استدراج المجتمع نحو الاستقطابات الثنائية من مكائد الأعداء
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع وكالة “جماران”: استدراج المجتمع نحو الاستقطابات الثنائية من مكائد الأعداء
الاستقطاب الثنائي في مسألة الحجاب يتنافى مع التعاليم الدينية، والأمن الوطني، وتوجيهات قائد الثورة؛ وثنائيات مثل “الدين والوطن” أو “الفن والدين” تنطوي على مخاطر جمة.
لا ندعو إلى اللامبالاة تجاه ظاهرة السفور، ولكن هل يملك أصحاب المجمعات التجارية القدرة على منع غير المحجبات؟ تشميع هذه المراكز يؤدي إلى تسريح مئات العاملين وإبقائهم بلا عمل.
أكد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم، في حوار خاص مع مراسل وكالة أنباء “جماران”، خطورة ظاهرة الاستقطاب الثنائي وتأثيراتها السلبية على تماسك الأمة، مبيناً أن إشعال الانقسامات في أي موضوع كان، لا سيما في مسألة الحجاب، يتعارض بالكامل مع التعاليم الدينية، والأمن الوطني، ورؤية قائد الثورة الإسلامية المعظم، ويسهم في هدر الطاقات والقدرات ويفسح المجال لمؤامرات الأعداء المتربصين بالبلاد.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
تداعيات الاستقطاب الثنائي على الوحدة الوطنية والتماسك الأسري
جماران: من منظور سماحتكم، ما هي التداعيات السلبية المترتبة على انقسام المجتمع واستقطابه ثنائياً في شتى المواضيع؟
الأستاذ نورمفيدي: إن الاستقطاب الثنائي في مختلف القضايا -سواء أكانت سياسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية، أم ثقافية- يتعارض بالكامل مع التعاليم الدينية، والأمن الوطني، والمصالح الوطنية، وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية المعظم؛ لأنه يورث التفرقة والشتات بين آحاد المجتمع الواحد. فالاستقطاب الثنائي هو نقيض الوحدة والوئام، في حين أن الوحدة هي الركيزة الأساس لبناء المجتمع الإسلامي. ومن جهة أخرى، يفسح هذا الانقسام المجال واسعاً أمام مؤامرات الأعداء ومكائدهم لاستغلال الثغرات.
لقد كان استدراج المجتمع الإسلامي والديني نحو شتى أنواع الاستقطابات الثنائية واحداً من مكائد الأعداء وشبهاتهم منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا. وإن الاستقطاب الثنائي للمجتمع، فضلاً عن كونه يقصي الطاقات والقدرات ويروج لروحية اليأس والخيبة، فإنه يصرف أذهان الناس عن العدو الحقيقي ويبدد كافة الجهود الفكرية والثقافية المبذولة. وإذا ما ساد الاستقطاب الثنائي في شتى القضايا، فإنه يؤدي إلى تفتت البنية الاجتماعية وانهيارها، لتصل آثار هذا التفتت إلى الأسرة بوصفها أصغر لبنة في المجتمع، فتمتد الصراعات والتناحرات إلى عمق البيوت.
وبطبيعة الحال، لا نعني بالاستقطاب الثنائي وجود اختلاف في وجهات النظر والأفكار والأذواق؛ فاختلاف الآراء والأذواق قائم في كل مكان، وهو أمر مقر ومحترم في السنن الإلهية:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ».
ولكن حين يتحول هذا الاختلاف في الأذواق إلى تناحر، وتصادم، وصراع مادي ومعنوي، تترتب عليه آثار أخلاقية وااجتماعية وخيمة جداً، لا سيما في حقل الشؤون الدينية والأحكام الشرعية. وإذا ما شاعت الاستقطابات الثنائية الدينية، فإنها قد تؤدي إلى النفور من الدين والتدين؛ لأنها تولد العناد واللجاجة بدلاً من اجتذاب قلوب الناس وتأليفها، حتى أولئك الذين قد يملكون آراءً مغايرة.
وإذا أردنا الإشارة إلى الجذور التاريخية والوقائع التي شهدها صدر الإسلام في هذا الصدد، فالمصادر تذخر بالكثير من الشواهد؛ وحقاً يمكننا القول إن بني أمية كانوا من أبرز المؤسسين للاستقطابات الثنائية في المجتمع الإسلامي، لأن تلك الانقسامات كانت تصرف أذهان الناس عن الحقائق وتلهيهم عن مواجهة العدو الحقيقي.
