الدرس الحادي والخمسون، المسألة 10، تنقيح موضوع البحث
الدرس الحادي والخمسون
المسألة 10 – تنقيح موضوع البحث – الأقوال – القول الأول: عدم الولاية مطلقاً – القول الثاني: الولاية مطلقاً – القول الثالث: التفصيل – 1. التفصيل الأول – 2. التفصيل الثاني
12 شعبان 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق: كان البحث في المسألة العاشرة يدور حول ما إذا كان الوصي -أي مَن نُصب قيّماً من قِبل الأب أو الجد- تثبت له الولاية على نكاح الصغير والصغيرة أم لا؟ وهل يجوز له تزويج الصغير والصغيرة من غيرهما أم لا؟ وقد طرحنا عدة نقاط حول عبارة المرحوم السيد في “العروة” والفروق بينها وبين عبارة “التحرير”، كما قرأنا التعليقات المدوّنة على عبارة العروة.
تنقيح موضوع البحث
على أي حال، إن موضوع البحث يكمن في المورد الذي ينصب فيه الولي (سواء كان الأب أو الجد) شخصاً بعنوان الوصي؛ فهل يحق له تزويج الصغير أو الصغيرة من غيرهما أم لا؟ ويُتصور الوصي على أنحاء عدة؛ وبعبارة أخرى، إن أنواع الوصي والوصاية مختلفة. ويمكننا أن نصوّر هنا أربعة أقسام أو أربعة أنواع للوصاية.
القسم الأول: قسم من الوصاية يتمثل في نصب الوصي للأمور المالية فحسب؛ بمعنى أن نطاق وصايته قد حُدد بوضوح، وقيل له منذ البداية: أنت وصي في الأمور المالية، ويحق لك التصرف في هذه الموارد.
القسم الثاني: أن يُوصى إليه بنحو مطلق؛ بمعنى أنه لم يأتِ أي ذكر للأمور المالية في البين، بل قيل له على نحو كلي ومطلق: أنت وصي.
القسم الثالث: أن يُنصب وصياً في الأمور المربوطة بالنكاح.
القسم الرابع: أن تقع الوصية في أمور مشخصة غير مالية. وإذا أخذنا هذا بالحسبان، أمكننا تصوير أربعة أقسام وأربعة أنواع للوصية بالنسبة للموصي.
إذن، يتمثل قسم من الوصية في إيصائه بأمر خاص كإقامة الصلاة أو أداء الحج، وهو ما لا يمت بصلة لمسألة التزويج بأي وجه من الوجوه.
القسم الثاني هو الوصية المتعلقة بالأمور المالية؛ فالأمور المالية ليست كأداء الحج أو إقامة الصلاة؛ إذ يمكن أن ترتبط من جهة ما بالنكاح والتزويج، ولكن في الوقت ذاته لم تُطرح مسألة التزويج فيها، إلا أنه وباعتبار أن النكاح والتزويج يمتزجان أيضاً بالمسائل المالية، يمكن أن تتشكل رابطة بينهما.
القسم الثالث هو أن ينصبه وصياً لنفسه بنحو مطلق، أو أن يوصي إليه بمعظم أموره على سبيل المثال؛ غير أنه لم يأتِ على ذكر النكاح، بل أوكل إليه الأمور بنحو كلي أو أسند إليه معظمها.
القسم الرابع أن يوصي بخصوص النكاح؛ فيقول: إنني قلق، وأوصي إليك بأمر تزويج ولدي.
هذه الأقسام الأربعة من أقسام الوصية أو صورها هي ما يمكننا تصويره للوصية من حيث التعرض لمسألة النكاح أو عدم التعرض لها.
وتختلف آراء الفقهاء وعبارات الكتب الفقهية حول ثبوت الولاية للوصي على نكاح الصغير والصغيرة من عدمه بالنظر إلى هذه الأقسام؛ بمعنى أنه ليس من الواضح تماماً أي قسم من هذه الأقسام كان منظوراً لهم حينما قبلوا بولاية الوصي أو رفضوها. وقبل أن نشرع في ذكر أقوال الفقهاء من حيث قبول بعضهم لولاية الوصي، ورفض بعضهم الآخر لها، أو ذهاب فريق إلى التفصيل، سنتعرض لبيان نفس تلك الصور التي وقعت في معرض النفي والإثبات؛ إذ إن هذا الأمر يشكل بحد ذاته محل بحث: أي صورة قد قبلوها، وأي صورة قد نفوا فيها ولاية الوصي في أمر النكاح؟ هذا نفسه محل بحث؛ وإن كانت ثمة موارد خارجة عن محل البحث بطبيعة الحال.
