الدرس الثاني والعشرون، الآية 63، بيان إجمالي للآية، ارتباط الآية بالآيات السابقة
الدرس الثاني والعشرون
الآية 63 – بيان إجمالي للآية – ارتباط الآية بالآيات السابقة
2 رجب 1447 هـ
الآية 63
وهي قوله تبارك وتعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 63]؛ ومعناها: واذكروا يا بني إسرائيل حين أخذنا منكم العهد والميثاق الغليظ، وبسطنا ورفعنا فوق رؤوسكم جبل الطور؛ خذوا ما آتيناكم من التوراة والشرائع بجد واجتهاد وقوة، واذكروا ما في طياتها من التكاليف والأحكام والوعظ (والإشارة هنا إلى الألواح والتوراة)؛ لعلكم تحوزون رتبة التقوى والورع والخشية.
بيان إجمالي للآية
يشير الله تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة إلى الميثاق الذي أخذه من بني إسرائيل؛ وكان ذلك الميثاق لقبول التوراة والعمل بمقتضى أحكامها؛ حيث أخذ منهم في ذلك الموقف عهداً غليظاً وميثاقاً بالعمل بها؛ وكأن مجرد القبول القلبي والتصديق الاعتقادي لم يكن كافياً وحده. فقد بسط الله سبحانه وجعل جبل الطور -وهو الجبل الواقع في صحراء سيناء حيث كان مناجاة موسى (عليه السلام)- بساطاً مرفوعاً ومظللاً فوق رؤوسهم؛ وكان هذا الرفع ينطوي على جهة تهديد ووعيد بنزول العذاب والهلاك من جهة، وإلزام لهم بقبول التوراة والعمل بما جاء فيها من جهة أخرى. ويقرر سبحانه قوله: خذوا ما آتيناكم بقوة؛ والأخذ بقوة يعني العمل بموجب كتاب التوراة لئلا يقتصر الأمر على مجرد التصديق والاعتقاد الذهني الخالي من السلوك والعمل. وهنا يريد الله تبارك وتعالى بيان أنه كما لزمكم أخذ الألواح والتوراة والالتزام بها ابتداءً وحدوثاً، فكذلك يتعين عليكم التمسك بها والعمل بأحكامها بقاءً واستمراراً؛ لكون الأخذ بالتوراة والعمل بما فيها من الأسباب الممهدة لحصول التقوى والخشية في النفس.
ارتباط الآية بالآيات السابقة
كانت الآية 62 السابقة هي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 62]. ويتضح للناظر أن سياق هذه الآية وطبيعتها تختلف عن السياقات السابقة؛ إذ كانت الخطابات والنداءات في الآيات المتقدمة متوجهة إلى طائفة بني إسرائيل بالخصوص؛ حيث استهلها بقوله سبحانه: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) [البقرة: 40]، ثم أردفها بقوله: واذكروا إذ كان كذا وتفصل الأمر بكذا؛ ليستعرض سياق الآيات حتى الآية 61 ما يقرب من عشر نعم أنعم بها عليهم. وقد ذُكرت هذه النعم واحدةً تلو الأخرى، وعُقّبت بذكر كفران بني إسرائيل لهذه النعم وجهودهم في جحودها ونكرانها. ثم انقطع سياق تلك الخطابات والنداءات المتوجهة إليهم عند حلول الآية 62. ليعود السياق في الآية 63 مجدداً إلى ذلك الأسلوب والنداء الاستذكاري بقوله سبحانه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ)؛ فيشير تبارك وتعالى هنا إلى نعمة أخرى، آمراً إياهم باستذكار ذلك الوقت الذي أخذ فيه منهم الميثاق والعهد الغليظ على قبول التوراة والعمل بأوامرها ونواهيها؛ ثم يشرع في بيان كيفية أخذ هذا الميثاق. والتساؤل المطروح: لِمَ انقطع سياق الخطاب فجأةً في الآية 62 ثم عاد واستؤنف في الآية 63؟
إن النسبة القائمة بين النعم التي تفضل بها الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل تدور في بعض الموارد مدار علاقة الأصل والفرع، أو علاقة السبب والمسبب؛ فبعض الآيات يرمي إلى بيان النعم المادية والمطاعم والأرزاق وما شاكلها؛ وبعضها الآخر يتجه نحو التذكير بنعمة نجاتهم من عسف فرعون وبطش ملائه وظلمهم. وعلى أي حال، يعقب ذكر تلك الآيات بيان الله تبارك وتعالى للمعيار والمحك الكلي للسعادة الأبدية؛ حيث قرر أن الملاك الحقيقي عنده هو الإيمان بالمبدأ والنبؤة والمعاد والعمل الصالح؛ فذكر ركائز السعادة الأربع مجتمعةً. وحينما يعود السياق مجدداً إلى تعداد النعم واستئناف ذلك النداء الاستذكاري، كأن الله سبحانه يريد أن يقول لهم: لقد بيّنّا وقدمنا لكم هذا الدستور والمنهج القويم وخارطة الطريق الواضحة؛ لكون الإيمان بالمبدأ والعمل الصالح والنبؤة والمعاد قد قُدمت كمعيار وأساس لسعادة الإنسان وفلاحه، وقد صغنا لكم هذا المنهج في قالب التوراة والعهد الذي أخذناه منكم، وطالبناكم بالعمل بمقتضاه ميثاقاً مأخوذاً؛ فأخذنا منكم عهداً على التصديق والاعتقاد القلبي، وعهداً على العمل والالتزام بهذه الأحكام؛ ولكنكم أعرضتم عنها ووليتم دبركم. ومن هنا يتضح وجه التناسب والارتباط الوثيق بين هذه الآية والآيات السابقة على الآية 62؛ لكونها نداءات متوجهة إلى بني إسرائيل تُذكّرهم بآلاء الله ونعمه. وأما سر انقطاع سياق الخطاب فجأةً في الوسط للإشارة إلى ركائز السعادة الأبدية ثم العودة للاستذكار، فهو عين ما أوضحناه وذكرناه في هذا المقام.