الدرس الرابع، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الأول
الدرس الرابع
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الأول – النظرية الثانية – الوجه الأول ومناقشته – الوجه الثاني ومناقشته – الوجه الثالث ومناقشته – الرأي المختار
7 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
ذكرنا في الجلسة السابقة أن هناك وجهتي نظر بشأن ما إذا كان طلب بني إسرائيل الحصول على أطعمة إضافية وتنوع في الطعام وإعلانهم عدم الصبر على طعام واحد يعد أمراً عقلائياً متعارفاً أم معصية. وكانت وجهة النظر الأولى تذهب إلى أن هذا الطلب ليس معصية؛ واستعرضنا الشواهد والتبريرات المطروحة لهذا الطلب. بل إن الفخر الرازي، في معرض دفاعه عن هذا الاحتمال وتقويته، أجاب عن الشبهة القائلة بأنه إذا لم يكن هذا معصية، فلماذا قال الله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)؟ حيث ذكر أن هذا العقاب يعود إلى ما ذكر بعد هذه الفقرة، وهو الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء بغير الحق، وليس بسبب هذا الطلب.
القول الثاني
يذهب القول الثاني إلى أن هذا الصنيع كان معصية؛ وقد استُدل على هذا المدعى بعدة أدلة وشواهد.
الوجه الأول
الوجه الأول هو أن قوله تعالى: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) ظاهر في كراهتهم وعدم رضاهم بالمن والسلوى؛ إذ كان الطعام الواحد هو المن والسلوى. وحرف “لن” يفيد النفي التأبيدي، وإعلانهم عدم الصبر على هذا الطعام يعد في حد ذاته معصية؛ فإظهار عدم الصبر أمام الموائد الإلهية والسماوية والنعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم يمثل معصية واضحة.
الإجابة
أجاب الفخر الرازي عن هذا الوجه بأن العبارة لا تدل على الكراهة والرفض؛ فهي لا تعني أن بني إسرائيل لم يكونوا راضين بالمن والسلوى، بل غاية ما تدل عليه هو رغبتهم وتوقهم إلى أطعمة أخرى أيضاً. وهناك فرق بين أن يظهر الإنسان كراهته لشيء ما، وبين أن يظهر كراهته لانحصار طعامه في ذلك الشيء وحده؛ فهم قد أظهروا الكراهة لانحصار طعامهم في هذا الصنف الواحد لا في أصل الصنف نفسه. وبناءً على ذلك، لا يعد هذا الصنيع معصية؛ بل هم عبروا فحسب عن شهوتهم ورغبتهم في طعام آخر، فأي معصية في هذا؟
الوجه الثاني
الوجه الثاني يكمن في أنه بعد طلبهم المتمثل في قولهم: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ)، خاطبهم موسى (عليه السلام) بقوله: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)، وهذا الاستفهام إنكاري؛ والاستفهام الإنكاري يدل على كونه معصية. لقد تقدموا بطلب فقال لهم موسى: أتستبدلون الذي هو خير بالذي هو أدنى؟ وهذا يشبه ما يقال في مقام التوبيخ لشخص ما: أهذا هو الصنيع الذي تصنعه؟! فتبديل الأعلى بالأدنى، أو العالي بالداني، وتبديل الشيء الطيب بما هو دونه، يدل على ارتكابهم معصية، وإلا لما كان للاستفهام الإنكاري من النبي موسى (عليه السلام) أي وجه؛ فهو هنا يوبخهم ويقرعهم على هذا الصنيع.
الإجابة
وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا الوجه أيضاً بأن الاستفهام الإنكاري لا يلازم المعصية بالضرورة؛ أي ليس بالضرورة أن يكون استفهام موسى (عليه السلام) ناشئاً عن ارتكابهم لمعصية، بل لعله كان لإضاعتهم ما هو أنفع لهم في دنياهم وأعظم أجراً في أخراهم. وهذا يشبه أن يقال لطالب العلوم الدينية توبيخاً: ألا تصلي صلاة الليل؟! فهذا استفهام إنكاري، لكنه لا يعني أن الطالب قد ارتكب معصية بتركها، بل يعني أنه فوت على نفسه ما هو أنفع لحاله في الدنيا والآخرة. إذن، فصيغة الاستفهام الإنكاري لا تنهض دليلاً على معصية الطرف المقابل.
الوجه الثالث
الوجه الثالث هو قوله تعالى على لسان موسى (عليه السلام): (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّ؟ذِي هُوَ خَيْرٌ)؛ فهل تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ وهذا يدل على أن طلبهم كان يتعلق بما هو أدنى؛ أي كأن “الأدنى” عنوان ينطبق على تلك الأطعمة الأرضية، بينما ينطبق “الخير” على ذلك الطعام الواحد. فيقول لهم: إنكم تستبدلون الأدنى بالأعلى، وتستبدلون الخير بما هو دون؛ واستبدال الإنسان الخير بالأدنى يعد معصية.
الإجابة
وأجيب عن هذا الوجه أيضاً بأنه لا يعد معصية؛ لأن وصفي “الخير” و”الأدنى” قد يستعملان أحياناً في موردين يتصف كلاهما بالخيرية، بيد أن أحدهما أقل خيراً والآخر أكثر. فلو قارنت بين عملين مثلاً، فقد يكون كلاهما حسناً، لكن أحدهما أحسن والآخر حسن؛ فإذا استبدل شخص الحسن بالأحسن، فإنه وإن كان يفوت على نفسه مصلحة ومنفعة أرفع، إلا أنه لم يرتكب حراماً ولا إثماً. والغاية هنا أنهم طلبوا جعل ما هو أقل خيراً مكان ما هو أرفع خيراً، فلا يعد ذلك معصية. وبالمحصلة، فإن الإجابات التي قدمها الفخر الرازي على هذه الأدلة الثلاثة تعزز وجهة النظر الأولى القائلة بأن طلب بني إسرائيل لم يكن معصية، ولذلك استجاب الله تعالى لطلبهم؛ واستجابة الطلب لا تكون لمعصية.
