The news is by your side.

الدرس التاسع والعشرون، الآية 64، البيان الإجمالي للآية، المقطع الأول

الدرس التاسع والعشرون

الآية 64 – البيان الإجمالي للآية – المقطع الأول: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) – المطلب الأول – المطلب الثاني

13 / 11 / 1404 هـ.ش

الآية 64
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

البيان الإجمالي للآية
بعد أن أشار تعالى إلى أخذ الميثاق ورفع الطور، وأخذه ذلك الميثاق من بني إسرائيل بغلظة وشدة، وبعد أن أمرهم بأخذ ما أوتوا في التوراة بقوة والعمل به والسعي في حفظه، يقول الآن: ولكنكم أعرضتم وتوليتم بعد ذلك. فبعد أخذ الميثاق ورفع الطور وكل تلك الوصايا والتحذيرات، أعرضتم. ثم يقول: ولولا فضل الله عليكم ورحمته، لكنتم حتماً من الخاسرين؛ أي إنكم توليتم، ولو شاء الله لأنزل بكم العذاب جراء هذا التولي، ولولا رحمته وفضله عليكم لكنتم من الخاسرين.
ارتباط هذه الآية بالآية السابقة واضح وجلي تماماً. ولا توجد فيها لفظة خاصة تحتاج إلى توضيح. ولكن ينبغي علينا بيان تفسير هذه الآية.
تتألف هذه الآية من مقطعين.

المقطع الأول: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)
المقطع الأول هو: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ). وهناك عدة مطالب يجب توضيحها في هذا المقطع.

المطلب الأول

المطلب الأول هو أن الآية بدأت بـ (ثُمَّ)، وهذا يشير إلى وجود فاصل زمني بين إعراضهم وبين رفع الطور وأخذ الميثاق؛ بمعنى أنه بعد أن رفع الله الطور ووجه إليهم تلك الوصايا، أعرضوا بعد فترة زمنية لا تبدو بعيدة بحسب الظاهر. ولكن هذه النقطة ليست بالأهمية الكبرى؛ بل المهم هو: كيف وقع إعراضهم هذا؟
لقد أشار بعض المفسرين إلى نماذج من إعراض بني إسرائيل عن التوراة؛ فأصل توليهم عن التوراة وتركهم لطريق العبودية لله أمر مسلّم به. ولكن ماذا فعلوا في ذلك الزمان؟ لقد ذكر المفسرون موارد ونماذج لذلك؛ منها ترك العمل بالتوراة، فلم يكونوا يعملون بها بل كانوا يخالفونها. كما أن تحريف التوراة يُعد أحد موارد إعراض بني إسرائيل ونقضهم للميثاق الذي أخذه الله منهم؛ ولم يكن تحريف التوراة ذنباً صغيراً. فلم يكتفوا بعدم العمل والمخالفة، بل عمدوا إلى التحريف. وفي ذلك الزمان نفسه، كان قتل الأنبياء فعلاً يتنافى مع العهد والميثاق الذي أخذه الله منهم، وكان يُعد تولياً وإعراضاً. لقد خالفوا أوامر الأنبياء، فكان إعراضهم بأقسى الأشكال وأشدها.
يُبيّن الله تعالى أن بني إسرائيل قد مروا بكل تلك الأحداث؛ وشملهم لطف الله مراراً وتكراراً ونجاهم؛ ورأوا المعجزات مراراً، وشاهدوا لطف الله وعنايته مراراً؛ ومع ذلك، بمجرد أن تعود ظروفهم إلى طبيعتها ويبتعد عنهم الخطر، كانوا يعودون إلى سيرتهم الأولى. إن لبني إسرائيل قصصاً عجيبة؛ بدءاً من تخريب بيت المقدس، وصولاً إلى الكفر بالسيد المسيح (عليه السلام) ومحاولة قتله.
وحينما يُنزل الله تبارك وتعالى هذه الآيات على المسلمين واليهود في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه يريد في الواقع أن يوصل لهم هذه النقطة: إن قوله (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) يعني أنكم أيها اليهود كأجدادكم وأسلافكم وقوم بني إسرائيل، رأيتم كل هذه المعجزات والكرامات من النبي (صلى الله عليه وآله)، وشملكم الله تبارك وتعالى بكل هذا اللطف، ولكنكم مع ذلك تُعرضون وتتولون. لقد أصبحت هذه المسألة بمثابة ديدن ونهج بين بني إسرائيل؛ فقوله (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) يشير في الحقيقة إلى هذا النهج والعادة؛ عادة نقض العهود. ففي هذه الآيات القليلة الأخيرة التي قرأناها، لاحظتم كم كان لديهم من نقض للعهود، وكم كانوا يتصرفون بخلاف العهد والميثاق الذي أبرموه مع موسى (عليه السلام).
إذا أردنا أن نذكر سِمة بارزة لبني إسرائيل، فيمكننا الإشارة إلى نقض العهود والمواثيق؛ فقد نكثوا وعودهم مع النبي موسى (عليه السلام) وكذلك مع سائر الأنبياء، ونقضوا العهد والميثاق الذي أبرموه مع الله، وبناءً على ذلك لُعنوا. فقوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) يعتبر نقض الميثاق هو سبب اللعن. وكأن هذا الأمر قد انتقل بالوراثة إلى يهود عصر النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث كان نقضهم للعهود والمواثيق يتسبب في خسائر للمسلمين. واليوم أيضاً نرى الأمر ذاته؛ فهذا القوم المتبقي من بني إسرائيل، وبأي اسم عُرفوا، هم بوضوح تام أهل نقض للعهود وإخلاف للوعود وما شابه ذلك.

