فقه النظام والخطابات القانونية: تحولات هيكلية في علم الأصول
الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع شبكة «اجتهاد»: نظرية الخطابات القانونية بارقة إلهية تجلّت في قلب الإمام الراحل
هذه النظرية تبتني على إطار معرفي (بارادايم) قادر على إحداث تحول أساسي في علم الأصول.
شبكة اجتهاد: هل يتغير هيكل علم الأصول أيضاً بالنظر إلى نظرية الخطابات القانونية؟
الأستاذ نورمفيدي: إن نظرية الخطابات القانونية، التي تعد من ابتكارات الإمام الراحل (قدس سره)، تبتني في الواقع على إطار معرفي (بارادايم) يستلزم تغيير هيكلية علم الأصول. والمقصود بابتناء هذه النظرية على إطار معرفي هو حدوث تغيير جوهري في النظرة إلى طبيعة العلاقة بين الله تعالى والإنسان. فالأطر المعرفية تشكل عادةً البنى التحتية للنظريات، وتوفر هذه النظرية بنية تحتية لعلم الأصول تؤدي بطبيعة الحال إلى إحداث تحول كامل فيه.
وفقاً للهيكل الحالي لعلم الأصول، والممتد عبر تاريخ تشكل هذا العلم، تُعرّف العلاقة بين الإنسان والله على أنها علاقة “العبد والمولى”. ولماذا نشأ مثل هذا المنظور في هذه العلاقة؟ تلك قصة طويلة؛ فجزء منها يعود إلى البيئة الجغرافية في الحجاز، وجزء آخر يرتبط بالظروف الزمانية لتلك الحقبة، حيث كانت علاقة زعماء القبائل بسائر أفراد القبيلة تشبه علاقة العبد بالمولى، وربما فرضت بعض المحذورات والأعذار اللسانية مثل هذا الوضع. ولكن، في نهاية المطاف، بقيت العلاقة تُصوَّر بوصفها علاقة بين عبد ومولى.
وبطبيعة الحال، إذا هيمنت هذه النظرية على مختلف مباحث علمي الفقه والأصول، فسيكون لها تأثيرها الخاص. لكن، بناءً على أساس نظرية الخطابات القانونية، يتحول هذا الهيكل؛ أي إن المسألة لم تعد مسألة عبد ومولى، بل تصبح مسألة أن الشارع سبحانه هو “المقنن”، والناس والمكلفون ملزمون باتباع هذا القانون. وبناءً على ذلك، أرى أن مثل هذا المنظور يمكنه إحداث تحول أساسي في هيكلية علم الأصول.
وما ذكرته من أن هذه النظرية صيغت بناءً على ثنائية “المقنن والعامل بالقانون” لا يعني أن الإمام الراحل قد طبّق هذا المنظور وهذا الاتجاه في جميع الحقول والمساحات المختلفة لعلمي الأصول والفقه؛ بل طُرح هذا البحث في موضعين: الأول في بحث “شرطية الابتلاء في تنجز العلم الإجمالي”، والثاني في بحث “تكليف الكفار بالفروع ومسألة مخالفتهم وعصيانهم لها”.
لقد كان لهذه النظرية آثارها الخاصة في موارد معينة؛ حيث ذكر الإمام الراحل بعض الموارد، بينما استقصى آخرون موارد أخرى. لكن جوهر القضية يكمن في وجود هذا المنظور؛ فالإمام الراحل -وهو مبتكر النظرية- لم يطبقها في جميع مباحث علم الأصول لمجرد كونها تبتني على ذلك الإطار المعرفي، إلا أن هذه القدرة والامتداد متوفران لتحقيق ذلك.
بالطبع، يمكننا الإشارة من بين الأصوليين المتأخرين إلى المرحوم الشهيد الصدر، حيث التفت هو الآخر إلى هذا الإطار المعرفي المشار إليه، مبيناً أن نظام العلاقة بين الله تبارك وتعالى والإنسان لا ينبغي أن يكون نظام عبد ومولى بالضرورة؛ ولذلك نجد الشهيد الصدر يعبر عن القانون والحكم في بعض الموارد بـ “الاعتبار”، وإن كان يعود في نظرية “حق الطاعة” ليبني نظريته على ذلك الهيكل التقليدي للعلاقة بين العبد والمولى.
