الدرس الثامن والعشرون، المسألة السادسة، الفرض الثاني
الدرس الثامن والعشرون
المسألة السادسة – الفرض الثاني – أدلة القول الأول: صحة ولزوم العقد والمهر – دراسة الدليلين الثاني والثالث – الدليل الرابع ودراسته – الدليل الخامس ودراسته – الدليل السادس ودراسته – الدليل السابع ودراسته
10 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق
كان البحث في أدلة القول بصحة ولزوم العقد والمهر أيضاً، في المورد الذي يُزوِّج فيه الولي الصغيرَ أو الصغيرةَ بأقل من مهر المثل في البنت، وبأكثر من مهر المثل في الولد. وقد بينا أنه في صورة وجود المصلحة في هذا التزويج بلحاظ المهر، فلا نقاش فيه؛ أما إذا انتفت المصلحة، فثمة ثلاثة أقوال. وقد ذكرنا من القول الأول ثلاثة أدلة حتى الآن؛ حيث خضع الدليل الأول للدراسة وأجبنا عنه.
والدليل الثاني كان آية قرآنية تُمُسِّك بعمومها لإثبات الصحة؛ والدليل الثالث كان عبارة عن روايات. وقد نقلنا روايتين استند إليهما المستدل بصدد إثبات الصحة.
دراسة الدليلين الثاني والثالث
هذان الدليلان (الآية والرواية) لا يمكنهما أيضاً إثبات الصحة.
ففيما يخص الآية الكريمة: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، قيل إن ترك التفصيل بين ما إذا كان المهر أقل من مهر المثل أو مساوياً له أو أكثر منه، يدل على أنه لو ذُكر في العقد أقل من مهر المثل أو أكثر، فإن العقد بحسب عموم هذه الآية صحيح ولازم، والمهر نافذ أيضاً. وقد نُقلت هنا روايتان أيضاً. بيد أنه لا الآية ولا الروايتان تدل على الصحة؛ لأن الآية أساساً ليست في مقام البيان من هذه الجهة. فالآية بصدد بيان أنه إن طلقتم الزوجة قبل الدخول، فيجب عليكم إعطاؤها نصف المهر؛ أما أن يكون ما قررتموه مقبولاً في جميع الظروف، فالآية ليست في مقام البيان من هذه الناحية. فالآية تهدف فقط إلى بيان حكم الزوجة غير المدخول بها، وهو أن مهرها نصف ما ذُكر في العقد؛ أي نصف المهر المسمى. أما هل أن المهر المسمى مقبول بأي شكل وفي أي ظرف كان، ولو في الفرض الذي هو محل بحثنا أم لا؟ فالآية ليست في مقام البيان من هذه الجهة. ولذا، فإن هذه الآية لا تدل على صحة ونفوذ المهر المسمى.
والأمر ذاته يجري في الروايتين؛ ففي الرواية الأولى قال النبي (ص) إن ما تراضى عليه الأهلون يجب دفعه؛ أي يجب إعطاء ما اتفقوا عليه، ولا يُقبل غيره. وهذا يتعلق أيضاً بأصل لزوم أداء المهر؛ فالمهر أيضاً يعد مصداقاً؛ وكل عهد وميثاق وعقد يقع التوافق عليه يجب العمل به، ومن موارده المهر. لكن هذا لا يشمل الفرض محل بحثنا، والذي فيه نقاش من حيث كونه مورد توافق أساساً؛ فصحيح أن ولي البنت قد قبله، لكنه لم يفعل ذلك عن مصلحة؛ لأن الفرض هو عدم وجود مصلحة في هذا المهر. وعليه، لا تُستفاد صحة المهر ونفوذه من هذه الرواية؛ وكذلك الرواية الثانية. فقد يكون وجه الرواية الثانية أنه نبي الله، وقد يكون ثمة حكم خاص بالنبي (ص) كأن تُزوَّج بناته بأقل من مهر المثل.
وبناءً على ذلك، فإن الدليل الثاني والدليل الثالث لا يدلان على القول الأول.
