آية الله السيد مجتبى نورمفيدي عشية يوم القدس العالمي: قضية القدس والمسجد الأقصى ليست مجرد قضية سياسية بل هي قضية عقائدية
قضية القدس والمسجد الأقصى ليست مجرد قضية سياسية بل هي قضية عقائدية
إن مواقف الإمام الخميني الراحل وقائد الثورة والمراجع العظام تنطلق من الجذور والأسس العقائدية الراسخة للأقصى في وجدان الأمة
إن قضية القدس والمسجد الأقصى ليست مجرد مسألة سياسية عابرة، بل هي قضية عقائدية راسخة. وإن مواقف الإمام الخميني (قدس سره) التي انطلقت منذ ستين عاماً دفاعاً عن فلسطين، والاهتمام البالغ الذي يبديه قائد الثورة الإسلامية المعظم اليوم، والتأكيد المستمر من قِبل المراجع العظام للتقليد طوال العقود الماضية، كلها ترتكز على هذه الجذور والأسس العقائدية العميقة.
وقضية القدس هي قضية إسلامية وليست قومية أو عربية بحتة، ولا تقتصر على مذهب إسلامي دون آخر؛ بل يتعين على المسلمين كافة بمختلف مشاربهم الاهتمام بها، والوقوف بكل قوة واقتدار ومقاومة بوجه المؤامرات الصهيونية الخبيثة، عسى أن يأتي اليوم الذي تتحقق فيه بشارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بفتح بيت المقدس وتطهيره.
يتساءل البعض أحياناً: لماذا يجب إظهار هذه الحساسية وإبداء ردود الأفعال تجاه جرائم الكيان الصهيوني؟ وما هي الأهمية البالغة للمسجد الأقصى والقدس الشريف التي تدفع الحكومات والشعوب، لا سيما شعوب المنطقة، للتفاعل والتحرك بهذا الشكل؟
وهنا أود استعراضاً إجمالياً للروايات الواردة في شأن المسجد الأقصى لكي تتضح الأهمية الجوهرية لهذه القضية بشكل كامل. إن قضية المسجد الأقصى ليست مسألة سياسية محضة يمكن التنازل عنها أو تسييرها عبر التسويات والمعادلات السياسية؛ بل هي قضية عقائدية تمس صلب وجدان الأمة.
إن الروايات الواردة في شأن المسجد الأقصى والقدس الشريف -أي المدينة والمنطقة برمتها- هي روايات بالغة الأهمية. فالأحداث والوقائع التي شهدتها هذه البقعة المباركة جعلتها في مكانة سامية ومتميزة جداً تشكل هوية المجتمع الإسلامي وبنيته الثقافية؛ وعليه فلا يمكن انتزاع هذه الهوية عبر سياسات الضغط، والغطرسة، والترهيب، والظلم. ولا تقتصر القضية على سكان تلك المنطقة بمفردهم؛ فصحيح أن للفلسطينيين المقيمين في تلك الأرض حقاً مشروعاً بوصفها موطنهم ومولد آبائهم، ولكن ثمة حقاً أسمى يتعلق بتعلق قلوب الأمة الإسلامية جمعاء ورباطها الروحي الوثيق بتلك البقعة المباركة. وإن مواقف الإمام الخميني (ره) منذ ستة عقود، واستمرار هذه الحساسية البالغة لدى قائد الثورة الإسلامية، وتأكيد مراجع التقليد على الدوام عليها، تنبع بالأساس من هذه الأبعاد والجذور العقائدية الراسخة.
الأهمية العقائدية للمسجد الأقصى في مصادر الفريقين
وقد وردت هذه الروايات في الأصول والمجاميع الحديثية المعتبرة لدى الشيعة وأهل السنة على حد سواء، ومن أهم أبعادها:
-
مسرى النبي الأكرم ومنطلق معراجه: إن المسجد الأقصى هو المكان الذي عُرج منه برسول الله (ص) إلى السماوات العُلى.
-
القبلة الأولى للمسلمين: حظي بشرف كونه القبلة الأولى التي صلى إليها المسلمون قبل التحول إلى الكعبة المشرفة.
-
ثاني مسجد وُضع في الأرض: إنه ثاني مسجد بُني على وجه البسيطة.
-
أمنية الأنبياء والرسل: كان موضع رجاء الأنبياء والرسل ومستقر تمنياتهم بالعبادة فيه أو الدفن في ترابه؛ مما يدل على الارتباط الروحي العميق لأنبياء الله بهذه الأرض المباركة.
