الدرس السادس والعشرون، الآية 63، المقاطع المختلفة للآية، المقطع الأول
الدرس السادس والعشرون
الآية 63 – المقاطع المختلفة للآية – المقطع الأول: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) – المطلب الرابع: دراسة شبهتين – الشبهة الثانية – الجواب الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس ومناقشتها – القول الحق في الجواب
1 / 11 / 1404 هـ.ش
خلاصة الجلسة السابقة
كان البحث في المقطع الأول من الآية 63 من سورة البقرة: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ). وقد ذُكرت أربعة مطالب حول هذا المقطع من الآية؛ وكان المطلب الرابع يتمحور حول دراسة شبهتين أُثيرتا حولها. أما الشبهة الأولى التي تمت معالجتها فكانت: كيف يُمكن أن يُرفع الجبل بين السماء والأرض فوق رؤوس بني إسرائيل دون أي ركيزة؟
الشبهة الثانية
الشبهة الثانية هي أنه على فرض تسليمنا بإمكان رفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل، إلا أن هذا الفعل غير مشروع؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول إننا رفعنا جبل الطور فوق رؤوسهم وأخذنا منهم الميثاق. فما قيمة أخذ الميثاق في مثل هذه الظروف؟ إن هذا يُعد إلجاءً وإكراهاً على الإيمان؛ وهو يتنافى مع الاختيار الذي هو أساس التكليف. فإذا أُجبر شخص على الإيمان والطاعة، فما الفائدة من ذلك؟ والحال أنه وفقاً للآيات القرآنية الكريمة لا يوجد إكراه وإلجاء في الدين والإيمان. ولذا، فإن هذا العمل غير جائز أساساً.
وقد قُدّمت عدة إجابات عن هذه الشبهة، وسنذكرها ونناقشها واحدة تلو الأخرى.
الجواب الأول
الجواب الأول، وهو ما نقله الفخر الرازي عن القاضي (عبد الجبار)، هو أن هذا لم يكن إلجاءً إلى الإيمان؛ لأن أقصى ما حصل لهم في تلك الظروف هو الخوف من السقوط؛ فقد خافوا من سقوط الجبل على رؤوسهم. ولكن عندما وقفوا في أماكنهم لبعض الوقت ورأوا أن هذا الجبل لم يسقط وبقي مستقراً في مكانه، في حين أن السماوات مرفوعة في مكانها وهم واقفون على الأرض، زال الخوف عنهم وأدركوا أن هذا الجبل لن يسقط على رؤوسهم. وعليه، فإن أخذ الميثاق وقبول الإيمان في تلك الظروف لم يكن إلجاءً وإجباراً على الإيمان، ويبقى التكليف على قوته. فهناك أراد الله أن يأخذ منهم ميثاقاً وحمّلهم تكليفاً والجبل مرفوع فوقهم؛ لقد رأوا هذا الجبل معلقاً بين السماء والأرض فوق رؤوسهم بلا عمود ولا يسقط؛ وفي تلك الظروف، قَبِلوا الميثاق وأذعنوا للتكليف من تلقاء أنفسهم دون خوف وعن اختيار.
مناقشة الجواب الأول
يبدو أن هذا الجواب غير صحيح؛ لأن كون الجبل فوق رؤوسهم واستقراره بلا عمود وبقائه كذلك لفترة حتى يقبلوا الميثاق ويطيعوا، لم يؤدِّ إلى زوال الخوف؛ بل كانوا يعلمون أنهم إن لم يذعنوا ولم يأخذوا بالميثاق، فإن هذا الجبل سيسقط عليهم. لقد نقل القاضي قائلاً: “أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم”؛ ثم عندما رأوا أنه استقر لبعض الوقت قال: “فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السماوات مرفوعة بلا عماد جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف”؛ ولكن كيف يُوجب هذا زوال الخوف؟ إن الخوف من السقوط لا يزول بمجرد استمرار الجبل واستقراره لفترة وعدم سقوطه. لم يكن الأمر بحيث يقولون: “بما أنه بقي معلقاً لفترة ولم يسقط، فلن يسقط بعد الآن”. هل مَن يرى صخرة معلقة بين الجبال، وقد توقفت لسبب غير معلوم، ولم تسقط، يزول عنه الخوف من سقوطها؟ قطعاً ليس الأمر كذلك.
