The news is by your side.

الدرس الحادي عشر، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الخامس

الدرس الحادي عشر
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الخامس: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ…» – المطلب الأول: المشار إليه بـ «ذَلِكَ» الثانية – الاحتمالات الأربعة – الرأي المختار

5 جمادى الأولى 1447 هـ

القسم الخامس: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ…)

انطلق البحث في المقطع الخامس من الآية 61؛ وقد تلونا هذا القسم في الجلسة السابقة: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [البقرة: 61]. ويعدّ هذا المقطع الخامس في واقع الأمر تعليلاً للعذابين الدنيوي والأخروي اللذين جرى ذكرهما في الفقرة السابقة: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)؛ وكما أسلفنا القول، فإن ضرب الذلة والمسكنة والغضب الإلهي يشير إجمالاً إلى العذاب الدنيوي والأخروي. ومن هنا، يبدأ السياق القرآني في تبيين علة العذاب الدنيوي والأخروي ووجهه؛ وهذا حد ذاته يبرهن على أن ضرب الذلة والمسكنة وكذا غضب الله تبارك وتعالى لم يكن مجرد عقوبة على طلبهم الأطعمة الجديدة فحسب. فبناءً على صدر الآية، قالوا لموسى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)؛ وأولاً: ثمة خلاف في كون هذا الطلب معصية أم لا، وقد رجحنا أنه معصية؛ وعلى أية حال، فإن النبرة والأسلوب اللذين صيغ بهما الطلب يشتملان على إشكال، ولكن مع ذلك كله، لا يوجب أي من هذه الأمور بمجرده الخفة والمهانة والذلة والغضب الإلهي. لهذا السبب، شرع النص هاهنا في بيان العلة الحقيقية للعذاب الدنيوي والأخروي؛ كأن سلوكهم هذا لم يكن إلا تجلياً لطبائعهم المتأصلة وخصلتهم القديمة وأحقادهم الدفينة وجحودهم وعنادهم المستمر. وعليه، فإن العلة التي أفضت إلى هذا العذاب الدنيوي والأخروي -والتي بدت مسألة طلب الطعام كأنها مصداق لها- تتمثل أولاً في قوله: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)، وثانياً في قوله: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ). ثم تكررت كلمة الإشارة (ذَلِكَ) مرة أخرى في قوله: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). وهنا يتعين علينا تتبع عدة مسائل ليتضح تفسير الآية بدقة تفصيلية: أولها، إلى أي شيء تشير كلمة (ذَلِكَ) الثانية، وما وجه تكرارها؟ وهل يختلف معنى (ذَلِكَ) الواردة في مطلع الآية عن تلك الواردة في وسطها؟ وثانيها، هل الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق يمثلان حقيقة واحدة أم حقيقتين متغايرتين؟ بمعنى: هل قتل الأنبياء مغاير للكفر، والكفر مغاير للقتل؟ وثالثها، في قوله تعالى: (بِغَيْرِ الْحَقِّ)، هل يتصور وجود قتل للأنبياء بحق؟ فقد يتبادر إلى الذهن بدواً أن هناك فرضاً آخر وهو (يقتلون النبيين بحق)؛ فهل هذا هو المعنى المراد، أم أن قيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) غير متعلق بـ (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ)؟ ورابعها، هل تختلف مسألة العصيان والاعتداء عن الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق أم لا؟ فهذه هي الأسئلة المنهجية التي يتعين الإجابة عنها في سياق تفسير المقطع الخامس من الآية الكريمة.

المطلب الأول: المشار إليه بـ «ذَلِكَ» الثانية

ثمة احتمالات متعددة يمكن طرحها في تبيين المشار إليه بـ (ذَلِكَ) الثانية؛ علماً بأن (ذَلِكَ) الأولى تشير بلا ريب إلى تلك الذلة والمسكنة والغضب الإلهي؛ بمعنى أن وقوعهم في ربقة الخفة والمهانة واستحقاقهم للغضب الإلهي إنما كان بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء. وعلى هذا، تكون (ذَلِكَ) الأولى إشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب.

الاحتمال الأول

لا يمكن لـ (ذَلِكَ) الثانية أن تعود بخصوصها إلى ضرب الذلة والمسكنة أو قتل الأنبياء؛ بل هي مسوقة لبيان أن علة كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق إنما تكمن في عصيانهم واعتدائهم. أي إن جذور الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء ومنشأهما هو العصيان والاعتداء. وبناءً على هذا الاحتمال، يكون المشار إليه بـ (ذَلِكَ) الثانية هو الكفر وقتل الأنبياء؛ أي إن قوله تعالى: (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) إنما نشأ وتولد من كونهم ذوي عصيان واعتداء.

