الدرس الرابع والعشرون، الآية 63، أقسام الآية المختلفة، القسم الأول
الدرس الرابع والعشرون
الآية 63 – أقسام الآية المختلفة – القسم الأول: «وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور» – مطلب الأول: الميثاق – القول الأول، الثاني، الثالث – دراسة القول الثاني – دراسة القول الثالث – المطلب الثاني: الطور
23 رجب 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
كان البحث في تفسير الآية 63 من سورة البقرة؛ حيث عرضنا لأقسام هذه الآية، وبدأنا بالقسم الأول وهو قوله تبارك وتعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) [البقرة: 63]؛ وذكرنا أنه يتضمن عدة مطالب. المطلب الأول دار مدار بيان حقيقة الميثاق؛ وأشرنا إلى وجود ثلاثة أقوال في بيانه؛ القول الأول يقرر أنه العهد والميثاق الفطري والعقلي المودع في فطرة البشر، وهو الحجة الباطنية الهادية إلى معرفة التوحيد وصدق الأنبياء. والقول الثاني يقرر أنه ميثاق وعهد خاص مأخوذ من خصوص طائفة بني إسرائيل. ومفاد القول الثالث تفرعه لمعنيين: أحدهما الميثاق المأخوذ حال الخروج من صلب آدم؛ والآخر الميثاق العام المأخوذ من العباد قاطبة للالتزام بمتابعة الأنبياء؛ وقد بيّنّا ضعف القول الأول وعدم إمكان قبوله بالصناعة بقرینه قوله سبحانه: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) الظاهرة في اقتران أخذ الميثاق بظلال جبل الطور المرفوع فوق رؤوسهم.
دراسة القول الثاني
تنهض طائفة من الشواهد والقرائن لتعضيد القول الثاني وتقويته؛ لكونها تثبت خصوصية هذا الميثاق ببني إسرائيل من جهة، وتوهن القولين الآخرين وتضعفهما من جهة أخرى بالتبع. وبناءً عليه، يتعين قبول القول الثاني ورجحانه بالدليل؛ ومفاده أن الميثاق هاهنا هو ميثاق خاص وعهد معين مرتبط بطائفة بني إسرائيل بالخصوص.
القرينة الأولى
إننا نقف في مواضع شتى من القرآن الكريم على آيات تصرح وتقرر بوضوح أخذ هذا الميثاق الخاص من طائفة بني إسرائيل بالخصوص؛ ومنها:
-
قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) [الأعراف: 169]؛
-
وقوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) [البقرة: 84]؛
-
وقوله تبارك وتعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) [البقرة: 83]؛ فحضور عبارة «مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ» صريح بالصناعة في كونه ميثاقاً خاصاً مأخوذاً من هذه الطائفة بالخصوص. وجاء في آية البحث قوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ)؛ وإن كان ضمير الخطاب «كُمْ» متوجهاً لبني إسرائيل، إلا أنه قد يؤول في نظر بعضهم إلى ذلك الميثاق العام؛ غير أن هذه الآيات تبعد هذا التوجيه بالكلية.
-
وقوله تعالى في الآية 40 من سورة البقرة: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة: 40].
وهذه الآيات قاطبة تشير إلى ذلك العهد والميثاق الخاص المأخوذ من خصوص طائفة بني إسرائيل؛ وحينما تعرض الآيات لأحكام وتكاليف متباينة مقرونة بذكر الميثاق، فإنها ترمي إلى بيان أن ذلك الميثاق والعهد إنما أُخذ للعمل بأحكام التوراة وتشريعاتها؛ فتارةً تذكره مقروناً بـ (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ)، وتارةً أخرى تقرنه بـ (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ)، وتارةً ثالثة بـ (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)؛ وهذه كلها فرامين وأحكام قررها الباري جل وعلا في كتاب التوراة ليعمل بها بنو إسرائيل.
