The news is by your side.

الدرس السابع والعشرون، الآية 63، المقاطع المختلفة للآية، المقطع الثاني

الدرس السابع والعشرون

الآية 63 – المقاطع المختلفة للآية – المقطع الثاني: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) – المطلب الأول: معنى “الأخذ” – المطلب الثاني: معنى “القوة” – المطلب الثالث: شمول الخطاب للمسلمين

6 / 11 / 1404 هـ.ش

المقطع الثاني: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)
لقد تم بيان خمسة مطالب ضرورية حول المقطع الأول من الآية 63 في الجلسات السابقة. أما المقطع الثاني فهو قوله تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ). معنى هذه الفقرة من الآية واضح؛ حيث يقول تعالى: خذوا ما أعطيناكم ومنحناكم بقوة واقتدار. ومن البديهي أن هذا الأمر جاء بعد أخذ الميثاق ورفع جبل الطور؛ أي حينما قَبِلوا التوراة وأذعنوا بضرورة الالتزام بالميثاق والعهد الذي قطعوه، قال لهم: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ). وهناك عدة مطالب ينبغي طرحها حول هذا المقطع من الآية.

المطلب الأول: معنى “الأخذ”

المطلب الأول يدور حول معنى “الأخذ”؛ ففي قوله تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، ما هو المعنى المراد من الأخذ هنا؟ يمكننا ذكر عدة مصاديق لأخذ التوراة:
أحدها أن يفهموها ويدركوها ويتفكروا فيها ملياً. وقد يكون “الأخذ” في أدنى مراتبه هو القراءة؛ ففي النهاية، كتاب سماوي كالتوراة، أدنى مراتب الارتباط والصلة به هي تلاوته. وقوله هنا (خُذُوا) يعني في الحقيقة فهم التوراة؛ وفهم التوراة إنما يتأتى بالبحث والدرس والتأمل والتفكر والتدبر فيها؛ فلا يمكننا القول عمن لم يأنس بالتوراة ولم يتأمل ويتفكر فيها إنه قد أخذ بها.
إذن، ليس الأخذ مجرد الأخذ باليد وحمل الكتاب، بل هو الأخذ بالروح والنفس والقلب؛ أي أن تجعلوه في نفوسكم وأرواحكم وقلوبكم. وكيفية تلقيه وأخذه في النفس والروح والقلب واضحة، ألا وهي التدبر والتأمل والتفكر. أما معنى (مَا آتَيْنَاكُمْ) فمن المعلوم أنه إشارة إلى التوراة.

المطلب الثاني: معنى “القوة”

المطلب الثاني الذي يجب التطرق إليه هنا هو معنى “القوة”. لقد حمل البعض القوة على معناها الظاهري، أي الاستطاعة والقدرة؛ ولذا قالوا إن هذه الآية تدل على “الاستطاعة قبل الفعل”. بمعنى أنه عندما لا يمتلك الإنسان الاستطاعة والقدرة على إنجاز عمل ما، لا يُقال له: “خذ هذا بقوة”؛ بل يُقال له ذلك متى ما كان مستطيعاً على إنجازه.
ومن المفارقات أن هذا بحد ذاته يؤيد الجواب الذي قدمناه عن الشبهة الأولى (في الجلسات السابقة)؛ فقد كانت الشبهة تقول إن الإلجاء والإكراه والإجبار على أخذ الميثاق لا ثمرة له، لأن الإجبار على الإيمان باطل، علاوة على أن الله تبارك وتعالى نفسه قد نفى الإكراه في الإيمان. وقد قُدمت إجابات هناك قمنا بمناقشتها؛ ولكننا قبلنا إجابة واحدة. والنقطة التي أشرنا إليها هناك هي أن رفع الطور لا يتنافى مع الاختيار في الإيمان إطلاقاً. فعندما يقول تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، يتضح أن الاختيار لم يُسلب منهم، وكان بإمكانهم الأخذ به عن اختيار؛ ولهذا قال الله تعالى خذوه “بقوة”. إذن، هذا يدل على الاستطاعة قبل الفعل، وإلا لما كان هناك معنى لأن يقول الله لهم: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ).