فلو أُوصي إلى الوصي في أمور كالصلاة والصوم والحج فحسب، مما لا يمت لأمر النكاح بصلة، فالمتفق عليه تقريباً أن الوصاية لا تشمل مسألة النكاح والتزويج؛ وهذا ما يقبله الجميع تقريباً. وذلك لانتفاء أي ارتباط لموضوع الوصاية نفسه، لا بالمباشرة ولا بالتسبيب، ومن هنا يمتنع علينا استفادة ثبوت الولاية في التزويج. إذن، القسم الأول خارج عن محل البحث والنزاع بمعنى من المعاني.
وثمة قسم آخر يبدو حكمه واضحاً في نظر البعض؛ فما هو معنى قول المرحوم السيد: «لكن بشرط نص الموصي عليه»؟ إن هذه العبارة تشير إلى مطلب مهم؛ وهو أنه لو صرّح الموصي أو كان كلامه ظاهراً في ثبوت الولاية للوصي على تزويج الصغير والصغيرة، تثبت ولايته. أما إن لم يكن الأمر كذلك، فلا تثبت ولايته. وهذا يدل على أنه حتى وفقاً لرأي البعض، لو صرّح الموصي أو كان كلامه ظاهراً في هذا المطلب، فإن الولاية غير ثابتة أيضاً. وبناءً على ذلك، لا يسعنا القول بأن هذا القسم يمثل محل وفاق على ثبوت الولاية للوصي؛ أي حتى في المورد الذي يصرّح فيه بالولاية في أمر النكاح، ليس الأمر بحيث يقبل الجميع بثبوت الوصاية. وحينما نعرض الأقوال، سيتضح أن بعضهم قد نفى ولاية الوصي على نحو مطلق، سواء صرّح بذلك أم لم يصرّح.
فلتدققوا إذن في أن موضوع البحث والنزاع حول ثبوت ولاية الوصي على تزويج الصغير من عدمه، يشمل بمعنى من المعاني جميع صور الوصاية؛ سواء في المورد الذي نُص فيه على ذلك أم لا، وسواء أطلق الوصاية أم قصرها على الأمور المالية فحسب، فكل ذلك يقع محلاً للبحث. ومن ثم، فإن جميع أقسام وأنواع الوصاية أو أغلبها تدخل تقريباً في نطاق النزاع؛ ويتمحور النزاع حول ما إذا كان مَن نُصب قيّماً من قِبل الولي على الصغير والصغيرة، تثبت له الولاية في أمر النكاح والزواج أيضاً أم لا؟ وتتعدد الأقوال هنا؛ حيث يمكننا ذكر ثلاثة أقوال على الأقل.
الأقوال
القول الأول: عدم الولاية مطلقاً
القول الأول هو القول بعدم الولاية مطلقاً؛ بمعنى أن مثل هذه الوصية غير نافذة. فلو نصب الولي شخصاً قيّماً ليكون له الاختيار والولاية في أمر النكاح، فإن هذه الوصية غير مقبولة مطلقاً. والذين ذهبوا إلى عدم ولاية الوصي على التزويج هم جمع من الفقهاء؛ منهم الشيخ الطوسي في “المبسوط”، والمحقق الحلي في “الشرائع”، والعلامة في أغلب كتبه كـ “القواعد” و”التحرير” و”التبصرة”، حيث التزم بهذا القول في ستة أو سبعة من كتبه. وكذلك الشهيد الأول في “اللمعة”، وصاحب “كشف اللثام”، والمرحوم النراقي في “المستند”؛ فهؤلاء هم القائلون بعدم الولاية مطلقاً. وسيتضح معنى الإطلاق أيضاً من خلال التفصيل الذي طرحه البعض.
القول الثاني: الولاية مطلقاً
القول الثاني هو القول بثبوت هذه الولاية؛ أي إنهم قائلون بثبوت ولاية الوصي في أمر النكاح مطلقاً، وهو يقف على طرف النقيض تماماً من القول الأول. ومنهم الشيخ الطوسي في كتاب “الخلاف” (وللشيخ الطوسي رأي في “المبسوط” ورأي آخر في “الخلاف”)، والعلامة في كتاب “المختلف” (وقد كان قائلاً بعدم الولاية في أغلب كتبه)، والشهيد الأول في “غاية المراد”، والمحقق الكركي في “جامع المقاصد”، والشهيد الثاني في “شرح اللمعة” و”المسالك”. وكذلك صاحب “المدارك” في “نهاية المرام”، والمحدث البحراني في “الحدائق”، وصاحب “الجواهر”. وقد ذهب جمع غفير أيضاً للقول بالولاية.
