الدرس التاسع عشر، المسألة 5، المقام الأول
الدرس التاسع عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة) – الرواية الثالثة – وجوه الجمع بين الرواية الثالثة والروايات الدالة على اللزوم – الوجه الثالث ودراسته – الوجه الرابع ودراسته – الوجه الخامس ودراسته
4 جمادى الأولى 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
يدور البحث حول الرواية الثالثة من الروايات المعارضة للروايات الدالة على لزوم عقد النكاح الذي يوقعه الأب أو الجد للبنت أو الحفيدة في فترة ما قبل البلوغ بشخص آخر. ومن هذه الروايات رواية محمد بن مسلم؛ وقلنا إن هذه الرواية تدل على عدم لزوم عقد النكاح؛ لقوله الصريح: «وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا»، أي إن البنت والغلام متى ما بلغا، يثبت لهما الخيار. وسند الرواية معتبر أيضاً؛ وعليه، فلا مناص من الجمع بين الروايات أو طرح هذه الرواية أو تلك الروايات؛ ففي النهاية يجب إما الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات أو طرح إحداهما. وقد ذكرنا أنه قد طُرحت عدة وجوه للجمع بين هذه الروايات؛ واستعرضنا وجهين وخضع كلاهما للخدشة والمناقشة. والوجهان اللذان نقلناهما في الجلسة السابقة قد ذكرهما الشيخ الطوسي.
الوجه الثالث
الوجه الثالث قد ذكره المرحوم العلامة في (التذكرة). حيث يرى أن هذه الرواية التي أثبتت الخيار للصغير والصغيرة وقررت أن لهما الحق في فسخ العقد بعد البلوغ، محمولة على الفرض الذي لم يراعِ فيه الأب أو الجد الشرط الأساسي للولاية وهو “انتفاء المفسدة”. كأن يزوّج البنت من شخص مريض أو معيب أو غير كفء لها. ففي هذه الحالة، من المعلوم أن للبنت والغلام الخيار. وهذا هو التوجيه الذي أورده المرحوم العلامة هاهنا.
وقد أرجع الشهيد الثاني في (المسالك) توجيه العلامة هذا إلى توجيه الشيخ الطوسي؛ وعبارة الشهيد هي: «وحمله العلامة على ما إذا زوجهما الولي بغير كفء أو بذي عيب ونحو ذلك، وهو راجع إلى تنزيل الشيخ في قوله: وما يجري مجرى ذلك». فقد ذكر توجيه العلامة أولاً، ثم قرر أن هذا التوجيه والوجه لا يختلف عن وجه الشيخ الطوسي. فقد أورد الشيخ الطوسي وجهين؛ أحدهما حمل “الأب” في الرواية على معنى الجد، وأن الفرض هو في الصورة التي لا يكون فيها الأب على قيد الحياة ويبادر الجد إلى التزويج. والوجه الآخر الذي ذُكر هو أنه لكون الأب أو الجد هما من أقدما على هذا العمل، فقد يُتصور أن في ذلك إهانة لهما؛ ولذا قال الإمام (عليه السلام) إنه لا يلزم الصغير الالتزام به ويسعه فسخه. فيقول (قدس سره): هذا يرجع إلى توجيه الشيخ؛ ولذا يثبت له الخيار. فمراعاة انتفاء المفسدة هي بطبيعة الحال أهم شرط من شروط الولاية؛ وبطبيعة الحال، فقد كان لدينا بحث حول ما إذا كان مجرد انتفاء المفسدة كافياً، أم يُشترط ما هو أرقى من ذلك وهو المصلحة؟ وهنا يتضح من خلال الأمثلة المذكورة وجود المفسدة، وانتفاء المفسدة شرط للولاية؛ فإذا لم يراعِ ذلك، سقطت ولايته. هذا هو البيان الذي ذكره المرحوم الشهيد الثاني في (المسالك). ثم أورد هو نفسه إشكالاً قائلاً: «وهو حمل بعيد، ولكنه خير من اطّراح أحد الجانبين»؛ فهذا الحمل بعيد، ولكنه على أي حال خير من طرح أحد طرفي التعارض.
