الدرس التاسع عشر، الآية 62، تفسير الآية، القسم الثاني
الدرس التاسع عشر
الآية 62 – تفسير الآية – القسم الثاني: «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً» – 3. اعتبار الركائز الأربع على نحو المجموع – إشكال وجوابه – 4. مراتب الركائز الأربع
18 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
ذكرنا أن الآية 62 تشتمل على عدة أقسام، وكان البحث في القسم الثاني وهو قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) [البقرة: 62]. وقد استعرضنا مطلبين يتعلقان بهذا القسم: أحدهما ركائز السعادة الأبدية الأربع للإنسان، والآخر الملازمة والترابط بين هذه الركائز الأربع؛ وهي الإيمان بالمبدأ، والإيمان بالنبؤة، والإيمان بالمعاد، والعمل الصالح.
3. اعتبار الركائز الأربع على نحو المجموع
المطلب الثالث الذي يتعين الإشارة إليه في هذا الصدد هو أنه لو انتفى أصل واحد من هذه الأصول والركائز الأربع (والتي ترجع ثلاثة منها إلى أصول الدين وواحدة إلى فروع الدين)، فلن تترتب تلك الآثار والنتائج الموعودة. وبعبارة أخرى: قد يتوهم البعض -كما يبدو أن بعضهم قد استفاد هذا المعنى من ظاهر الآية- أن الملاك في نيل الثواب الإلهي هو مجرد الإيمان بالله وطهارة القلب فحسب؛ سواء اعتقد بالنبؤة أم لم يعتقد، وسواء أتى بالعمل الصالح بالمعنى المتقدم أم لم يأتِ به. ونحن قد بينا أن العمل الصالح ينطبق في واقعه على الإتيان بالواجبات وترك المحرمات؛ بل إن عنوان العمل الصالح ينطبق حتى على ترك المحرمات أيضاً؛ فالعمل وإن كان يُطلق بحسب الظاهر على الفعل الوجودي، ولكنه عند إطلاقه على العمل الصالح يستوعب الترك والعدم أيضاً. وبناءً عليه، يمتنع أن يكون المرء فاقداً للإيمان بأحد هذه الأصول الثلاثة ومقتصراً على العمل الصالح فحسب، أو يكون مؤمناً بها ولكنه ليس من أهل العمل الصالح، ثم ينال قوله سبحانه: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 62]. نعم، قد يشمله تخفيف العذاب من جهات أخرى كحال “المؤمن الفاسق”؛ والمؤمن الفاسق هو المؤمن الذي ليس من أهل العمل، وهو يختلف بالتمام عن المشرك والكافر؛ إذ البون شاسع بين رتبة المؤمن الفاسق ورتبة المشرك والكافر. ومن هنا، يتبين فساد ما ذهب إليه بعضهم -استناداً إلى هذه الآية وتفسيرها تفاسير واهية- من القول بجواز “التعددية الدينية” بالمعنى الرائج والدارج اليوم؛ فهذا قول باطل لا أساس له.
وقد نبهت بعض الآيات القرآنية صراحةً وتلميحاً على أن الكفار من أهل الكتاب، والمشركين، والصابئين، إذا لم تجتمع فيهم هذه الركائز مجتمعةً، فلن يذوقوا تلك النتائج والآثار الطيبة بالمرة. وعليه، فإن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) [البقرة: 62] لا يشمل قطعاً الكفار والمشركين والصابئين والنصارى الذين يزعمون أن عزيراً أو عيسى ابن الله.
وقد بينت آيات أخرى خروج هذه الفئات من دائرة الآية 62 من سورة البقرة؛ ومنها الآية 29 من سورة التوبة: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29]؛ فهذه الآية تؤسس لقتال أهل الكتاب وجهادهم، وتبين أن علة ذلك هي عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وخروجهم عن دين الحق، وعدم إتيانهم بالعمل الصالح؛ وقوله: (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) يدل على عدم التزامهم بما حرمه الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) واقترافهم له؛ وهو ما يعني سلب صفة العمل الصالح عنهم. فهؤلاء إما أن ينقادوا لأمر الحكومة الإسلامية أو يُقاتَلوا. وعليه، فلا دلالة في الآية بوجه من الوجوه على مشروعية التعددية الدينية والاعتقادية بالمعنى الذي يريده من يخرج عن نطاق هذه الركائز الأربع.
إشكال
وهنا قد يثار إشكال ومفاده: لِمَ لَمْ يُشر إلى الصابئين في الآية 29 من سورة التوبة؟ فأهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى، والآية تعرضت لقتالهم وجهادهم؛ والتساؤل هو: لِمَ غاب ذكر الصابئين في هذا المقام؟ فإن كانوا خارجين عن حيز الآية 62 من سورة البقرة، فلم لم يُدرجوا ضمن من قُررت مقاتلتهم في الآية 29 من سورة التوبة؟
الإجابة
يمكننا القول إجمالاً إن الصابئين إما أنهم من أهل الكتاب حقيقةً، أو أن شبهة الكتابية قائمة في حقهم؛ ولذلك لم يُصرح بذكرهم في الآية 29 من سورة التوبة؛ وإلا فلا خلاف ولا ريب في خروجهم عن دين الحق الفعلي.