فهذه الآيات التي تعرضت لبيان هذا المطلب تشكل شاهداً وقرينة قوية على إرادة الميثاق الخاص؛ بخلاف الآيات الناظرة إلى الميثاق العام للعباد قاطبة؛ لكونها صيغت بلغة وبيان مغاير بالتمام؛ كقوله تبارك وتعالى في الآية 172 من سورة الأعراف: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) [الأعراف: 172]؛ فالآية تذكر أخذ الذرية من ظهور بني آدم لتشير إلى الميثاق الفطري والعقلي العام المأخوذ منهم؛ كعدم اتباع غير الله وما شاكل ذلك من الأصول. وعليه، فإن تباين لسان الآيات واختلاف صياغتها قرينة واضحة تضعف حمل آية البحث على الميثاق العام، وتعين إرادة الميثاق الخاص ببني إسرائيل.
القرينة الثانية
والشاهد الثاني هو قوله سبحانه في تكملة هذه الآية وفي ذات القسم الأول منها: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)؛ وبناءً على كون الواو هاهنا واواً حالية لا عاطفة -وهو الحق المقر ببيانه لاحقاً- يؤول معنى الآية إلى: واذكروا إذ أخذنا منكم الميثاق حال كون جبل الطور مرفوعاً ومظللاً فوق رؤوسكم؛ أي إن أخذ الميثاق قد وقع مقارناً وحال رفع الجبل. وهنا يبرز إشكال وتساؤل سنعرض لدراسته لاحقاً؛ وهو: هل أخذ الميثاق والعهد منهم تحت ظلال الجبل المرفوع يورث إكراهاً لهم؟ وإن كان إكراهاً فهل يترتب على هذا العهد المكره عليه قيمة واعتبار تشريعاً أم لا؟ سنبين تفصيل هذا المطلب لاحقاً بمشيئة الله. وبمعزل عن هذا الإشكال، فإن أخذ العهد منهم حال كون الجبل مرفوعاً فوق رؤوسهم يشهد بوضوح على كونه ميثاقاً خاصاً مأخوذاً في واقعة معينة، ويبعد كونه ميثاقاً عاماً كالميثاق الفطري.
السؤال: …
الأستاذ: ما هي الحكمة في أخذ هذا الميثاق الغليظ من خصوص بني إسرائيل دون سائر الأمم والطوائف؟ سنجيب عن هذا السؤال بالتفصيل لاحقاً بمشيئة الله؛ والمهم الآن هو تثبيت هذا القول ورجحانه بالدليل؛ ليتضح جلياً أن الميثاق هاهنا هو ميثاق خاص ببني إسرائيل بالخصوص.
القرينة الثالثة
والقرينة الثالثة تكمن في ثبوت الارتباط والاقتران في الآية الكريمة بين رفع جبل الطور وأخذ الميثاق؛ وهذا الشاهد يغاير الشاهد السابق المبني على واو الحال. فالآية تقرر: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَعْنَا فَوْقَكُمُ الطّورَ)، لتبين أن رفع الجبل فوقهم كان بمثابة وعيد وتهديد بإنزال العذاب والهلاك عليهم إن هم نكثوا العهد ولم يقبلوا بالميثاق. وهذا شاهد مستقل؛ لكون رفع الجبل غايته التهديد بإنزال العذاب، وهذا التهديد مرتبط ومقترن بمسألة نكث العهد ونقض الميثاق؛ فكأن الله سبحانه يحذرهم عاقبة الإعراض عن العمل بالتوراة بإنزال العذاب عليهم؛ وثبوت هذا الترابط والاتصال بين أخذ الميثاق ورفع الجبل قرينة واضحة بالصناعة تفيد كونه ميثاقاً خاصاً مرتبطاً بطائفة بني إسرائيل وواقعتهم المعينة.
وبهذه الشواهد والقرائن المجتمعة، يثبت رجحان القول الثاني تماماً.