دراسة الوجه الثالث
يجب أن نرى ما إذا كان التوجيه والوجه الذي ذكره العلامة يرجع حقاً إلى أحد وجهي الشيخ الطوسي أم لا.
الوجهان اللذان ذكرهما الشيخ الطوسي، كان أحدهما أنه لكي لا يُهان الأب أو الجد، يجب على البنت أو الغلام الالتزام بالعقد؛ ولرفع هذا التوهم، قال الإمام (عليه السلام): «لَهُمَا الْخِيَارُ»؛ أي لا يلزمهم الالتزام بهذا العقد من أجل ذلك الأمر. وفي الوجه الثاني قال: إن “الأب” في الرواية بمعنى الجد. ونحن أوردنا إشكالاً على كلا الوجهين؛ والآن يجب أن نرى ما إذا كان المطلب الذي ذكره العلامة الحلي يرجع حقاً إلى أحد هذين الوجهين أم لا.
والظاهر أنهما يختلفان. فقد قال الشيخ الطوسي: متى ما بلغت البنت، كان لها الحق في مطالبة الزوج بالطلاق أو فسخ العقد؛ وقد صرّح (قدس سره) بهذا المطلب. وهذا يختلف عن الخيار الذي ذُكر وفقاً لبعض وجوه الجمع والذي يعني أن بإمكانها إعماله بنفسها. فتارة نقول إن البنت نفسها يحق لها فسخ العقد، وتارة أخرى نقول إنها تطالب الزوج بفسخ العقد؛ فما الضمان هاهنا أن يطلقها الزوج؟ إذ لم يُقل إن الزوج ملزم بتلبية هذا الطلب. ولذا، هناك فرق بين التوجيه والوجه الذي ذكره المرحوم العلامة، وكلا الوجهين اللذين ذكرهما الشيخ الطوسي.
وبغض النظر عما إذا كان هذا الوجه قابلاً للإرجاع إلى وجهي جمع الشيخ الطوسي أم لا، فهل هو قابل للقبول أم لا؟ يبدو أن هذا الوجه أيضاً غير تام. لأن مسألة المصلحة، أو على الأقل انتفاء المفسدة، تفتقر إلى شاهد داخلي أو خارجي؛ ولا نملك في هذه الرواية أي قرينة أو شاهد لحمل هذا المورد على أن الجد لم يراعِ انتفاء المفسدة. فعبارة الرواية كانت كالتالي: «إِذَا كَانَ أَبَوَاهُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَاهُمَا فَنَعَمْ جَائِزٌ، وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا؛ فَإِنْ رَضِيَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَهْرَ عَلَى الْأَبِ. قُلْتُ لَهُ: فَهَلْ يَجُوزُ طَلَاقُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ فِي صِغَرِهِ؟ قَالَ (عليه السلام): لَا». فما هي القرينة والإشارة والأرضية لحمل الرواية على الصورة التي لم يراعِ فيها الجد مصلحة الغلام أو البنت في هذا التزويج؟ وعليه، فإن هذا الوجه أيضاً غير قابل للقبول.
