الشهيد سليماني كان نموذجاً للمتديّن الثوري المخلص
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي خلال درس خارج الفقه: الشهيد سليماني كان نموذجاً للمتديّن الثوري المخلص
بمناسبة ذكرى استشهاد الفريق قاسم سليماني (الأربعاء ١١ جمادى الثانية ١٤٤٤ هـ)، تبيين منزلة الجهاد والشهادة في سبيل الله، وخصائص هذا البطل الوطني الخالد في تاريخ إيران والإسلام.
وردت عن الإمام الصادق (عليه السلام) رواية شريفة في باب الجهاد والشهادة في سبيل الله؛ حيث يقول:«لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ بَابُ الْمُجَاهِدِينَ يَمْضُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وَهُمْ مُتَقَلِّدُونَ بِسُيُوفِهِمْ وَالْجَمْعُ فِي الْمَوْقِفِ».
إن هذا لمضمون بالغ الأهمية في شأن المجاهدين والمقاتلين في سبيل الله؛ أولئك الذين يبذلون مهجهم ويجاهدون دفاعاً عن دين الله وإعلاءً لكلمته تبارك وتَعلى. فالخالق جل وعلا قد جعل هذه القيمة السامية للمجاهدين في سبيله؛ وهذا يمثل جانباً يسيراً من منزلة عملهم وعظمة مقامهم. ولو أردنا الحديث عن قيمة الجهاد والشهادة في سبيل الله وعظمة هذا العمل الشريف، لتطلب ذلك أبحاثاً طوالاً؛ إذ تذخر الآيات القرآنية والروايات الشريفة ببيان عظمة المجاهدة والشهادة في سبيله سبحانه.
فعلى سبيل المثال، يروى عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: إن غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها. إن المشاركة في الجهاد بقصد القربة؛ أي أن يجاهد العبد مخلصاً لوجه الله وامتثالاً لأمره تبارك وتعالى، لهي خير من الدنيا وما فيها بأسرها. والسر الكامن وراء هذه العظمة يكمن في أن من يستعد لبذل أعز ما يملك -وهي روحه ونفسه- في سبيل الله، فقد بلغ الغاية القصوى من التكامل. ولو افترضنا أن الدنيا وما فيها قد وُهبت بأكملها لشخص ما، فما هي قيمتها الحقيقية له؟ إنها قد تمنحه لذة ومتعة بضعة أيام، ولكن إذا كانت الدنيا بأسرها في قبضة يده ولم تسهم بأدنى مستوى في تكامل شخصيته الإنسانية، فما هي قيمتها وجدواها؟ نعم، إن الدنيا تكتسب قيمتها إذا سخرها العبد في سبيل الله لنيل قربه، ولكن ذروة القرب وقمة السمو تتجلى حين يبذل الإنسان روحه ونفسه مخلصاً لله تبارك وتعالى.
منزلة وصال المحبوب عبر إنفاق المهج
يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
«بِإِنْفَاقِ الْمُهَجِ يَصِلُ الْعَبْدُ إِلَى حَبِيبِهِ»
فببذل القلوب والنفوس وسفك دماء العبد في سبيل الله، يبلغ وصال حبيبه الحقيقي ويتصل بمعبوده جل وعلا. وهذا ليس أمراً تعبدياً محضاً؛ فمن يستعد لبذل روحه وسفك دمه لوجه الله، يبلغ مقام الوصال بلا شك. وما هو مقام الوصال والقرب الإلهي؟ إنه يمثل مرحلة يرى فيها العبد ربه تبارك وتعالى ولا يرى نفسه؛ وهذا هو المعنى الحقيقي للفناء في ذات الله. فمن يبلغ هذه المرتبة ويعشق ربه لدرجة يفنى فيها عن ذاته ولا يرى إلا الخالق سبحانه، فهذا هو عين القرب.
وصحيح أن للقرب مراتب ومنازل، والشهداء ليسوا في درجة واحدة، ولكن في الجملة، فإن من يبلغ هذه المرحلة ويبذل مهجته ويُسفك دمه في سبيل الله، «يصل إلى حبيبه» ويتصل بمحبوبه الحقيقي نائلاً ذلك المقام السامي.