الجواب الثاني
الجواب الثاني هو أن مسألة رفع الطور كانت في الواقع معجزة من قِبل الله تبارك وتعالى؛ كتحول العصا إلى ثعبان، وكفلق البحر ونجاة بني إسرائيل من ذلك النهر أو البحر. فهل إذا آمن بنو إسرائيل بعد رؤية تلك المعجزات يُعد ذلك إلجاءً إلى الإيمان أم تقويةً له؟
مناقشة الجواب الثاني
هذا الجواب أيضاً غير مقبول؛ لأن المعجزة تختلف عن التهديد بالعذاب. كان ادعاء المجيب أن رفع الطور في هذه القصة كان معجزة إلهية وليس للتخويف؛ صحيح أنه عند تحول العصا إلى ثعبان خاف البعض، إلا أن القيام بعمل بقصد التخويف يختلف عن المعجزة. ويُستفاد من لسان الآية أن الله تبارك وتعالى قد فعل ذلك في مقام التهديد والتخويف بالعذاب، لا أنه أراد إظهار معجزته لهذا القوم؛ فقد أظهر معجزاته مراراً وتكراراً لبني إسرائيل من قبل. أما هنا فكان الموقف يتطلب أخذ ميثاق غليظ وشديد منهم لكي لا يتمردوا مرة أخرى. ولذا، فإن الجواب الثاني غير تام أيضاً.
الجواب الثالث
الجواب الثالث هو أن رفع الطور لم يصل إلى حد الإلجاء والإكراه بحيث يُسلب الاختيار من بني إسرائيل. لأن ما تم التأكيد عليه في الإشكال هو أن هذا يتنافى مع الاختيار؛ أي كأنه وقع إكراه وإجبار على قبول الإيمان، وهذا لا ينسجم مع اختيار الإنسان؛ فالإنسان يجب أن يعمل بالتكليف ويؤمن عن اختيار. ويُريد المجيب هنا أن يقول إن رفع جبل الطور لم يصل إلى ذلك الحد، بل كان تمهيداً ومقدمة ليقبل بنو إسرائيل الإيمان والتكليف باختيارهم.
وهذا الجواب، بمعنى من المعاني، قريب من الجواب الثاني، وربما يُعد مكملاً له. لأنه في الجواب الثالث يريد أن يقول في الواقع إن هذا الحدث جعل بني إسرائيل يقبلون التكليف، رغم المرارة التي كانوا يشعرون بها إزاء قبوله، وذلك عن رضا؛ طبعاً رضا مشوب بالمرارة. تماماً كالمريض الذي يُراد إخضاعه لعملية جراحية، فهو يختار الجراحة باختياره رغم ما فيها من مرارة؛ فالرضا بمعنى القبول عن طواعية محضة ليس موجوداً هنا. ففي النهاية، مَن يُريد الإقدام على عمل يعلم أنه في صالحه في نهاية المطاف، رغم مرارته وعدم ملاءمته لنفسه، فإنه يقبله بسبب النتائج المترتبة عليه. إذن، هناك رضا؛ أي إنه يفعل ذلك باختياره. وعليه، فإن هذه الحادثة والواقعة لم توصلهم إلى حد الإلجاء والإكراه ولم تسلب منهم الاختيار.