الوجه الرابع
الوجه الرابع هو ما ذكره المرحوم السيد الخوئي. حيث سلك مسلكاً غير المسالك الثلاثة التي ذكرناها؛ أي مسلكاً يختلف عن وجهي جمع الشيخ الطوسي ووجه جمع العلامة. حيث يرى أن الروايات الدالة على لزوم النكاح والتي قرأناها سابقاً، مطلقة؛ فتلك الروايات الدالة على عدم ثبوت الخيار للبنت قبل البلوغ، تمتلك الإطلاق. بمعنى أنها تشمل كلتا الصورتين: عدم بلوغ البنت والغلام، وعدم بلوغ أحدهما؛ فهي مطلقة من هذه الجهة. فالحديث يدور حول تزويج الصبية والصبي في مرحلة الصغر؛ فقد يكون كلاهما غير بالغين، وقد يكون أحدهما غير بالغ. والرواية مطلقة من هذه الجهة؛ ومن جهة أخرى، فإن صحيحة محمد بن مسلم ظاهرة في الصورة التي لم يبلغ فيها كلاهما؛ لقوله: «وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا»؛ مما يُفهم منه أن أياً منهما لم يكن بالغاً، حتى يقول إنه متى ما بلغا، يثبت لهما الخيار. إذن، كأن لدينا طائفتين من الروايات؛ طائفة مطلقة من حيث عدم بلوغ البنت والغلام؛ أي إنها تشمل صورة عدم بلوغ كليهما، وصورة عدم بلوغ أحدهما. ومن الجهة الأخرى، فإن رواية محمد بن مسلم تختص بصورة عدم بلوغ أحدهما. فتُقيد رواية محمد بن مسلم تلك الإطلاقات، وحصيلة هذا التقييد هو أنه إذا كان البنت والغلام غير بالغين وزُوّجا ببعضهما في فترة الصغر من قِبل الأب أو الجد، فلهما الحق بعد البلوغ في فسخ هذا العقد أو إمضائه؛ ولذا يثبت لهما الخيار. وذلك بخلاف صورة عدم بلوغ أحدهما؛ فإذا كان أحدهما غير بالغ، فهذا العقد لازم. إذن، فتلك الروايات ناظرة إلى صورة عدم بلوغ أحد الطرفين، وهذه الرواية ناظرة إلى عدم بلوغ كلا الطرفين؛ وبهذا يرتفع التعارض بينهما.
وهذا هو البيان الذي ذكره المرحوم السيد الخوئي هاهنا. وقد أردف (قدس سره) في ذيل هذا الوجه قائلاً: «إلا أنه لم يعلم قائل به من فقهائنا»، فيسعنا ذكر هذا الوجه ولكن لا يوجد أحد من الفقهاء قائل بهذا المطلب.
دراسة الوجه الرابع
العمدة في الإشكال على هذا الجمع هو أن لسان هاتين الطائفتين من الروايات ليس لسان الإطلاق والتقييد. فتلك الروايات نصت بشكل كلي وواضح وجلي على أنه إذا زوّج الأب أو الجد البنت من شخص آخر، فإن هذا العقد لازم ولا يحق للبنت نقضه بعد البلوغ. وقررت رواية محمد بن مسلم أنهما إذا بلغا، كان لهما الخيار؛ وهذا مطلق أيضاً بحسب الظاهر، ولكن هل إطلاق الطائفة الأولى أقوى أم إطلاق هذه الطائفة؟ وهل إطلاق الروايات الدالة على اللزوم أوضح أم إطلاق الروايات الدالة على عدم اللزوم؟ …
السؤال: …
الأستاذ: إن مفروض روايات الطائفة الأولى هو هذا أيضاً؛ فالروايات الدالة على اللزوم تمتلك الإطلاق أيضاً بحسب الظاهر؛ ويُفهم إطلاق كهذا من كليهما.
إطلاق تلك الروايات أقوى؛ وهذه الروايات مطلقة أيضاً بحسب الظاهر. والمسألة المهمة هي أن نرى ما إذا كان عدم بلوغ الطرفين أو عدم بلوغ أحدهما يمكن أن يوجب فرقاً هاهنا؟ أي هل العرف يسعه حقاً التفريق بينهما؟ فهل يرى العرف فرقاً بين هذين الأمرين؟ ففي النهاية، تقييد المطلق هو من صنيع العرف؛ فهو يرى الدليل ويعتبره مقيداً لذلك. فهل يسعنا القول بشيء كهذا؟ كأن نقول مثلاً إن العرف يفهم من رواية محمد بن مسلم أنها ترتبط بصورة عدم بلوغ كليهما، أما الروايات الدالة على اللزوم فهي تستوعب كلا الفرضين، ولكنها تُقيد هاهنا. والنتيجة هي أن اللزوم يرتبط بالصورة التي يكون فيها أحد هذين الطرفين غير بالغ. ولذا، يبدو أن هذا الوجه أيضاً غير قابل للأخذ.
