقديماً إذا ألقى العدو سماً في الماء، كانت تداعياته تظهر فوراً بتسمم عدد من الناس؛ أما اليوم، فحين يُشيد مصنع صناعي، فإن حجم الانبعاثات والملوثات الصادرة عنه ومساهمتها في تدمير طبقة الأوزون تترتب عليها آثار كارثية تمتد لأجيال متعاقبة بغير أن تكون ملموسة أو محسوسة بشكل مباشر للوهلة الأولى، بل تهدد بقاء الأجيال القادمة وصحتها.
وقد طُرح وجوب الحفاظ على البيئة في الماضي في حدود مسؤولية الإنسان وصيانته لمحيطه الحيوي، بل ومسؤوليته تجاه البهائم والدواب؛ حيث ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال في نهجه البليغ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِم»؛ فالإنسان مسؤول بين يدي الله حتى عن الأرض والدواب الصامتة. وعلى أية حال، فإن هذه التعقيدات البيئية المعاصرة لم تكن مطروحة في الماضي؛ وعليه لم تكن هذه الافتراضات المسبقة المعاصرة محلاً للبحث والنقاش بين فقهاء السلف؛ مما يستدعي منا اليوم دراسة وتأصيل هذه الافتراضات بعمق؛ إذ لم تكن تلك الأزمات مطروحة قديماً، وصحيح أن حماية المحيط الحيوي للإنسان كانت محط اهتمام الشريعة، إلا أن قضايا صيانة الفصائل النباتية والحيوانية المهددة بالانقراض وإعادة التوازن البيئي لم تكن تندرج تحت شواغل الفقه قديماً.
أصالة الإنسان وحق الحياة للحيوان والنبات
شبكة اجتهاد: هل يمكننا القول إن أحد الافتراضات المسبقة للفقهاء في المسائل البيئية يرتكز على إعطاء الأصالة والقيمة للإنسان (المركزية البشرية) على حساب الحيوان والنبات، والقول بإنكار “حق الحياة” للحيوانات والنباتات؟
الأستاذ نورمفيدي: يتضح الجواب عن هذه الشبهة بالالتفات إلى المباحث السابقة؛ وهنا أود التفكيك بين مسألتين: فكون الإنسان يحتل محورية الأصالة والمنفعة والحيوان والنبات يمثلان فرعاً لخدمة معيشته ورقيه هي مسألة، والقول بإنكار “حق الحياة” للحيوان والنبات هي مسألة أخرى تماماً. ففي مسألة أصالة الإنسان ومحوريته، يُنظر إلى النباتات والحيوانات بوصفها مسخرة ومفيدة لضمان حياة كريمة للإنسان وتطور معيشته.
وقد زخرت مصادرنا الإسلامية وأحاديث العترة الطاهرة (عليهم السلام) بالحث الأكيد والتأكيد البليغ على صيانة التربة والمياه ورعاية الحيوان والدواب رعاية فائقة تبرهن بوضوح وجلاء على ثبوت “حق الحياة” للحيوانات والنباتات في التشريع الإسلامي. وحتى ضمن المقاربة التي تضع الإنسان في المركز والعمود الفقري للبيئة، فإن حق الحياة للحيوان والنبات يظل ثابتاً ومصاناً وله أثر واضح وقابل للرصد في فتاوى الفقهاء وتصنيفاتهم. وصحيح أن الغاية القصوى والمنفعة الختامية من صيانة الغطاء النباتي والثروة الحيوانية تعود بالنفع على حياة الإنسان واستقراره، غير أن حق الحياة مكفول ومصان لهذه الكائنات بحد ذاته؛ وبناءً على هذا فلا يمكن بأي حال من الأحوال الادعاء بأن الافتراض المسبق للفقهاء يرتكز على إنكار حق الحياة للحيوانات والنباتات، بل غاية الأمر أن هذا الملف قد واجه الغفلة وعدم التبويب المفصل بسبب بساطة العصور الماضية، دون أن يكون إنكار حق الحياة افتراضاً مسبقاً لديهم قط.
وبشكل عام، فإن منظومة المعارف الدينية والمنظومة الفكرية للفقهاء وجهازنا الفقهي يقر ويضمن صيانة “حق الحياة” للإنسان ومختلف فصائل الكائنات الحية على نحو متوازن وعادل يضمن التوازن البيئي. ويتعين في هذا الصدد تدبر الآيات 204 و205 و206 من سورة البقرة؛ حيث يقول الباري جل وعلا:
«وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسَدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)»
إن الخالق سبحانه يصف في هذه الآيات طائفة من الناس تنهض لإهلاك “الحرث والنسل”، ويجعل من هذا الإهلاك والتخريب وتدمير الغطاء النباتي والثروة الحيوانية والبيئية مصداقاً جلياً وصارخاً لإشاعة الفساد في الأرض الذي لا يحبه الله تبارك وتعالى؛ وبناءً عليه، فإن تخريب بيئة الكائنات ومصادر الطبيعة التي تمثل ركيزة الحياة للحيوان والنبات هو عين الفساد والمحظور الشرعي الأكبر؛ ومن هنا فإن الفقهاء يلتزمون يقيناً بثبوت “حق الحياة” للحيوانات والنباتات، وتذخر أبواب الفقه بالعديد من الأحكام والضوابط الكفيلة برعايتها وصيانتها وحرمة انتهاكها.