مناقشة الجواب الثالث
لعل هذا الجواب أفضل نوعاً ما من الجوابين الأول والثاني؛ لكنه لا يحل المشكلة. ففي نهاية المطاف، في موارد الإكراه، يظل الشخص هو من يختار وينتقي؛ وكذلك الحال في الاضطرار. فتارةً نتحدث عن الإجبار، حيث يُجبر شخص وتُربط يداه ورجلاه ويُسكب الخمر في فمه؛ وتارةً أخرى يُكره شخص ويُهدد بأنه إن لم يشرب الخمر يُقتل؛ هنا أيضاً قام بالفعل باختياره، ولكنه اختيار منشؤه وسببه المؤكد هو ذلك التهديد. وبعبارة أخرى، نحن لا نريد القول هنا إنه لم يكن لديه أي اختيار عقلي؛ بلى، لقد اختار بنفسه؛ ولكن البحث يدور حول ما إذا كان هذا النحو من الاختيار جائزاً أم لا؟ الإشكال يكمن في أن مجرد إثبات الاختيار بهذا المقدار، والقول بأن هذا ليس إلجاءً في الحقيقة، لا يحل المشكلة. ففي النهاية، صورته وظاهره هو الإلجاء والإكراه، والإلجاء والإكراه لا ينسجم مع لزوم حرية العقيدة في الإيمان.
الجواب الرابع
الجواب الرابع هو أن هذه الآية في الأساس ناسخة لآية (لا إكراه في الدين). أي كأن الله تبارك وتعالى قد نسخ بهذه الآية (لا إكراه في الدين)؛ فمَن قال إنه لا إكراه في الدين؟ ومَن قال إنه لا يوجد إلجاء إلى الإيمان في الدين؟ بل يوجد إكراه وإلجاء إلى الإيمان في الدين.
مناقشة الجواب الرابع
هذا القول باطل؛ فطرح مسألة النسخ هنا غير صحيح؛ لأن النسخ يحتاج إلى دليل وقرينة، ويجب التصريح به، ولا يمكننا قبوله بمجرد احتمال النسخ أو ببعض القرائن. علاوة على ذلك، لم تُذكر هذه الآية ضمن الموارد التي قُبل فيها النسخ.
الجواب الخامس
لقد أنكر بعض المفسرين أساساً مسألة رفع الطور، وقالوا إن القول برفع جبل فوق رؤوسهم لأخذ الميثاق منهم غير مقبول من الأساس.
مناقشة الجواب الخامس
ويبدو أن هذا أيضاً ادعاء بلا دليل؛ فكيف لا تنكرون فلق البحر وتحول العصا إلى ثعبان، وتُنكرون هذا؟ فهذا أيضاً واقعة نُقلت ويجب الأخذ بظاهرها. ولذا، فإن إنكار هذه الحقيقة بأدلة عقلية أو عرفية أمر غير مقبول.
القول الحق في الجواب
هذه الإجابات الخمس التي ذكرناها هنا، كما لاحظتم، كلها محل إشكال. والجواب الذي يبدو أفضل من سائر الإجابات، هو أن رفع الطور قد وقع قطعاً؛ وأن بني إسرائيل قد خافوا قطعاً، وأن الإلجاء والإكراه قد تحقق قطعاً. فحينما يُرفع الجبل فوق رؤوسهم ويُراد أخذ الميثاق منهم، فمن الواضح أن هذا إلجاء؛ ولكن المسألة هي: على أي شيء وقع الإلجاء؟ هل كان الإكراه والإلجاء على أصل الإيمان أم على العمل بعد الإيمان؟ الظاهر أن الإلجاء لم يكن على أصل الإيمان؛ فهم كانوا قد آمنوا سابقاً بحسب الظاهر، رغم ما كان لديهم من تمرد وعصيان؛ وكان العمدة أنهم لا يعملون بالتوراة. فلما نزل كتاب التوراة، أخذ الله تبارك وتعالى منهم، بآية العذاب هذه، ميثاقاً غليظاً ومحكماً على اتباع كتاب التوراة. ولذا، لم يقع الإلجاء والإكراه على الإيمان، ولا يتنافى ذلك مع آية (لا إكراه في الدين)؛ فهم كانوا مؤمنين على الأقل بحسب ادعائهم، ولكن عندما أرادوا التهرب من العمل بأوامر ألواح التوراة والتملص من التكليف، أخذ الله منهم الميثاق بشدة وغلظة بأنه يجب عليهم العمل بهذه الأوامر. إذن، كان هذا الإكراه من أجل الطاعة في مقام العمل بأوامر التوراة؛ وهذا لا إشكال فيه. فبعد أن يدخلوا في الدين، من الطبيعي أن يحترموا أحكامه وقوانينه ويلتزموا بها.