الوجه الخامس
الوجه الخامس للجمع بين هاتين الطائفتين، هو أنه إذا زوّج الأب أو الجد هذين الطفلين ببعضهما قبل البلوغ، فإن هذا العقد نافذ ولازم؛ أما إذا وقع هذا التزويج بعد البلوغ، فهو منوط بإمضائهما ورضاهما. وذلك لأن الرواية تتضمن سؤالاً وجواباً؛ فالسؤال يدور حول تزويج البنت من قِبل الأب قبل البلوغ: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الصَّبِيِّ يَتَزَوَّجُ الصَّبِيَّةَ…»، فالسؤال يتمحور حول التزويج قبل البلوغ. أما الجواب الذي أدلى به الإمام (عليه السلام)، فهو: «إِذَا كَانَ أَبَوَاهُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَاهُمَا فَنَعَمْ جَائِزٌ، وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا»، وكأن هذا يشير إلى صورة تزويج الأب أو الجد للبنت والغلام ببعضهما قبل البلوغ، ولذا يقول إن لهما الخيار بعد البلوغ ويسعهما الفسخ. إذن، بناءً على هذا الوجه، فإن الروايات الدالة على اللزوم ترتبط بفرض ما قبل البلوغ؛ وهذه الرواية الدالة على الخيار ترتبط بفرض ما بعد البلوغ.
دراسة الوجه الخامس
أولاً: هذا خلاف ظاهر الرواية؛ فوفقاً لظاهر الرواية، السؤال يدور حول الصبية والصبي؛ وقد قال الإمام (عليه السلام): إذا فعل أبواهما ذلك، فهذا جائز. ومن المعلوم أن جواب الإمام (عليه السلام) ناظر إلى تزويج الصبي والصبية نفسه؛ حيث يقول الإمام (عليه السلام) إن هذا جائز، ولكن إذا بلغا فلهما الخيار. ولازم هذا الجمع هو ألا نعتبر جواب الإمام (عليه السلام) ناظراً لفرض السؤال. ومن الواضح جداً أن الإمام (عليه السلام) ملتفت لنفس السؤال الذي يدور حول الزواج بين الصبي والصبية، وثبوت الخيار يثبت لهما أيضاً في فترة ما بعد البلوغ. ولذا، يبدو أن وجه الجمع هذا خلاف الظاهر.
ثانياً: الإشكال الآخر الذي يرد على وجه الجمع هذا، هو أنه تابع للمبنى الذي نتبناه بشأن ولاية الأب على البكر البالغة الرشيدة؛ وهذا البحث قد مر تفصيله. فإذا قال قائل بثبوت ولاية الأب على البنت حتى بعد البلوغ، فإن هذا التوجيه غير قابل للقبول. نعم، إذا قال قائل بانتفاء ولاية الأب بعد البلوغ، فقد يكون هناك مجال لهذا التوجيه.
فتحصل مما ذكرنا كله أن رواية محمد بن مسلم الدالة على الخيار في الفرض المبحوث عنه هاهنا، معارضة للروايات الدالة على لزوم عقد النكاح. وقد ذُكرت خمسة وجوه للجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات، وخضعت جميعها للإشكال؛ فما العمل هاهنا إذن؟ فمن جهة هناك بعض الروايات الدالة على اللزوم، ومن جهة أخرى هناك بعض الروايات الدالة على عدم اللزوم.