الدليل الرابع
النكاح ليس معاوضة؛ فالمعاوضة تُصوَّر في المورد الذي يُجعل فيه شيء له مالية في مقابل شيء آخر. فهل البُضع هنا يُعد مالاً حقيقةً؟ من غير الصحيح أساساً أن يُجعل البُضع في مقابل المهر. وقد طرح الشهيد الثاني في “المسالك” هذا المطلب نفسه، وهو أن النكاح ليس معاوضة في الحقيقة، أو بتعبير آخر: ليس معاوضة محضة. فقد ذُكر في عِداد المعاوضات والمعاملات ولكنه ليس معاوضة محضة واقعاً؛ ولذا لا يقع المهر في مقابله. فالغرض الأساسي من النكاح هو حفظ النسل، وحفظ العفاف والتحصن وما شابه ذلك. وبناءً عليه، وبما أن المهر ليس هو المنظور، والأساس هو حفظ النسل والتحصن؛ فإن هذا العقد إذن صحيح ولازم، ويجب دفع المهر المسمى نفسه.
السؤال: …
الأستاذ: يوجد اختلاف حول تعريف المال؛ أي ما الذي يُطلق عليه مال. فالبعض يقول: “المال هو ما يُبذل بإزائه المال”؛ وقد أُشكل على هذا بأنه دَوْر؛ فأنتم تريدون تعريف المال وتأتون بكلمة “المال” في تعريفه. وقد قدّم آخرون تعاريف أخرى؛ والتعريف الذي قبلناه نحن، هو أن المال: ما يرغب فيه العقلاء ويستعدون لبذل شيء بإزائه؛ فكل شيء يرغب فيه العقلاء ويستعدون لبذل شيء في مقابله. … قد تكون هذه الخصوصية موجودة، لكننا نقول إنه ليس مالاً حقيقياً؛ بمعنى أن حقيقة النكاح ليست مبنية على دفع مال بإزائه؛ بل يمكن أن يكون بإزاء أشياء أخرى.
الدليل الخامس
الدليل الخامس هو في الواقع نفس الدليل الرابع، ولكن ببيان آخر. فالغرض الأساسي في النكاح هو حفظ النسل وكف النفس عن الشهوة؛ والمهر يُعد عنصراً فرعياً وتبعياً له؛ إذن فهو ليس مؤثراً في الزواج بالمعنى الحقيقي. بعبارة أخرى، ثبوت الزواج لا يتوقف على المهر؛ لأن الهدف الأساسي من الزواج هو حفظ النسل وكف النفس عن الشهوة؛ و”كل ما لا يتوقف ثبوته على ثبوته، لا يؤثر عدمه في عدمه”؛ فكل شيء لا يتوقف ثبوته على ثبوت شيء آخر، فإن عدمه أيضاً لا يؤثر في عدم ذلك الشيء. وهنا ثبوت النكاح لا يتوقف على المهر؛ فعدم المهر إذن لا تأثير له في عدم النكاح.
السؤال: …
الأستاذ: لا يقول إنه باطل؛ بل يقول إن هذا المهر، وإن لم يكن مَرضياً، لا يخلق مشكلة، فالعقد والمهر كلاهما صحيحان. وكلامهم هو أن أصل هذا العقد متحقق بجميع أجزائه، والمهر أمر تبعي وفرعي، ولذا لو لم يكن المهر موافقاً لرأيه فلا إشكال في ذلك؛ لأن أصل العقد ينطوي على مصلحة ولا توجد فيه أي مشكلة. وحتى لو كان هناك مشكلة في المهر بحسب رأيكم، فإن هذا لا يوجب خللاً، وهو خالٍ من المفسدة؛ وعليه فالعقد والمهر صحيحان. إذن لا يوجد أي مانع من صحة العقد والمهر، لعدم وجود مفسدة فيه. … تلك كانت كبرى كلية؛ واستدلالهم هو أن “كل ما يتوقف ثبوته على ثبوته، لا يؤثر عدمه في عدمه”. فهو لا يريد القول بأن لا يكون موجوداً أصلاً؛ بل يقول إنه لو لم يوجد المهر المطلوب، فإن ذلك لا يوجب خللاً في العقد؛ لأن الفرض هو وجود المهر، غاية الأمر أن هذا المهر أقل من المقدار الذي يُجعل لمثل هذه البنت.
دراسة الدليل الخامس
هذا الدليل أيضاً محل إشكال؛ فكيف يُقال إن هذا العقد ذو مصلحة تماماً ولا توجد فيه أية مفسدة؟ ففي النهاية قد زوّج ولي البنت إياها من شخص آخر، بناءً على مصلحة كانت في نفس العقد؛ أما القول بأن هذا العقد خالٍ من المفسدة، فليس بصحيح. ففي المطاف الأخير، المهر الأقل من مهر المثل ينطوي على مفسدة؛ ولا يمكننا إنكار هذه المفسدة. فكون شخص مستعداً للزواج من هذه البنت بمهر أكثر، في حين أنه حُدد لها مهر أقل هنا، والفرض أيضاً هو عدم وجود مصلحة في ذلك، فمن المؤكد أن هذا فيه مفسدة. فكيف لنا أن نقول إن هذا المهر صحيح؟ وعليه، فالدليل الخامس أيضاً غير مقبول.
