The news is by your side.

الدرس الثالث عشر، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الخامس

الدرس الثالث عشر
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الخامس: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ…» – المطلب السادس – المطلب السابع

19 جمادى الأولى 1447 هـ

المطلب السادس

استعرضنا حتى الآن خمسة مطالب تتعلق بالآية 61؛ وبقي لدينا مطلبان آخران يرتبطان بذيل الآية الكريمة، لكي ننهي الكلام عنها بمشيئة الله تعالى وننتقل بعدها إلى الآية 62. يدور المطلب السادس حول مسألة استمرار قتل الأنبياء؛ فقد ورد في الآية الكريمة قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ)؛ ودخول الفعل الناقص (كَانُوا) على المضارع (يَكْفُرُونَ) يفيد بحسب القواعد النحوية استمرار كفرهم وثباته. وبما أن قوله (وَيَقْتُلُونَ) معطوف على (يَكْفُرُونَ)، فإن فعل الاستمرار (كَانُوا) ينسحب عليه أيضاً، فكأنه قال: وكانوا يقتلون النبيين بغير الحق. وهنا يبروز تساؤل علمي: إذا كان لاستمرار الكفر معنى واضح لكونه أمراً اعتقادياً مستقراً في نفوسهم وملازماً لهم، فكيف يمكن تصوير الاستمرار في قتل الأنبياء وسفك دمائهم؟ وهل كان قتل الأنبياء يمثل سنة وطريقة مطردة لدى بني إسرائيل، أم أنه كان مجرد حادثة أو حادثتين وقعتا نادراً؟ بالنظر إلى شدة العقوبات والأوصاف القاسية التي سجلها القرآن الكريم بحق بني إسرائيل، فإن ظاهر الآية يفيد بأنهم اتصفوا باستمرار قتل الأنبياء كمنهج دائم، حتى كأن اقترافهم لهذه الجريمة قد تحول إلى سنة متبعة ورذيلة مستقرة؛ وهو ما تؤيده شواهد قرآنية متعددة. ولم يكن هذا الفعل الشنيع مقصوراً على معاصري موسى (عليه السلام)، بل امتد وتواصل في أعقابهم من بعده حتى بلغ عهد الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم). ويريد الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية تنبيه الأمة وتحذيرها من أن يهود عصر البعثة النبوية الشريفة لو تيسرت لهم السبل والقدرة لبادروا إلى قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذ إن هذا السلوك الإجرامي يسري في جينات عقبيتهم وسلفهم، فكأن القتل وسفك الدماء وتصفية القادة العظام والربانيين يمثل سنة موروثة لدى هذه الجماعة. ومن هنا، يبرهن النص على أن هذا الاستمرار العملي في القتل بضميمة الكفر الاعتقادي المستمر قد استوجب هذا العذاب الشديد والعقاب الأليم. وفي هذا السياق، يقول الله تبارك وتعالى في الآية 91 من سورة البقرة: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)؛ حيث يسبق هذا التساؤل قوله تعالى في شأنهم إنهم إذا دُعوا للإيمان بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه؛ فيأتي الرد الإلهي مفحماً لهم بأنهم لو كانوا صادقين في دعوى الإيمان بما أنزل إليهم، فما بالهم كانوا يقتلون أنبياء الله؟ وهذا التوبيخ يكشف عن تحول قتل الأنبياء لديهم إلى ملكة وسجية مألوفة وعادة مطردة. وكأن الله تبارك وتعالى يأمر نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بإنزال هذا التساؤل التوبيخي على يهود عصره المعاصرين له في قوله تعالى: (قُل * فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ)؛ ومما لا ريب فيه أن يهود عصر البعثة لم يباشروا قتل الأنبياء السابقين بأنفسهم، ولكن توجيه الخطاب إليهم جاء تحذيراً وتبييناً لكونهم راضين بصنيع آبائهم، وأنهم لو ملكوا القدرة والسلطان لارتكبوا الجريمة ذاتها مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ وليس هذا من قبيل القصاص قبل الجناية كما يقال في العرف العام، بل هو كشف عن حقيقة طينتهم وعنادهم وجحودهم القائم على معرفة وعلم، ولذا استحقوا المؤاخذة والتقريع. وإذا ما انضم الكفر الاعتقادي المستمر إلى الكفر العملي المتمثل في قتل الأنبياء وسفك دمائهم، تكتمل أركان العداء المطلق للباري عز وجل؛ فكفر الاعتقاد يرجع إلى الباطن والضمير ولا مظهر عملياً مباشراً له كإنكار الخالق أو تشريك غيره معه، غير أن ضمه إلى الجريمة العملية الكبرى المتمثلة في قتل الأنبياء -وهي أقصى تجليات الكفر العملي- يعكس بلوغهم حد الغاية في المروق والتمرد. ومتى ما اجتمع الكفر الاعتقادي والعملي المستمران، يتضح لنا جلياً وبما لا يدع مجالاً للشك أن كل ما أنزله الله بهم من صنوف العذاب والمسكنة والذلة كان عدلاً وفي موضعه المستحق، بل إنهم لجديرون بما هو أشد من ذلك عاقبةً ومآلاً.