الاحتمال الثاني

الاحتمال الثاني يقرر أن هذا الموضع يمثل في واقع الأمر ذكر علة عامة بعد علة خاصة. فبموجب الفرض الأول، تعود (ذَلِكَ) الأولى إلى ضرب الذلة والمسكنة، وعلة ذلك هي (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ). وعندئذٍ، تأتي (ذَلِكَ) الثانية لتبين أن وقوعهم في الكفر وقتل الأنبياء، وصيرورتهم مورداً للغضب الإلهي والذلة والمهانة، إنما يرجع إلى أنهم (عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ)، فالعصيان والكفر هما العامل الأساس. وتوضيح ذلك أن لهذا العصيان والاعتداء مصاديق ونماذج، ومن أبرز مصاديقهما الحقيقية هذا الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق؛ ومن ثم يجري هذا المجرى مجرى ذكر العلة العامة عقيب العلة الخاصة.

الاحتمال الثالث

والاحتمال الثالث يذهب إلى أن (ذَلِكَ) الثانية هي علة لخصوص قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، دون أن تشمل الأمرين معاً. فكأن الله تبارك وتعالى يذكر قتلهم للأنبياء بغير حق، ثم يعقب بـ (ذَلِكَ) ليفيد بأن قتل الأنبياء بغير حق إنما نشأ من عصيانهم واعتدائهم وتجرئهم على الله تبارك وتعالى.

الاحتمال الرابع

وثمة احتمال آخر يقرر أن الإشارة تتجه إلى بيان أن الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء هما عين العصيان والاعتداء؛ بمعنى أن السياق يريد إيضاح أن هذين السلوكين القبيحين المستمرين من بني إسرائيل -المتمثلين في الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير حق- قد صدرا عن قصد وعمد ومعرفة تامة بقبح هذين الفعلين. وبتعبير آخر: إن من يتصف بالعصيان ويناصب العداء بوعي وبصيرة، يسهل عليه قتل الأنبياء والكفر بآيات الله دون مبالاة. وعليه، فإن (ذَلِكَ) تشير هاهنا إلى قيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ).

فالنتيجة أن هناك أربعة احتمالات متصورة في المراد بـ (ذَلِكَ) الثانية؛ ولا ريب في أن بعض المفسرين قد رجحوا بعض هذه الوجوه على بعضها الآخر، ولعل لبعضها رجحاناً موضوعياً يمكننا المصير إليه بموجب الموازنة العلمية.

الرأي المختار

إن المتفهم والمستفاد من ظاهر هذه الفقرة الشريفة من الآية الكريمة، هو أن (ذَلِكَ) الأولى تشير إلى ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب الإلهي، مع بيان علة ذلك المتمثلة في كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء؛ إذ كان ديدنهم وسجيتهم قتل الأنبياء. وقد ورد في بعض المصادر التاريخية والتفسيرية أن بني إسرائيل قتلوا عدداً كبيراً من الأنبياء، حتى تحدثت الروايات عن الآلاف؛ ومن ذلك أنهم قتلوا في ليلة واحدة قرابة سبعين نبياً. وبناءً عليه، فإن علة مهانتهم وضرب الذلة عليهم واستحقاقهم للغضب الإلهي هي اقترافهم الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء، مع التفاتهم وعمدهم وقصدهم الواعي لذلك. ومن هنا، فإن (ذَلِكَ) الثانية تشير في واقع الأمر إلى الكفر والقتل معاً، وإلى كون صدورهما قد تم عن علم وقصد وعمد. بل قد يقع الكفر أو قتل نبي الله خطأً أو شبهة من فاعله؛ كأن يظن في معتقده أنه يفعل صواباً، غير أن بني إسرائيل كانوا على مرتبة أشد وأعظم؛ إذ كانوا يعلمون يقيناً ببطلان صنيعهم وقبح أفعالهم في معتقدهم وأنها غير جائزة، مما يكشف عن منتهى حقدهم ونصبهم وعدائهم. لقد كان بنو إسرائيل قوماً يقترفون هذه الموبقات عن علم وتصميم ومعرفة تامة بقبحها؛ والإنسان الجاهل لا يناصب العداء الواعي، فلا يصدق في حقه وصف الاعتداء المذكور. وعليه، يبدو لنا من بين هذه الاحتمالات أن هذا الاحتمال هو الأقوى والأرجح صناعةً وتفسیراً.