تنويه الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي بشأن البيان الهام لسماحة قائد الثورة الإسلامية
بيان «الخطوة الثانية»: خارطة طريق الثورة والتحذير من القراءات الكاريكاتورية
بشأن بيان سماحة قائد الثورة الإسلامية، الذي قُدِّم بوصفه “بيان الخطوة الثانية للثورة”، وحول ما طُرح بشأنه من نقاشات ومواضيع كثيرة؛ لا أدري إن كنتم قد طالعتم هذا البيان أم لا، لكني أوصيكم بمطالعته؛ فمن الإنصاف بمكان أن هذا البيان -بما يتضمنه من تحديد أين كنا، وأين نحن الآن، وإلى أين نسير- يمثّل “حديث معرفة الثورة”.
لقد ورد في شأن الإنسان الأثر القائل: «رحم الله امرأً عرف من أين، وفي أين، وإلى أين». إن مسار معرفة الذات هذا -المتمثل في إدراك أين كنا، وأين نحن الآن، وإلى أين نسير- هو مسار يجب أن يوضع بعين الاعتبار أيضاً بالنسبة للكيانات والموجودات التي تملك حياة اعتبارية. وفي نهاية المطاف، فإن هذه الثورة، بوصفها كائناً حياً، مؤثراً، وصامداً، قد مرت بولادة، وانقضت مدة من عمرها، وعليها أن تطوي مساراً في المستقبل. وبطبيعة الحال، فقد تحقق في الماضي الكثير من النجاحات، كما كانت هناك بعض الإشكالات أيضاً؛ والآن، وعلى الرغم من كل الإشكالات القائمة، فقد تحققت نجاحات كبرى وغير قابلة للإنكار للثورة والبلاد والشعب، ومع وجود كل النواقص، يتعين على الثورة أن تسير في المستقبل نحو تعزيز مكامن القوة وتقليل نقاط الضعف. إن هذا البيان هو خارطة طريق الثورة في المستقبل.
آفة الصخب الإعلامي وغياب الإجراءات العملية الملموسة
ومما يؤسف له، أن إحدى المشكلات التي نعاني منها في هذا البلد هي إثارة الضجيج والصخب دون تخطيط وإجراء عملي ملموس. لقد اعتدنا على إثارة الضجيج حول بعض الأمور، لكننا نفتقر إلى التخطيط والعمل الفعلي. إذا نظرتم إلى السنوات الماضية، فستجدون في كثير من الأحيان أن الشخصيات الكبرى وسماحة القائد قد طرحوا مطالب وتوجيهات قيمة للغاية، وكان يرافقها في البداية صخب وبيانات ومسيرات، ولكن لم يتبع ذلك عمل حقيقي على أرض الواقع. وفي أحسن الأحوال، كانوا ينظمون مؤتمراً أو ملتقىً، ولكننا قلما شهدنا تحول هذه الرؤى إلى خطوات عملية.
وللأسف، فإن هذا الأمر ينطبق على الكثير من القضايا؛ فبدلاً من التخطيط التفصيلي الدقيق وإدخال هذه التوجيهات في هيكلية العمل الجاري -وحتى إصلاح الهياكل إذا لزم الأمر من أجل ضمان التنفيذ- فإن هذا نادراً ما يحدث.
التحذير من القراءات الكاريكاتورية والانتقائية للمطالب
والمشكلة الأخرى تكمن في أن كل شخص يفسر المطالب وفقاً لذوقه الشخصي لا للاحتياجات الأساسية؛ أي إننا اعتدنا في الكثير من الأمور على صنع “صورة كاريكاتورية” من الشخصيات وتصريحاتها. بمعنى أننا نبرز زاوية معينة ونسلط الضوء عليها، بينما تبقى سائر الأعضاء والأركان الرئيسة مهجورة ومتروكة. والجميع مبتلون بهذا الأمر.
يجب علينا حقاً مراعاة أصلين أساسيين في كافة شؤوننا، سواء في التعريف بأهل البيت (عليهم السلام)، أو في تقديم الأنماط والقدوات، أو في قضايا الثورة ومختلف المسائل الأخرى:
-
الأول: ألا تقتصر إجراءاتنا على الدعاية السطحية والبهيجة فحسب. الدعاية أمر لازم، ولكن الأهم منها هو العمل السلوكي والعملي.
-
والثاني: أن نتجنب جعل الموضوعات كاريكاتورية؛ بل ينبغي تقديم الحقيقة كما هي وعلى نحو كامل، لا أن ننتقي قسماً منها وفقاً لأذواقنا ونحذف قسماً آخر.