دراسة القول الثالث
ومفاد القول الثالث الذي بيناه سابقاً يرتكز على حمل الميثاق على ميثاق عام مأخوذ من العباد قاطبة للالتزام بمتابعة الأنبياء والانقياد لفرامينهم (بمعزل عن العقل والفطرة التي تندرج تحت القول الأول). ويقرر هذا القول أن الله تبارك وتعالى وإن أخذ من البشر ميثاق التوحيد والمعاد، فقد أخذ منهم ميثاقاً آخر يقتضي اتباع الرسل والانقياد لأمرهم. وهذا المعنى لا يخرج في حقيقته عن مصاديق القول الأول؛ لأنه وإن أشارت إليه بعض الآيات، إلا أنه يرجع بالتحقيق إلى المعرفة والنزوع الفطري الكلي المودع في النفس الإنسانية، أو يرشد إليه دليل العقل والحجة الباطنية. وعليه، لا يعد هذا القول قسيماً مستقلاً عن القول الأول بالصناعة، فالقول الثالث ناتم وغير سديد.
والنتیجة المستخلصة مما تقدم هي أن المراد بالميثاق في الآية الكريمة هو الميثاق الخاص بطائفة بني إسرائيل والعمل بشريعة التوراة.
وسنجيب بمشيئة الله تعالى عن السؤال الذي طرحتموه وعن سائر الأسئلة المرتبطة بالقسم الأول في ختام البحث فيه.
المطلب الثاني: «طور»
والمطلب الآخر المتعلق بالقسم الأول من الآية يدور مدار لفظ «الطور»؛ وما المراد بـ «الرفع» هاهنا؛ وكيف يؤول معنى قوله سبحانه: (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)؟ وقد سُجل في معنى «الطور» احتمالان على الأقل في طيات التفاسير؛ وقد أشار إليهما الفخر الرازي في تفسيره الكبير.
الاحتمال الأول: أن يكون المراد بـ «الطور» هو ذلك الجبل المعروف والشهير الذي كان ميقاتاً ومحلاً لمناجاة موسى (عليه السلام) لربه. وإلى هذا الاحتمال ذهب عامة المفسرين وحملوا اللفظ عليه؛ وقد أشارت آيات أخرى في القرآن الكريم إلى هذا الجبل بعينه بأسماء وألفاظ متعددة؛ فتارةً عبرت عنه بـ (بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) [طه: 12]، وتارةً بـ (طُورِ سِينَاءَ) [المؤمنون: 20]، وتارةً ثالثة بلفظ (الْجَبَلَ) [الأعراف: 171]؛ وجاء في آية البحث بلفظ (الطُّورَ)، كما جاء في سورة التين بلفظ (وَطُورِ سِينِينَ) [التين: 2]. ومتى تكرر ذكر الجبل والحديث عنه في مواضع متعددة من التنزيل، فالقاعدة المطردة تقتضي حمل اللفظ هاهنا على ما حُمل عليه في سائر المواضع؛ لكون العرف الجاري في لغة المحاورة يقتضي حمل الإشارة إلى موضع معين ارتبط بوقائع معلومة على ذات الموضع المعلوم وإن تعددت أسماؤه؛ فجرياً على طريقة المحاورة، يتعين حمل «الطور» هاهنا على ذلك الجبل المعهود الذي كان محلاً لمناجاة موسى (عليه السلام)؛ وهو ما ذهب إليه عامة المفسرين.
الاحتمال الثاني: وذهب فريق آخر إلى حمل «الطور» على مطلق الجبل؛ أي إن الله سبحانه لم يرفع فوق رؤوسهم خصوص ذلك الجبل الذي ناجى فيه موسى ربه، بل رفع فوقهم جبلاً من الجبال؛ فقيل إنه جبل من جبال فلسطين اقتلعه الله تبارك وتعالى من أصله ورفعه فوق رؤوسهم؛ وقيل إنه لم يكن جبلاً معيناً بل جُعل شيء يشبه الجبل فوق رؤوسهم بضرب من الإعجاز. وهذه الاحتمالات وإن كانت متصورة في نفسها، إلا أن قرينة “الاطراد” التي بيّنّاها تحتم حمل اللفظ على خصوص ذلك الجبل المعروف الذي ناجى فيه موسى (عليه السلام) ربه تبارك وتعالى.