خلاصة القول، ترتكز هذه النظرية على مبدأ غاية في الأهمية والمحورية، وتملك القدرة على التأثير في علم الأصول إلى حد تغيير هيكليته وتقديم رؤية حديثة في تبيين مباحثه، غير أن هذا الأمر لم يُطبَّق بالكامل بعد. فنحن نرى أحياناً بعض العلماء يطرحون نظرية في مرحلة ما، لكنهم لا يجدون الفرصة لتعميم هذا المبنى وتطبيقه في جميع الساحات والأبواب؛ والشهيد الصدر نموذج على ذلك، إذ يؤكد في باب حقيقة الحكم والتكليف أنه من قبيل “الاعتبار” الذي يوضع فيه الأمر والنهي في قالب علاقة العبد والمولى، بينما يعود في نظرية “حق الطاعة” لتوضيح المسألة بناءً على علاقة العبد والمولى نفسها. ومن هنا، فإن مبنى الخطابات القانونية مؤثر جداً في هيكلية علم الأصول.
والجهة الأخرى التي تمكّن هذه النظرية من إعادة صياغة هيكل علم الأصول بوصفه علماً تمهيدياً للاجتهاد، هي أنها توسع دائرة المخاطَبين بالخطابات الشرعية من نطاق العمل الفردي إلى النطاق الاجتماعي والعمل الاجتماعي والسياسي. فإذا ذهبنا -بناءً على نظرية الانحلال مثلاً- إلى القول بانحلال الخطابات الشرعية، فسيكون الأفراد بصفتهم الشخصية هم المخاطبين والمكلفين؛ ولهذا يقول القائلون بالانحلال إن كل خطاب شرعي ينحل بعدد أفراد المكلفين، بل ويمكن لكل مكلف أن يتوجه إليه خطاب مختلف باختلاف الحالات والأطوار الطارئة عليه. أي إنه بناءً على نظرية الانحلال، تتوجه إلى الفرد الواحد خطابات مستقلة لا حصر لها، فكيف الأمر بالنسبة لعامة الأفراد؟ أما بناءً على نظرية الخطابات القانونية، وحيث إن الخطابات تتوجه إلى العموم ولا يكون الأفراد مخاطبين بها بصورة مستقلة ومنفردة، فإن هذا يتيح للخطاب -حين يتوجه إلى عموم الناس- أن يشمل الأفراد من جهة، وأن يستهدف العمل ذي الهوية الاجتماعية من جهة أخرى.
ولذلك، فإن من بين الأمور التي قلّ التطرق إليها في نظرية الخطابات القانونية هي التأثيرات التي يمكن أن تحدثها في هذا البعد الاجتماعي. وبطبيعة الحال، إذا كانت أداة الاستنباط وعلم الاستنباط يلتفتان إلى هذه النقطة، فسيتخذ الهيكل شكلاً مختلفاً حتماً؛ بمعنى أنه يجب أن تطرأ تغييرات في هذا المجال في مسائل الأمر والنهي، والعصيان، والحجية. وحقاً يمكننا القول إن هذه النظرية مبتكرة، ومهمة، ومؤثرة، ومحدثة لتحول في هيكل علم الأصول. وكما عبّر السيد مصطفى الخميني عن هذه النظرية التي ابتكرها والده الكريم، فإنها كانت “بارقة إلهية” فاضت على ذهن الإمام الراحل. ولا سيما بالالتفات إلى أن إبداع هذه النظرية في عصر ساد فيه فضاء حوزوي تقليدي راسخ يمتد لألف عام في إطار مغاير، يدل بالتأكيد على مدى دقة الإمام وتأمله وعمق نظرته.
فعلية التكليف وعنصر القدرة في الخطابات القانونية
شبكة اجتهاد: بالنظر إلى أن التكليف مشروط بالقدرة دائماً، هل تترتب على نظرية الخطابات القانونية ثمرة فقهية عملية؟
الأستاذ نورمفيدي: وفقاً لنظرية الخطابات القانونية، لا يشترط التكليف بالقدرة أساساً. وإن أحد مواضع الخلاف الرئيسة بين هذه النظرية ونظرية المشهور هو هذا الأمر بالذات؛ إذ يرى المشهور أن التكليف مشروط بالقدرة، بينما لا يرى الإمام الراحل ذلك، بل يذهب إلى أن عدم القدرة يشكل عذراً للمكلف فحسب، وإلا فإن التكليف يتوجه إلى الجميع؛ القادر والعاجز، والعالم والجاهل، والناسي والعاصي.