القول الثالث: التفصيل
وذهب فريق ثالث إلى التفصيل في المسألة. وقد نُقل التفصيل على صور عدة.
التفصيل المذكور في بعض العبارات هو التفصيل بين صورة ما لو قال الموصي (سواء بالتصريح أو بالظهور) ودلّ كلامه على ثبوت الولاية للوصي في أمر النكاح. ومن ذلك ما نقله المرحوم النراقي في “المستند”؛ حيث نسب هذا الرأي إلى كتاب “الخلاف”، وللمحقق الكركي وبعض آخر. وعلى أي حال، فإن أحد التفصيلات يتلخص في أنه لو نطق الموصي بنحو من الأنحاء أو صرّح بثبوت الولاية للوصي في أمر التزويج والنكاح، فتثبت الولاية في هذه الصورة. أما لو لم يقل ذلك، ولم يصرّح ولم يكن كلامه ظاهراً في هذا الأمر، فلا تثبت ولايته في هذه الصورة. وهذا هو التفصيل الذي ذكره البعض. وبطبيعة الحال، يُستفاد هذا المعنى أيضاً من عبارة المرحوم السيد؛ حيث قال: «لكن بشرط نص الموصي عليه».
ولو أخذنا الشرط الآخر الذي ذكره المرحوم السيد بالحسبان أيضاً، لاحتملنا تفصيلاً آخر بحسب ذلك الشرط، وهو التفصيل بين الاحتياج والاضطرار إلى النكاح وبين غيره. فلو اعتبرناه شرطاً، كما يشترطه البعض في حق المجنون، لكانت النتيجة حينئذٍ ثبوت ولاية الوصي في صورة ما لو كان الشخص محتاجاً للزواج، أو كان الزواج ضرورياً له واضطر إليه؛ أما لو لم يبلغ هذه المرحلة، فلا تثبت ولاية الوصي. وبهذا الاعتبار يمكننا أن نفصّل. وبطبيعة الحال، يبدو أن هذا التفصيل لا قائل له، وليس لدينا مَن ذهب إلى مثل هذا التفصيل؛ غير أنه، وكما عرضت آنفاً، ليس من المستبعد أن يُستفاد من عبارة بعضهم كالمرحوم السيد ثبوت الولاية في صورة الاضطرار. وقد قلت إنه لا يوجد قائل مشخص لهذا القول.
وعلى أي حال، فهذه هي الأقوال الموجودة في المسألة؛ وقد ذُكرت أدلة لهذه الأقوال، ويتعين علينا ذكر هذه الأدلة.
وينقسم الذين لم يقبلوا بولاية الوصي في أمر النكاح بدورهم إلى طائفتين: طائفة أفتت بعدم ثبوت مثل هذه الولاية؛ بينما احتاط جمع غفير منهم وجوباً، كالإمام (ره). فهو لم يُفتِ بانتفاء ولاية الوصي على تزويج الصغير والصغيرة، بل قال: «فيه إشكال لا يُترك الاحتياط»؛ فأوجب الاحتياط بعدم ثبوت هذه الولاية. وفي المحصلة، فقد أفتى البعض بينما احتاط البعض الآخر. وهنا ينبغي أن يتضح وجه احتياط الإمام في هذا المورد وعدم إفتائه، ولِمَ لم يقل كالكثيرين بانتفاء مثل هذه الولاية للوصي؛ وهذا ما سنعرضه لاحقاً.
السؤال: …
الأستاذ: إن ذلك الأصل يمثل مسألة بحد ذاته؛ فالأصل الأولي هو عدم الولاية. فالولاية تفتقر إلى الدليل؛ وهذا ما سنعرضه لاحقاً.
بحث الجلسة المقبلة
«واستُدلّ لولاية الوصيّ على التزويج بأمور، منها الكتاب»؛ فقد استُند إلى آيات من القرآن الكريم لإثبات الولاية، وكذلك إلى بعض الروايات.
وقد استُدل بآيتين من آيات القرآن الكريم؛ إحداهما الآيات 180 حتى 182 من سورة البقرة، حيث يتعين علينا ذكر تقريب الاستدلال بهذه الآية (الآيات) والإشكال المطروح حولها والإجابات المقدمة عنها. والآية الثانية هي الآية 220 من سورة البقرة. فهاتان الآيتان قد وقعتا مورداً للاستناد لإثبات الولاية؛ ثم تلا ذلك التمسك ببعض الروايات. وسنبيّن الاستدلال بهذه الآيات والروايات ودراسة هذا الاستدلال في الجلسة المقبلة.