-
مغفرة الذنوب لمن صلى فيه: الصلاة والزيارة في هذه البقعة تكون سبباً لمحو الخطايا والذنوب. فقد ورد في الروايات أن نبي الله سليمان (عليه السلام) لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله عز وجل ثلاثاً، كان منها: أن لا يأتي هذا المسجد أحدٌ لا ينهزه إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. وعقب نقل هذا الأمر، قال النبي الأكرم (ص): “أما اثنتين فقد أُعطيتا له، وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة”؛ وقد تحقق هذا الأمر ونال شرفه نبينا (ص) ليلة الإسراء والمعراج بصلاته ركعتين في المسجد الأقصى.
-
من خيرة بلاد الله تعالى: وُصف في الأحاديث الشريفة بأنه من أفضل وأعظم بقاع الأرض عند الله عز وجل.
-
مهاجَر المؤمنين في آخر الزمان: أشارت بعض الروايات إلى أنه يمثل مستقر هجرة المؤمنين وملاذهم في آخر الزمان.
-
أرض المحشر والمنشر: رُوي عن النبي الأكرم (ص) أنه أرض المحشر والمنشر حيث يُبعث العباد ويُحشرون.
-
مستقر الإمام المهدي (عج) وعاصمته: يستقر فيه ولي العصر وعين الأنام (أرواحنا فداه) ويتخذ منه مركزاً لحكومته المباركة.
-
موضع هبوط السيد المسيح (ع): هو المكان الذي ينزل فيه نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) في آخر الزمان.
-
مقر الخلافة الإسلامية في آخر الزمان: يمثل مركزاً للحكومة والخلافة الإسلامية الحقّة في آخر الزمان.
-
بشارة الفتح النبوي: بشر النبي الأكرم (ص) بفتح بيت المقدس وتطهيره قبل نهاية الدنيا وزوالها.
وبناءً على ما تقدم، فقد حظي المسجد الأقصى وتلك المنطقة المباركة بأهمية بالغة في الروايات والأحاديث من جوانب متعددة. وصحيح أن لليهود أيضاً بعض التعلقات التاريخية بالمنطقة، لكن بيت المقدس يظل مكاناً مقدساً للغاية وبمرتبة عظمى لدى الأمة الإسلامية جمعاء.
أبعاد المؤامرة الصهيونية ومخططات التهويد
إن القضية هنا لا تنحصر في الدفاع عن شعب بمفرده -رغم وجوب هذا الدفاع وحتميته- بل يجب الحفاظ على هذه الحساسية والوعي تجاه المؤامرات الصهيونية الخبيثة. فالكيان الصهيوني الغاصب يضمر مؤامرات عميقة ونيات خبيثة طالما سعى لتنفيذها على أرض الواقع وفشل في ذلك بفضل الصمود. لقد حاولوا مراراً هدم معالم المسجد وتخريب بنائه خطوة بخطوة لطمس هذا المعلم الإسلامي العظيم، وتحويله على المدى الطويل إلى رمز صهيوني وإرجاعه للآثار اليهودية، لتبدو المنطقة وكأنها خالية من أي تاريخ أو حضارة تعود للإسلام والمسلمين.
إنهم يخططون لمؤامرات كبرى، ومثلما بدأت خطواتهم منذ عام 1945 م وقبيل تأسيس هذا الكيان الغاصب وغير المشروع رسمياً بالاحتلال والاستيطان في عام 1948 م عبر تهجير المسلمين من أرضهم والسيطرة عليها بقوة السلاح، فإنهم يطمحون اليوم لتكرار تلك السيناريوهات الخبيثة لطمس الهوية الإسلامية للمقدسات.
وخلاصة القول، إن قضية القدس هي قضية إسلامية كبرى وليست قضية عربية أو عرقية بحتة، ولا تختص بمذهب إسلامي محدد؛ بل هي قضية الأمة الإسلامية جمعاء، ويتعين على الجميع إبداء الوعي والحساسية البالغة تجاهها، والوقوف بكل قوة ومقاومة بوجه هذه المؤامرات الصهيونية الخبيثة، وعسى أن يأتي اليوم الذي تتحقق فيه بشارة نبينا الأكرم (ص) بفتح بيت المقدس وتطهيره بالكامل من دنس الغاصبين.