ولكن يبدو أن معنى القوة هنا هو الحزم والإرادة والقاطعية. فقوله: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ) يعني خذوه بجد وعزيمة؛ أي خذوه بإرادة صلبة وجدية تامة، وبقوة كاملة تشمل القوة البدنية والقوة الروحية (القلبية) معاً. وكما ورد في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث يقول إسحاق بن عمار: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) أَ قُوَّةٌ فِي الْأَبْدَانِ أَمْ قُوَّةٌ فِي الْقُلُوبِ؟ قَالَ (عليه السلام): فِيهِمَا جَمِيعاً». فهذه الرواية تدل على أن المقصود من أخذ التوراة بقوة، هو القوة البدنية والروحية معاً.
والقوة الروحية هي في الواقع منشأ القوة البدنية. وكيف يتأتى أخذ التوراة بالقوة الروحية؟ بأن تأخذوها باقتدار وجدية وعزيمة؛ أي ألا تتطرق إليكم أدنى رخاوة أو ضعف في التمسك بها، وأن تعملوا بجميع الأحكام والأوامر والأخلاقيات والعقائد المبينة فيها؛ وهذا لا يتحقق إلا بالأخذ التام والكامل. فإذا أردنا العمل بأي أمر في أي مرتبة ومكان، فإن الخطوة الأولى هي المعرفة والإدراك؛ وكلما كانت المعرفة أعمق وأكمل، كانت المواكبة والالتزام أكبر. وهنا يقول الإمام (عليه السلام): «فِيهِمَا جَمِيعاً»؛ بمعنى أن القوة التي كان عليهم أن يأخذوا بها التوراة هي ذات الجدية والعزيمة والمثابرة التي ينبغي بذلها في هذا السبيل.

المطلب الثالث: شمول الخطاب للمسلمين

المطلب الآخر هو أن قوله تعالى: (خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ)، شأنه شأن بعض الخطابات القرآنية الأخرى، موجه في ظاهره إلى بني إسرائيل؛ لأنه يسرد قصتهم، فمن الواضح بحسب الظاهر أن المخاطب بهذا الأمر هم بنو إسرائيل.
ولكن، وكما هو الحال في سائر الموارد التي يُوجه فيها الخطاب إلى قوم معينين من المشركين أو الموحدين، فإن هذا الأمر لا يختص بذلك الزمان؛ فالخطابات القرآنية متى ما توجهت إلى المؤمنين، فهي موجهة لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة؛ ومتى ما توجهت إلى الكافرين، فهي كذلك موجهة لجميع الكافرين إلى يوم القيامة.
وهنا أيضاً، لا يقتصر هذا الخطاب على بني إسرائيل في ذلك الزمان فحسب، بل يشمل المسلمين أيضاً؛ أي إنه يقول للمسلمين: خذوا القرآن بكامل قوتكم؛ وأخذ القرآن بكامل القوة يعني القوة البدنية والقلبية والروحية معاً. والأخذ يعني التلقي والفهم والتعمق والتأمل في آيات القرآن؛ فلا يُقصد بالأخذ مجرد حمل هذا الكتاب ووضعه في المكتبات، أو الاكتفاء بنقش آياته في المساجد والأماكن المقدسة، أو طباعته بأفضل حلة؛ كلا، ليس الأمر أياً من هذا. بل إن الأمر يتجلى في ترويج الثقافة القرآنية بين المسلمين؛ فكلما ازداد أنس المسلمين بالقرآن، وكلما اتسع نطاق فهمه في المجتمع، وكلما تجلى القرآن في حياة المسلمين أكثر، كان ذلك سبباً لتقويتهم وعزتهم.
وعليه، يجب أن يكون أخذ القرآن بالمعنى العام، وأن يكون “بقوة” في شتى المجالات؛ فالمقصود هو الشمولية في أخذ القرآن، والتي تستوعب المراتب الظاهرية للأخذ وصولاً إلى المراتب الحقيقية، وأن يتم الأخذ بقوة في كل الميادين. وهذا أمر وحكم بينه الله تبارك وتعالى لجميع المسلمين إلى يوم القيامة.

بحث الجلسة المقبلة
سنقوم في الجلسة المقبلة بإذن الله بشرح المقطع الثالث من الآية 63.