المطلب الثاني

على أية حال، يذكّر الله تبارك وتعالى بهذا الأمر قائلاً: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ). ولا تُشير الآية هنا إلى الزمان الذي أعرضوا فيه؛ ولكن في الآية 50 من سورة الزخرف يقول تعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ)، فبمجرد أن يُرفع عنهم الخطر والعذاب ويشعروا بالأمن وتزول عنهم المشكلة، يشرعون في نقض العهد. وهنا أيضاً حدث الأمر نفسه؛ فبعد أن رُفع الطور، وبعد فاصل زمني ليس بالطويل، نقضوا الميثاق.

سؤال: (أحد الحضور يطرح سؤالاً يشير فيه إلى أن فعلهم كان عن اضطرار).
الأستاذ: لقد كان ذلك عن اضطرار؛ ويمكن أن يكون الأمر كذلك، أي إنهم أظهروا الإيمان هرباً من المشاكل ولأجل حلها كي يُرفع عنهم الخطر. ولكن حتى ذلك لم يكن إيماناً حقيقياً. بل كان تظاهراً بالإيمان، وإلا فإنهم لم يؤمنوا قلبياً…

سؤال: (أحد الحضور يطرح سؤالاً آخر).
الأستاذ: في الواقع، لقد بيّنت الآيات السابقة سلسلة من أفعال بني إسرائيل ولطف الله بهم في كل مرحلة؛ بدءاً من قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، ثم أشارت إلى جميع النعم. وفي كل مرة كانت هناك إشارة إلى ابتعادهم عن الميثاق… فقوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) إذا كان يشير قياساً إلى الآية السابقة ومسألة أخذ الميثاق، فهو ناظر إليها بالخصوص؛ غير أن أخذ الميثاق ورفع الطور هما ما دفعهم للمسايرة وقبول الميثاق؛ ولذا، فإن قوله: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)، مع إمكانية نظره إلى هذا المعنى ذاته، إلا أنه يريد أن يقول في الواقع: وهذه المرة أيضاً كالسابق؛ فقد أصبحت هذه عادتكم. فـ (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) تعني أنكم أعرضتم عن التوراة؛ وقد ضربتُ أمثلة على ذلك كتحريف التوراة، وعدم العمل بها، ومخالفة أحكامها، ومخالفة الأنبياء…

بحث الجلسة المقبلة
لا يتضمن المقطع الأول مطالب خاصة أخرى؛ وسنقوم بشرح المقطع الثاني في الجلسة المقبلة إن شاء الله تعالى.