إن القرب والزلفى من الحق سبحانه لا يعنيه سوى وطء الذات والمنية بالأقدام؛ فكلما وطأ الإنسان منيته وأنانيته ونفسانيته وتجاوزها، يقترب قهراً من هذا المقام السامي. والشخص الذي يبدي استعداداً لفناء وجوده بالكامل دفعة واحدة، غير مبالٍ بالدنيا ومغرياتها، واضعاً عائلته وأولاده جانباً دون أن يشكل أي منها مانعاً أو عائقاً أمام حركته، يبلغ بحق مقام القرب الإلهي.
الشهيد سليماني وخصائص المدرسة الثورية والأخلاقية
والأبحاث في هذا الحقل كثيرة ومستفيضة؛ وإنما ذكرت هذه المقدمة تزامناً مع أيام ذكرى استشهاد الفريق قاسم سليماني؛ فقد كان بحق نموذجاً بارزاً ومثالاً يحتذى للمجاهد في سبيل الله، ومتديناً ثورياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ وتصوري هو أنه قد صاغ وبنى هذه الاستعدادات والملكات في روحه ونفسه طوال حياته الشريفة ليبلغ هذه الغاية الشامخة.
وأحياناً نواجه في شبكات التواصل الاجتماعي بعض الأحكام الجائرة والمواقف الخالية من الإنصاف؛ وحقيقةً ليس من المروءة والأخلاق أن يتنكر المرء للإنصاف في تقييمه للآخرين. لقد كان الشهيد سليماني رجلاً دؤوباً لا يعرف التعب، ودوداً، شجاعاً، يتحلى بسعة صدر بالغة وروح شعبية وتواضع جم مع عامة الناس، ومخلصاً حريصاً على خدمة الشعب والثورة ونظام الجمهورية الإسلامية وقائدها المعظم، وقد بذل حياته المباركة برمتها في هذا السبيل الشريف؛ فهو يمثل يقيناً مصداقاً حقيقياً وتاماً لتلك الكلمات والمضامين الشريفة الصادرة عن الرسول الأكرم (ص) والإمام الصادق (ع). وإن الخدمات الجليلة والتضحيات الكبرى التي قدمها هذا الشهيد في مختلف الأبعاد والأصعدة لا يمكن التغاضي عنها وبخسها حقها بأي حال من الأحوال.
بطل وطني خالد بوجه “حجاب المعاصرة”
لقد عُرف في هذه الأرض المباركة رجال بشتى الأسماء والصفات بوصفهم أبطالاً وطنيين؛ ومسؤوليتنا تقتضي إجلال وتقدير أبطالنا الوطنيين طوال تاريخ هذا البلد، سواء أكانوا تاريخيين حقيقيين أم أبطالاً رمزيين؛ ولا يوجد أي مبرر وبخس قيمة بطل وطني لتقوية بطل وطني آخر؛ فجميعهم يملكون قيمتهم المعتبرة، وقدموا تضحيات جليلة وبذلوا مهجهم وسعيهم طوال تاريخ هذا البلد العريق، ويجب علينا تثمين شجاعتهم ومجاهدتهم جميعاً.
ولكن “حجاب المعاصرة” قد يحول دون معرفتنا وتقييمنا الدقيق لبعض أبطالنا الوطنيين المعاصرين؛ ومما لا شك فيه أن الشهيد سليماني هو بطل وطني خالد وباقٍ في الذاكرة التاريخية لإيران على مر العصور، ويمثل يقيناً قائداً ومجاهداً فخراً واعتزازاً في تاريخ الإسلام والمسلمين.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يحشر هذا الشهيد السعيد مع أوليائه الصالحين، وسيد الشهداء (عليه السلام)، والإمام الراحل العظيم، وأن يوفقنا جميعاً لمعرفة وفهم ودرك مسار الحق لكي نكون على الأقل شاكرين ومقدرين لجهود هؤلاء العظماء والشهداء الأبرار.