بناءً على هذا المنظور، يتوجه الخطاب إلى عامة الناس، سواء أكانوا قادرين أم عاجزين. والمسألة الهامة هنا هي ما يطرحه الإمام الراحل من أنه يكفي لصحة الخطاب وعدم استهجانه وجود فئة قليلة من الناس قادرة على الإتيان بالتكليف. في الخطابات الشخصية، وحيث يتوجه الخطاب إلى الأفراد مباشرة ويكونون هم المكلفين به، فإن الخطاب يصبح مستهجناً بطبيعة الحال إذا كان الفرد عاجزاً. أما في الخطابات القانونية، فالمخاطَب ليس الأفراد، بل العنوان والطبيعة؛ ولكي لا يقع هذا الخطاب في دائرة الاستهجان، يكفي وجود أفراد قادرين على القيام بالتكليف في الجملة لكي يصح الخطاب ويرتفع عنه الاستهجان.
وبناءً على نظرية الخطابات القانونية، إذا كان المخاطَب عنواناً لا يملك أي فرد من أفراده القدرة على الإتيان بالتكليف، فإن الاستهجان يعود هنا أيضاً. ولذلك، حين يذكر الإمام الراحل أن التكليف ليس مشروطاً بالقدرة، فإنه لا يعني إمكانية توجه الخطاب في القوانين إلى طبيعة لا يقدر أحد من أفرادها على العمل بالتكليف؛ ففي هذه الحالة يعود إشكال الاستهجان مجدداً. والمهم في هذه النظرية هو أن الخطاب عام ويشمل الجميع، وإذا عجز بعضهم في هذه الأثناء عن الإتيان به، فإن الخطاب يظل شاملاً لهم.
قد تسألون: ما الفائدة من توجه الخطاب إلى العاجز والجاهل والناسي؟ تبرز الفائدة الهامة لهذا التوجه في الفضاءات الاجتماعية والسياسية. فعندما يتوجه الخطاب عموماً وبصورة علنية إلى عامة الناس، نقول إن الجهل والعجز عذر لمن لا يعلم ولا يقدر؛ ولكن كون التكليف فعلياً في حقهم أيضاً، واقتصار العجز والجهل على منع تنجز التكليف فحسب، يترتب عليه فائدة بالغة الأهمية، وهي إيجاد الداعي والمحرك في نفس المكلف للسعي نحو الاطلاع على الحكم والقانون والتكليف، والخروج من دائرة الجهل، وربما السعي لتحصيل القدرة على الإتيان به.
بمعنى آخر، إذا قلنا بناءً على هذه النظرية إن التكليف فعلي حتى في حق العاجز، فإن فعلية التكليف يمكن أن تكون محفزاً للأفراد في المجتمع للاطلاع على القانون والحكم، وتخلق لديهم الداعي للعمل. وهذه الفائدة في غاية الأهمية. تارة نقول إن التكليف لا يشمل العاجز أصلاً، فلا يتولد هنا أي محرك في نفس الجاهل والعاجز؛ وهذا الأثر يتجلى بشكل أكبر في المساحات العامة مقارنة بالمسائل الفردية والشخصية. في حين أنه بناءً على نظرية الانحلال، لا يمكن للتكليف أن يتوجه إلى الجاهل والعاجز أبداً.
ونحن نجد في موارد متعددة من الفقه -وقد ذكرها الإمام الراحل أيضاً- أن التكليف يتوجه حتى إلى العاجز الذي لا يقدر، وتترتب على ذلك أحياناً آثار عملية.
نطاق تأثير النظرية وسعة شمولها في الفقه
شبكة اجتهاد: بالنظر إلى أن الإمام الراحل قد طبق نظرية الخطابات القانونية في العمومات فحسب، هل يمكن القول إن الفقه بأكمله سيتأثر بهذه النظرية؟
الأستاذ نورمفيدي: على الرغم من أن هذه النظرية قد طُرحت غالباً في باب العمومات، إلا أنه لا يوجد مسوّغ لحصرها فيها، فهي تشمل الإطلاقات أيضاً. لدينا في الخطابات الشرعية أمران: الأول هو المخاطَب بهذه الخطابات، والثاني هو متعلق الحكم والخطاب، ويجب التفكيك بينهما. فتارة نسأل: لمن يتوجه خطاب “أقيموا الصلاة” ومن هم المخاطبون به؟ هل هم الأشخاص بأعيانهم أم عموم المؤمنين؟ وتارة نسأل: ما الذي تعلق به هذا الخطاب؟
هناك فرق بين الأفراد والعموم، وتظهر ثمرة هذا الفرق جلياً في بحث الانحلال وعدمه. يذهب الإمام الراحل القائل بالخطابات القانونية إلى أن الخطاب يتوجه إلى عموم الناس، وأن الحكم في هذه الخطابات يقع على “الطبيعة”؛ أي إن الطبيعة تصبح متعلقاً للحكم، ولكن نظراً لأن هذه الطبيعة تتحد وجوداً مع الأفراد في الخارج، فإن الحكم ينطبق قهراً على الأفراد أيضاً، ويتحتم عليهم الإتيان بهذا التكليف.