واليوم، لا يعتصر الألم قلوب وسائل الإعلام الأجنبية والتابعة لها على مصير شعبنا ولا يكترثون لمستقبل هذا البلد، وليس لديهم غاية أسمى من إذكاء هذه الاستقطابات الثنائية، لا سيما في الشؤون الثقافية والدينية. ومما يؤسف له حقاً، أن بعض الأفراد من قليل الخبرة والوعي في الداخل يسهمون أحياناً في تهيئة الأرضية للأعداء واختلاق استقطابات ثنائية زائفة؛ كصناعة ثنائية بين “كرة القدم والدين”، أو “الفن والدين”، أو “الدين والوطن”، وكلها ثنائيات خطيرة تسهم -وفقاً لتعبير سماحة القائد- في بث التعب والوهن في نفوس المواطنين وجعل البيئة الاجتماعية هشة وقابلة للكسر.
أبعاد مسألة الحجاب ومخاطر العناد واللجاجة
جماران: في السياق نفسه، ما هي الآثار السلبية المترتبة على ترويج ثنائية “المحجبة وغير المحجبة” في المجتمع؟
الأستاذ نورمفيدي: من بين القضايا والمواضيع التي نواجه فيها تحدي الاستقطاب الثنائي هي مسألة ثنائية “غير المحجبة والمحجبة”. وباعتقادي، فإن هذا الأسلوب والتعاطي لا ينسجم بتاتاً مع المنهجية والطريقة التي سار عليها رسول الله (ص) والقرآن الكريم في تشريع أحكام الدين وتبليغها، وهو أمر لا يصب في مصلحة المجتمع والبلاد وفقاً لتوجيهات سماحة القائد.
وللمفكر والشاعر إقبال اللاهوري مقولة قيمة وجديرة بالتأمل في هذا الصدد؛ إذ يقول: “إن المسلمين غالباً ما يبددون رصيدهم ورأسمالهم من أجل أرباح بخسة وضئيلة”. ويبدو أننا اعتدنا على التضحية برساميلنا ورصيدنا العقائدي والوطني الأساسي في سبيل تحقيق مصالح ومآرب آنية وقصيرة المدى، بينما تترتب على ذلك آثار وخيمة على المدى البعيد.
وأنا على يقين من أن الحجاب يمثل حكماً شرعياً قطعياً ولا ريب فيه في الشريعة الإسلامية، وهو أمر خارج عن دائرة البحث والشك. فأصل الحجاب فريضة ضرورية، وإن اختلفت أشكاله وقوالبه باختلاف الثقافات والبيئات الجغرافية. ولقد كانت لي بحوث مفصلة في الماضي حول مسألة “هل تملك الحكومة حق الإلزام بالحجاب شرعاً أم لا؟”؛ وأثبتّ فيها بالأدلة الفقهية المتعددة إمكانية إثبات أصل مشروعية إلزام الحكومة بالحجاب كعنوان “أولي”؛ غير أن هذا الإلزام قد يرتفع ويتغير كعنوان “ثانوي” لتتحول المشروعية والجواز إلى المنع والنهي؛ إذ قد تطرأ عناوين ثانوية متعددة تفرض في بعض الظروف رفع اليد عن هذا الإلزام الشرعي. ولكن على أية حال، ليس من المصلحة والوعي أبداً إذكاء هذه الاستقطابات الثنائية في المجتمع.
واليوم، قد تتبلور هذه الثنائيات والانقسامات حول الحجاب حتى في التجمعات البسيطة وفي المحيط العائل الصغير، فيقع الأفراد في تصادم وتناحر بدلاً من الحوار البناء، وينزلق المتدونون نحو أساليب جافة تفتقر للمرونة والمنطق والبرهان واللين في تبليغ حكم الله، مما يؤدي لمزيد من النفور والابتعاد عن فريضة الحجاب.
وتصوري هو أن جزءاً كبيراً من السلوكيات والمظاهر الحاصلة اليوم لا ينبع من خلفية معادية للدين بالضرورة، بل هو نتاج حالات عناد ولجاجة يبديها البعض تجاه شؤون وقضايا مختلفة؛ وعليه يتحتم علينا العمل على إضعاف جذور ومناشئ هذا العناد واللجاجة أولاً، وحينها ستكون للأساليب المرنة والناعمة المصحوبة بالمداراة واللين والرحمة فاعليتها الكبرى في ترويج هذا الحكم الشرعي وحفظه.