الرأي المختار
لقد لاحظتم وجهتي النظر هاتين؛ والردود التي قدمها صاحب “التفسير الكبير” على هذه الأدلة الثلاثة يمكن مناقشة بعضها والخدش فيه. ولكن يبدو في المجموع أن الحق مع وجهة النظر الثانية لا الأولى؛ أي إن هذا الطلب من بني إسرائيل كان معصية في واقع الأمر.
والشاهد والدليل على هذا المدعى يكمن أولاً في أسلوب بيان بني إسرائيل وطريقة كلامهم، والتي ذكر القرآن الكريم نظائر لها. فقد بينا سابقاً أن بني إسرائيل قالوا لموسى في موطن آخر: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)؛ ومن الواضح أن هذا الطلب كان ناشئاً عن عناد ولجاج؛ وإلا فقد رأوا قبل ذلك معجزات باهرة من موسى (عليه السلام) ولمسوا الإمداد الإلهي بكل وجودهم؛ ومع ذلك كله أخذوا يتعللون ويظهرون اللجاج قائلين: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. ولا ريب أن ذلك الطلب كان قبيحاً وغير لائق، أي إنه كان فعلاً محرماً. وهنا أيضاً، وعلى غرار تلك الآية، يقول سبحانه: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ)؛ فحرف “لن” يدل على النفي المؤبد، حيث يقولون: لن نصبر بعد الآن أبداً على طعام واحد، فاذهب وادع لنا ربك يخرج لنا هذه الأطعمة. ويتضح من هذا أنهم استعملوا ذات اللسان والأسلوب؛ فاللسان هو لسان التعلل والاعتراض، وعليه فلا يمكن إلا أن يكون معصية؛ إذ كان أصل تقاضيهم وطلبهم منطوياً على خلل وإشكال.
وأما ما ذكره الفخر الرازي من أنهم طلبوا فحسب ضم أطعمة أخرى إلى هذا الطعام، فهو محل إشكال؛ لأن موسى (عليه السلام) خاطبهم بقوله: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ). وكما سنوضح تفصيلاً لاحقاً، فإن “الاستبدال” يعني التعويض، أي وضع شيء مكان شيء آخر. ولم يكن هذا الطلب معصية لو أنهم طلبوا -مثلاً- تتميم ذلك الطعام وإكماله بأطعمة أخرى ليتسع نطاقه؛ أي أن يبقى ذلك الطعام وتضاف إليه هذه الأطعمة. ولكن عندما يعبر بالاستبدال، فهذا يعني: أننا لا نريد هذه الأطعمة أصلاً، بل أعطنا تلك الأطعمة الأرضية فحسب. إن هذا الأسلوب في البيان وطلب الاستبدال المشار إليه في كلام موسى (عليه السلام) يحكي عن قبح طلبهم وفعالهم. وبناءً على هذا، لم يكن هذا الطلب مرتكزاً على غرض عقلائي قابل للدفاع، بل كان تعللاً وطلباً للذرائع، وقد لاحظتم الشواهد الدالة على ذلك.
السؤال: …
الأستاذ: إن هذا السؤال الموجه من موسى (عليه السلام) عما إذا كانوا يستبدلون هذا بذاك، وقوله تالياً في سياق الجزاء: (اهْبِطُوا مِصْرًا)؛ يحكي عن أنهم كانوا بصدد الاستبدال والتعويض، لا بصدد إكمال سلسلة نظامهم الغذائي وتتميمها. وما تتفضلون به لا يلتئم في الواقع مع هذا البيان الصادر عن موسى (عليه السلام)، ومن هنا يتضح أن قولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) لم يكن مجرد طلب للتنوع وإضافة طعام آخر، بل كانوا يطلبون في الحقيقة الاستغناء عن ذلك الطعام ورفضه بالكلية. … وذكرنا أن هذا يجري مجرى قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)، وهو عقوبة وجزاء؛ أي إنه يقول لهم: ما دمتم تريدون هذا الصنيع فاذهبوا ونالوه. ولدينا نظائر متعددة في القرآن الكريم لهذا المعنى، كإسناد الإضلال من الله تعالى للكافرين؛ فهل فعل الله هو الإضلال الابتدائي؟ كلا، بل ذكر المفسرون أن المراد بهذا الإضلال هو العقوبة والجزاء. وكل هذه الموارد التي تنسب إلى الله تعالى بنحو من الأنحاء -كالظلم والضلال والاضلال- إنما هي عقوبات وجزاءات إلهية. … وإذا كان طلبهم قد استجيب هنا، فليس ذلك لعدم كونه معصية، بل إن نبي الله يوصلهم إلى جزائهم وعقوبتهم بما يتناسب مع طلبهم المستجاب. … ويمكن أن يكون الأمر كذلك أيضاً؛ ففي نهاية المطاف، من يطلب شيئاً ويلح فيه ويسعى وراءه عناداً ولجاجاً، يقول الله له: قد أُعطيت ما طلبت، ولكن عليك تحمل تبعاته وآثاره. أي إن الاستجابة في حد ذاتها تعد نوعاً من العقوبة والجزاء.
وفي النتيجة والمجموع، يبدو أن كلام الفخر الرازي غير مقبول، وأن هذا الطلب كان معصية في حقيقته، وقد بينا الشواهد الدالة على ذلك.