إن بعض الإشكالات التي وردت على هذه النظرية ناشئة عن عدم الالتفات إلى هذه النقطة بالذات؛ حيث توهموا أن هذا الخطاب لا صلة له بالأفراد إطلاقاً، ومن ثم أشكلوا بكيفية تصوير مسألة الحجية والطاعة والعصيان وغيرها مما يرتبط بالأفراد حصراً. والجواب عن هذا الإشكال هو أن الإمام يوضح في هذه النظرية أن الطبيعة متحدة وجوداً مع الخارج؛ ومن ثم، واعتباراً للأفراد الذين يتحدون وجوداً مع هذه الطبيعة، يصبح لكل من الحجية والطاعة والعصيان معنى في حقهم. وإذا لم نوجد هذا الرابط بين الخطاب والأفراد، فلن يكون للحكم معنى، ولا يتحقق ثواب ولا عقاب هنا.
وبناءً على هذا، فإن الخطاب في نظرية الخطابات القانونية يرتبط بالأفراد أيضاً ولكن ليس على نحو الانحلال الذي نقول فيه إن الخطاب ينحل بعدد أفراد المكلفين. يرى الإمام الراحل أن الطبيعة هي المخاطَب بهذا الخطاب، وبما أنها متحدة مع أفرادها وجوداً، تترتب على الخطابات آثارها من المعذرية والمنجزية وسائر الآثار الأخرى.
وبناءً عليه، فإن الفروق بين هاتين النظريتين جوهرية وجديرة بالاهتمام. فإذا قلنا إن الأفراد أنفسهم هم موضوع الخطاب، يكتسب الانحلال معنى؛ أما إذا قلنا إن العموم هو المخاطب بالخطابات، فلا يعود للانحلال معنى. ذهب الميرزا النائيني في القضية الحقيقية إلى أن الحكم يقع على الطبيعة، وأن الطبيعة مرآة للأفراد، وهنا يتدخل الأفراد مجدداً؛ أما الإمام الراحل، فلا يرى الطبيعة مرآة للأفراد أساساً. في الواقع، يذهب الإمام إلى أن الطبيعة -من دون تقييدها بالأفراد- هي موضوع الخطابات، بينما تكون الطبيعة المقيدة بالأفراد موضوعاً للخطاب في القضايا الحقيقية.
وبطبيعة الحال، عندما نقول إن الخطاب يتعلق بالطبيعة من دون تقييدها بالأفراد، فإنه يتصل بالأفراد يقيناً، وإلا لعادت تلك الإشكالات المذكورة أعلاه. وعلى أية حال، نحن نتبنى نظرية الخطابات القانونية، وقد أقمنا الأدلة بالتفصيل لإثباتها في كتابنا الذي ألفناه في هذا الصدد. وذكرنا في ذلك الكتاب أن غالبية الإشكالات الواردة على النظرية ناشئة عن عدم الفهم الدقيق لكلام الإمام الراحل. فعلى سبيل المثال، صرح بعض الأعاظم بأن الإمام لا يخالف الانحلال، في حين يصرح الإمام الراحل نفسه بعدم قبول الانحلال. كما ذهب السيد مصطفى الخميني إلى أن هذه النظرية، وإن كانت ترفض الانحلال الموضوعي، إلا أنها لا تتنافى مع الانحلال الحكمي؛ وباعتقادنا، فإن هذا الكلام فيه موضع مناقشة أيضاً.