وأذكر جيداً أن لسماحة قائد الثورة الإسلامية خطاباً في مدينة “بجنورد” يمثل النقيض تماماً لبعض التصريحات والمواقف الجافة المطروحة هذه الأيام والتي تذكي التناحر والتباغض؛ حيث أكد سماحته على وجوب الدخول والتعاطي مع هذه الشؤون بأسلوب منطقي، رصين، وبمنتهى المتانة وعبر تجنب الانفعالات والمشاعر غير المبررة. غير أننا نواجه أحياناً بعض السلوكيات والقرارات التي تسهم في إذكاء العناد واللجاجة بدلاً من المساعدة في حل القضية وتقويمها.
نقد التشتت والتمييز في إنفاذ القرارات القانونية
جماران: تناقلت الأنباء مؤخراً خبر إغلاق وتشميع “مجمع مهر وماه السياحي” على طريق طهران-قم بسبب ظاهرة السفور، مما أدى لتسريح قرابة سبعمئة عامل وإبقائهم بلا عمل؛ في حين أن هناك قطاعات وأوساطاً أخرى كالمطارات والرحلات الجوية الداخلية لا تواجه مثل هذه الإجراءات أو يتعذر تطبيقها فيها أساساً. من منظور سماحتكم، هل يصح انتهاج مثل هذا التمييز والتشتت في التعاطي؟
الأستاذ نورمفيدي: فيما يتعلق بالموارد المشار إليها، يتعين على الأجهزة المعنية صياغة واعتماد وتطبيق رؤية ومنهجية موحدة في البلاد ترتكز على التقييم التخصصي، والدراسات العميقة، والأساليب العملية المؤثرة. واليوم، نرى بوضوح وجود تشتت وازدواجية في السلوك بين المراكز والمؤسسات المختلفة؛ حتى داخل بعض الدوائر والمراكز الرسمية يبدو الأمر كأن لا رادع ولا حسيب، بينما يُطبق تعاطٍ صارم وقاسٍ جداً في مراكز ومؤسسات أخرى كالمجمع السياحي الذي أشرتم إليه.
ونحن لا ندعو إلى اللامبالاة والتغاضي عن ظاهرة السفور وعدم الحجاب؛ ولكن حين تتم محاسبة ومعاقبة مركز أو مجمع تجاري وسياحي بسبب هذا الأمر، علينا أولاً معرفة هل يملك أصحاب هذا مجمع وإدارته القدرة والأدوات الفنية والقانونية لمنع دخول غير المحجبات أم لا؟ وحين يتجاوز هذا الأمر حدود قدرتهم وطاقتهم، فإما أن يُغلق المجمع ويُشمع ليتحول مئات العاملين والموظفين فيه إلى عاطلين عن العمل، وإما أن تواجه الإدارة هذه الأزمة لعدم قدرتها على الضبط والتحكم! فهل يصح تطبيق مثل هذا السلوك المتشدد في مكان ما، بينما يُلاحظ غياب تام وتجاهل كامل لمسألة الحجاب في المطارات والرحلات الجوية الداخلية؟
بناءً على هذا، فإن التشتت وغياب التنسيق وعدم توازن السلوك والتعاطي في ملف الحجاب بين المراكز والمؤسسات المختلفة هو أمر خاطئ وغير صائب. ويتحتم إجراء مراجعة جادة وعميقة لهذا الملف، والقيام بدراسات دقيقة، واعتماد خطوات ثقافية وتربوية مؤثرة. كما يجب أن يرتكز تطبيق الأساليب القانونية على التقييم التخصصي ومراعاة كافة أبعاد وجوانب هذه القضية المعقدة.
ومن هنا، فإنني أرى أن الاستقطاب الثنائي ينطوي على مخاطر جمة وبالغة الخطورة؛ وكما ذكرت في البداية، فإن الاستقطاب الثنائي في أي موضوع كان، لا سيما في مسألة الحجاب، يتعارض بالكامل مع التعاليم الدينية، والأمن الوطني، وتوجيهات قائد الثورة الإسلامية المعظم، ويسهم في تبديد طاقات الأمة وتوفير الأرضية لتدخل الأعداء ومؤامراتهم الخبيثة.