المطلب السابع

المطلب السابع والأخير يتعلق بكيفية وقوع قتل الأنبياء؛ فبموجب رواية شريفة مروية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، لم يكن قتل الأنبياء منحصراً دائماً بالمباشرة الحسية بالسيف وسفك الدماء، بل كان يقع تارة بالتسبيب والوساطة غير المباشرة. والواقع أن هذا المضمون الشريف يساعد على تفهم كيفية استمرارهم على قتل الأنبياء وتحوله إلى ملكة وسجية ثابتة؛ إذ قد يصعب على الذهن تصور إقدامهم المستمر على القتل المباشر وسفك الدماء الحسي للأنبياء على نحو الدوام. ومن هنا، يذلل المطلب السابع هذا الإشكال العقلي ويوضحه؛ فقد ورد في الرواية التي نقلها المولى الفيض الكاشاني في “تفسير الصافي”، أن الإمام الصادق (عليه السلام) تلا الآية 61 من سورة البقرة ثم قال: «وَ اللَّهِ مَا ضَرَبُوهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ لَا قَتَلُوهُمْ بِأَسْيَافِهِمْ وَ لَكِنْ سَمِعُوا أَحَادِيثَهُمْ فَأَذَاعُوهَا فَأُخِذُوا عَلَيْهَا فَقُتِلُوا فَصَارَ ذَلِكَ قَتْلًا وَ اعْتِدَاءً وَ مَعْصِيَةً».

يدل هذا النص الشريف على أن بني إسرائيل لم يباشروا ضرب الأنبياء بأيديهم ولا تصفيتهم بسيوفهم في كثير من الأحيان، بل كانوا يستمعون إلى أحاديثهم وأسرار دعوتهم فيفشونها ويذيعونها للأعداء والملوك الجبابرة، فيعمد هؤلاء السلاطين إلى ملاحقة الأنبياء وتصفيتهم بناءً على تلك المعلومات المسرّبة. ومن ثم، فإن اعتداءهم ومعصيتهم المتمثلين في إفشاء الأسرار وعدم كتمان ما يجب كتمانه قد أديا إلى قتل الأنبياء سبباً وتسبباً؛ فكان الاعتداء تعبيراً عن التجاوز والعداء، وكانت المعصية متمثلة في إذاعة تلك الأسرار وتقديم الدعم الاستخباراتي لأعداء الأنبياء والرسل.

ولأجل هذا المعنى، يتضح لنا الوجه المذكور في المطلب السابق تماماً؛ فرغم أنهم باشروا قتل طائفة من الأنبياء بأيديهم وسيوفهم -كما حكى القرآن الكريم عن لسان هارون أخي موسى في قوله تعالى: (وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي) [الأعراف: 150]- إلا أن ما وُصف بكونه ملكة راسخة وعملاً مستمراً وسنة جارية لديهم هو ذلك الدعم الاستخباراتي وإفشاء الأسرار وتناقل أحاديث الأنبياء لتقديمها للظلمة والجبابرة. فالأنبياء (عليهم السلام) كانوا يدعون إلى التوحيد والتحرر من ربقة الطواغيت والعبودية لغير الله تبارك وتعالى، وهي دعوة كان يقتضي الظرف كتمانها وعدم إذاعتها في بيئات معينة، غير أن بني إسرائيل كانوا يبادرون إلى نشرها وإفشائها مما يمهد لتصفية الأنبياء على أيدي السلاطين، فكان الدم المسفوك يجري بأيدي الملوك ولكن السبب الفعلي فيه هم بنو إسرائيل. فالقتل تارة يقع بالمباشرة وتارة بالتسبيب والوساطة، وكلا الوجهين كانا ديدناً مألوفاً لديهم.

وقد ذكر المفسرون وجوهاً أخرى هاهنا؛ منها تساؤل يدور حول مجيء تعبير (بِغَيْرِ حَقٍّ) منكراً في بعض المواضع، ومجيئه معرفاً بلام الجنس (بِغَيْرِ الْحَقِّ) في مواضع أخرى. ويمكن مراجعة هذه التفاصيل في مطولات الكتب التفسيرية؛ حيث ورد في الآية 61 من سورة البقرة: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، بينما جاء في الآية 21 من سورة آل عمران: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ). كما ورد في موضع آخر من سورة البقرة نفسها قوله تعالى: (وَ يَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُون‏). وقد سُجلت عدة وجوه لتوجيه هذا الاختلاف اللفظي، غير أنها لا تكتسب أهمية بالغة في سياق بحثنا الراهن، ويمكن لمن رغب في الوقوف عليها مراجعة مظانها من كتب التفسير واللغة.

بحث الجلسة المقبلة

لقد تم الكلام والبحث بحمد الله تعالى حول الآية 61؛ وسنشرع في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في تفسير الآية 62