وفي كل الأحوال، نرى أن هذه النظرية منسجمة مع الفهم العرفي، والعرف يجري على هذه الطريقة تماماً. ويمكننا من خلالها حل الكثير من عويصات علم الأصول. وبعبارة أخرى، فإلى جانب التأثير الكلي لهذه النظرية في هيكلية علم الأصول، فإنها قادرة على حل بعض المشكلات التي تكبّد الأصوليون عناءً كبيراً لحلها في الهيكل الحالي نفسه.
ونعتقد أنه يجب إعادة تصميم هيكل وإطار علم الأصول من الأساس بناءً على هذه الرؤية، وهو أمر يتطلب عملاً جماعياً واسع النطاق، وربما يحتاج إلى الاستعانة ببعض العلوم الحديثة والأطر المعرفية المعاصرة.
آفاق التطبيق ومستقبل التحول العلمي
شبكة اجتهاد: هل يمكن تسمية فقيه تتطابق نظرياته الفقهية تماماً مع الهيكل الفقهي المبتني على نظرية الخطابات القانونية؟
الأستاذ نورمفيدي: كلا. فحتى الإمام الراحل الذي ابتكر هذه النظرية، لم يكن يسعى لاستنباط المسائل بناءً عليها في جميع مباحث الأصول والفقه. ولذلك، فإن هذه النظرية تنطوي على إمكانية عمل واسعة جداً، ولم يدخل الإمام نفسه في دراسة المسائل بناءً على هذا المنظور في كافة الموارد؛ بل بحث في كثير من الحالات ضمن إطار “العبد والمولى”.
ومن الضروري الالتفات هنا إلى أننا أمام نظرية من جهة، وإطار معرفي (بارادايم) ومبنى أساسي من جهة أخرى. والأطر المعرفية لكل علم تترك تأثيرات كلية عليه، وتخلق رؤية عامة في العلم بأكمله، بينما تبتني النظرية في نطاق خاص على ذلك الإطار المعرفي.
وتتكفل نظرية الخطابات القانونية ببيان جانب من مسائل علم الأصول. وبالطبع، لم يصرح الإمام بذلك الإطار المعرفي في كل موضع، بل طرح هذه النظرية وقوّاها وذكر ثمراتها، ولكنه لم يؤصل مبادئه بناءً عليها حتى في ذلك القسم المتعلق بالخطابات القانونية نفسه. وبغض النظر عن هذه النظرية، فإن الإطار المعرفي الذي ترتكز عليه لم يحظ بالاهتمام في معظم مسائل علم الأصول، وسار الأصوليون في كثير من الموارد وفقاً لرأي المشهور.
وعلى أية حال، إذا حدث هذا الأمر في الحوزة العلمية وسرنا وفقاً لهذا المنظور في علمي الأصول والفقه، فستتحقق نتائج ومنجزات حديثة جداً. وعادةً ما ترتبط درجة مقبولية أي علم بمبانيه وأطره المعرفية. ولعل الكثير من الإشكالات التي توجه إلى هذا الاتجاه تعود إلى تزلزل الأطر المعرفية؛ أي إنها على الأقل لا تحظى بالمقبولية اللازمة في العالم المعاصر. ونحن هنا لا نريد هدم الركائز واستبدالها بركائز مقبولة لدى العالم المعاصر فحسب، بل نقول إن هذه الحقول المعرفية الدينية تملك ركائز قوية ومقبولة لدى العالم اليوم أيضاً، ويجب بناء هذه الركائز واحدة تلو الأخرى وتشييد الصروح عليها.
إن الكثير من الإشكالات التي ترد على العلوم الدينية والحوزوية تعود إلى الهوة الكبيرة بين الأطر المعرفية للعلوم الدينية الموروثة من الماضي، والأطر المعرفية للعلوم المعاصرة لدى بعض الأكاديميين اليوم. ولذلك، أعتقد أن أحد الإنجازات بالغة الأهمية للشهيد مرتضى مطهري تمثل في تأسيس العلوم الدينية بناءً على أطر معرفية مقبولة في العالم المعاصر؛ ولهذا السبب حظي كلامه بالقبول والتأثير الواسع.
إن الاختلاف في الرؤية تجاه المسائل البنيوية على مستوى الأطر المعرفية أوجد جداراً مرتفعاً بين علمائنا. والسعي للوصول إلى فهم مشترك تجاه هذه الأمور يتطلب عملاً دؤوباً وجماعياً، وهو ليس بمقدور جيل واحد، بل يجب أن تأتي الأجيال القادمة لتصنع هذا التحول المنشود.