4. مراتب الركائز الأربع
بقي أمر آخر من المطلب الثاني يتعين علينا عرضه؛ وهو مراتب الركائز الأربع وتفاضلها رتبةً. والتساؤل المطروح: هل لبعض هذه الركائز تقدّم رتبي على بعضها الآخر أم لا؟ فهل الإيمان بالمبدأ، والإيمان بالنبؤة، والإيمان بالمعاد، والعمل الصالح، متساوية رتبةً وفي عرض واحد، أم يمكن تصنيفها ودرجها في مراتب مختلفة، كأن يقال بتقدم مرتبة الإيمان على مرتبة العمل الصالح؟ وهل يستقيم هذا التصنيف الصناعي؟
والجواب باختصار وإجمال: إن رتبة العمل الصالح متأخرة رتبةً عن رتبة الإيمان الثلاثي؛ وليس معنى هذا نفي أهميته مطلقاً. ومثاله كمثل المعلول المتأخر رتبةً عن علته؛ فلا يعني هذا تأخر وجود المعلول دون تحقق علته أو العكس؛ بل هما متلازمان خارجاً. فقد يؤمن الإنسان بالمبدأ والمعاد والنبؤة ولكنه لا يأتي بالعمل الصالح؛ فهل يتساوى هذا العبد مع من يفتقر إلى هذه الأصول قاطبة؟ فتارةً نبحث المسألة من زاوية العقوبة والمثوبة، وتارةً أخرى ننظر في قيمة هذه الركائز الأربع وأهميتها في حد ذاتها. فلو كان المرء كافراً ثم أسلم واجتمعت فيه هذه الركائز الثلاثة؛ أي آمن بالمبدأ والنبؤة والمعاد، وتوفاه الله قبل أن يتسع له الوقت للإتيان بالعمل الصالح، لقلنا باتصافه بالإيمان دون العمل الصالح. ومع ذلك، فلأنه أسلم حديثاً ولم تكن هذه العناصر متوفرة فيه سابقاً، فإن إيمانه الفعلي يجب ما قبله ويُمحى به ما سلف؛ لكون القاعدة الذهبية المقررة تشريعاً وهي: «الإسلام يجبّ ما قبله» قد حسمت التكليف في هذا الباب بالتمام؛ وبيّنت سقوط ما فاته من حقوق الله لعدم اتساع الوقت للعمل. وهذا يشهد بوضوح على تقدم رتبة الإيمان على رتبة العمل الصالح، وإن كان الإيمان العاري عن العمل عديم الفائدة مآلاً؛ غير أن تقدمه الرتبي ثابت بهذا الشاهد. ومن الجهة المقابلة، لو فرضنا اتصاف شخص بالعمل الصالح مع خلوه من الإيمانات الثلاثة، لكان هذا الفرض ممتنعاً ومستحيلاً؛ إذ لا يتصور صدور العمل الصالح (بالمعنى الذي نحن بصدده) من غير المؤمن أصلاً.
السؤال: …
الأستاذ: الإيمان أمر قلبي باطني؛ وليس هو عين العمل الصالح، وإن كانا لا ينفكان خارجاً. فهل يسوغ لنا تفكيك العمل الصالح عن الإيمان؟ كلا؛ ولكن هل هما عين واحدة حقيقةً؟ يقيناً هما متغايران ذاتاً؛ لكون أحدهما من مقولة الاعتقاد والآخر من مقولة السلوك والجوارح؛ فأحدهما عمل والآخر باور وعقيدة؛ فهما واديان متباينان. ونحن قد أشرنا إلى وجود الملازمة بينهما خارجاً، وهذا مما لا ريب فيه بالوجدان.
السؤال: …
الأستاذ: تارةً نذهب إلى أن المراد بالعمل الصالح هو الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، مع إخراج الشهادتين عن مسمى العمل الصالح؛ لكون الشهادتين هما المدخل والشرط لحلول العبد في دائرة الإسلام. فبعد النطق بالشهادتين تتوجه إليه التكاليف والأحكام من الواجبات والمحرمات؛ وقبل النطق بهما لا يثبت في حقه حكم تكليفي فعلي بالوجوب والحرمة. فالفرض أنه آمن ونطق بالشهادتين ودخل في حيز الإسلام، وتوجهت إليه القوانين والشرائع الإسلامية ولكنه صُرم أجله قبل أن يتمكن من العمل بها… ودون هذا التخريج، كيف يتسنى لكم دعوى العينية والاتحاد بين الإيمان والعمل الصالح؟… إننا لا نقصد بالعمل الصالح العمل الجوانحي… بل إن العمل الصالح ينصرف اصطلاحاً إلى الأعمال الجوارحية الصادرة من الجوارح؛ غير أن البحث كان يدور حول شموله للتروك والأعدام؛ وقد يتوهم واهم أن “الترك” ليس عملاً وجودياً؛ فبيّنّا أن الترك تصرّف وسلوك فيشمله مسمى العمل والمسلك بالتبع.
بحث الجلسة المقبلة
القسم الثالث من الآية هو قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [البقرة: 62]، وسنتكفل بتبيانه وتوضيحه إن شاء الله تبارك وتعالى في الجلسة المقبلة.