الدليل السادس
الدليل السادس هو أنه إذا زوّج ولي البنت إياها من غيرها، فهو مأذون من قِبل الشارع؛ فالشارع قد جعل له هذه الولاية ليتمكن من تزويج البنت من الغير. إذن، الولي مأذون شرعاً في العقد، والفرض أيضاً هو أن هذا الزوج كفء لهذه البنت؛ لعدم وجود مشكلة في أصل الزواج. والمهر كذلك ليس شرطاً في صحة العقد؛ ولذا يمكن أن يكون أقل أو أكثر.
دراسة الدليل السادس
هذا الدليل أيضاً محل إشكال؛ فصحيح أن الولي مأذون وله ولاية على الصغيرة ليزوجها من الغير، وهذه الولاية ثابتة شرعاً؛ وصحيح أيضاً أنه راعى المصلحة في أصل هذا التزويج، بيد أن كون الولي مأذوناً لا يعني أنه بلا قيد أو إطار. فالحد الأدنى هو ألا تكون ثمة مفسدة في هذا التزويج، وإلا فلو أراد تزويج هذه البنت مع وجود مفسدة، فإن ولايته تسقط؛ ولن تبقى له ولاية على مثل هذا النكاح. إذن فإذنه ثابت ضمن إطار معين؛ ومن جملة الأمور الدخيلة في الإذن والتي تقع ضمن نطاق المأذونية هو المهر. فلماذا نُخرج المهر من دائرة المأذونية؟ فالأب أو الجد قد أُعطيا الإذن أيضاً؛ ولكن للتزويج الذي تراعى فيه المصلحة. وفي النهاية، إذا كان المهر أقل من مهر المثل، فكأن هذا خارج عن دائرة الإذن الشرعي.
الدليل السابع
الدليل السابع، والذي لعلّه بنظر البعض أفضل من سائر الأدلة، هو مفهوم الأولوية في الآية الكريمة: (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ). وهذه الفقرة من الآية هي في الواقع تتمة لنفس الآية التي قرأناها في بداية البحث: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). ومعنى “الذي بيده عقدة النكاح” معلوم؛ أي الولي. فهي تقول إن للولي أن يعفو عن مقدار من مهرها في حال طلاق غير المدخول بها؛ وهذا صريح آية القرآن. فإذا طُلقت الزوجة غير المدخول بها، أمكن لولي البنت أن يَهَب مقداراً من المهر. وقد طرح صاحب “إيضاح الفوائد” هنا استدلالاً قائلاً: عندما يمكن للولي أن يرفع أمراً ثابتاً، أي أن المهر المُقرَّر والثابت يمكن هبته من قِبل الولي، فبطريق أولى يمكنه منذ البداية أن يرضى بأقل منه ويزوج البنت. فبما أنه يمكنه لاحقاً أن يَهَب مقداراً من المهر، فبطريق أولى يمكنه منذ البداية أن يجعل مقداراً أقل للمهر؛ لأنه لو قُرر مهر، فيجب رفعه هنا؛ أما لو قُرر مهر أقل منذ البداية، فهو في الواقع دفع؛ والدفع أخف مؤونة من الرفع. إذن، لو كان رفع المهر (ولو مقداراً منه) جائزاً، فبطريق أولى يكون دفعه جائزاً أيضاً.
دراسة الدليل السابع
كما عرضتُ، فإن هذا الدليل قد ذُكر في كلمات “فخر المحققين”، وبالطبع نقله الآخرون من بعده أيضاً؛ ونحن نرى الكثير من هذه الأدلة في الكتب اللاحقة. وهذا الدليل غير تام أيضاً؛ لأن هذا الحكم لعله قد شُرِّع في مورد خاص، على خلاف القاعدة؛ وإذا كان على خلاف القاعدة، فلا يمكننا التعدي وإثبات هذا الحكم في موارد أخرى، لا سيما هنا حيث يُطرح بحث الخسارة والضرر الآن؛ لأن الفرض هو عدم وجود أية مصلحة فيه. ولذا، وبالنظر إلى الأدلة التي ستُقام لاحقاً، فبحسب القاعدة لا ينبغي أن يكون هذا المهر مقبولاً ومُعتداً به.
وعليه، ففي المجموع لا يمكن لأدلة القول الأول أن تثبت صحة ونفوذ المهر.