محاور بيان «الخطوة الثانية» وشموليته
وبالنظر إلى هاتين النقطتين، فإن رأيي هو أن هذا البيان دقيق وقيم للغاية، وقد صِيغ بذكاء وبث روح الأمل. والمواضيع فيه كثيرة ولا أريد التركيز على قسم واحد دون غيره، إذ لفت سماحة القائد في هذا البيان إلى قضايا متنوعة ومختلفة. والعناوين الرئيسة التي أشار إليها بنفسه تشمل:
-
العلم والبحث العلمي.
-
الروحانية والأخلاق.
-
الاقتصاد.
-
العدالة ومكافحة الفساد.
-
الاستقلال والحرية.
-
العزة الوطنية والعلاقات الخارجية.
-
ترسيم الحدود مع العدو.
-
نمط الحياة.
هذه هي العناوين الرئيسة للبيان الهام المعروف بـ “الخطوة الثانية”، وهناك حقاً شمولية في هذا البيان تستدعي الاهتمام الجاد به وتهيئة الأرضية المناسبة لتطبيقه عملياً.
ولدى سماحته توصيات قيمة بشأن هذه العناوين. ومصداقاً لما ذكرته في البداية من الدعاء بالرحمة لمن عرف نفسه “من أين جاء، وفي أين هو، وإلى أين يذهب”، فقد جرى تبيين هذا المسار التاريخي للثورة في هذا البيان؛ أي أين كنا في ماضينا التاريخي في هذا البلد، وما هي المشكلات الجادة وحالات الانحطاط التي عانينا منها، وماذا فعلت الثورة، وأين نحن الآن، ومع ذلك ما هي النواقص والعيوب الموجودة، وإلى أين يجب أن نسير في مجالات الاقتصاد، والعلم، والروحانية والأخلاق، والاستقلال والحرية.
معاني الحرية والروحانية والأخلاق في منظور القائد
فعلى سبيل المثال، يذكر سماحته بشأن “الحرية” أنها ليست منحة أو تفضلاً من الحكومات للشعب، بل هي حاجة فطرية للإنسان، وعلى الحكومات تهيئة أدواتها ووسائلها.
وبشأن “الروحانية والأخلاق”، يذكر سماحته: أن الروحانية تعني إبراز القيم المعنوية مثل الإخلاص، والتوكل، والإيمان في الذات وفي المجتمع. والأخلاق تعني رعاية الفضائل من قبيل حب الخير للآخرين، والتسامح، ومساعدة المحتاجين، والصدق، والشجاعة، والتواضع، والثقة بالنفس، وسائر السجايا الحميدة الأخرى. إن الروحانية والأخلاق هما الموجه والموجّه لجميع التحركات والأنشطة الفردية والاجتماعية، والاحتياج الرئيس لمجتمعنا. لقد عرّف سماحته الروحانية والأخلاق بوصفهما الموجّه لجميع التحركات والأنشطة الاجتماعية.
ثم يضيف في السياق نفسه قوله: إن وجودهما يجعل بيئة الحياة جنة حتى مع وجود النواقص المادية، بينما عدم وجودهما يخلق جحيماً حتى مع التمتع بالإمكانات المادية. وإذا تسنت لنا الفرصة، فينبغي لنا الحديث عن هذا الموضوع بشكل كامل وتفصيلي.
قدرة الثورة على بناء النظام ومواجهة الفساد
هذا هو التوجه العام للمجتمع والثورة في المستقبل، وهو الأمر ذاته في الاقتصاد، وفي نمط الحياة، ومكافحة الفساد. وحينما عبّر سماحته عن الفساد بأنه بمثابة “غدة قيحية” إذا أصابت جسد الحكومات والأنظمة، فإنها تمثل زلزالاً مدمراً يضرب شرعيتها؛ فإن هذا أصل ومطلب غاية في الأهمية.
وبشأن قدرة الثورة على “بناء النظام”، يذكر سماحته: أن هذه الثورة قادرة على بناء النظام، وبناء الحضارة، وقد أحدثت تحولات فردية واجتماعية واسعة، وعليها إحداث المزيد من هذه التحولات مستقبلاً.
إن مضامين هذا البيان قيمة وثمينة للغاية؛ وفي اعتقادي، يجب النظر إليه كأساس لتقييم النواقص والإشكالات في الفضاء القائم، وفي الوقت نفسه كخارطة طريق للمستقبل. وبضميمة الأهداف الأولية للثورة وتطلعات الإمام الراحل العظيم، يمكن أن يصبح هذا البيان معياراً ومؤشراً نقيس به دائماً الإشكالات التي نعاني منها، وأين نقف الآن، وإلى أين يجب أن نذهب. وهذا في غاية الأهمية بكل حال. نسأل الله أن يسعى كل فرد بقدر استطاعته ومسؤوليته من أجل تحقيق خارطة الطريق هذه وتجسيدها على أرض الواقع.