The news is by your side.

الدرس الثامن عشر، المسألة 5، المقام الأول

الدرس الثامن عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة) – الرواية الثالثة – وجوه الجمع بين الرواية الثالثة والروايات الدالة على اللزوم – الوجه الأول ودراسته – الوجه الثاني ودراسته

3 جمادى الأولى 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

تمحور البحث حول أدلة عدم ثبوت الخيار للصغيرة؛ ببيان أنه لو زُوّجت الصغيرة في دوران صغرها من قِبل الولي بشخص آخر، فهل يثبت لها حق فسخ هذا العقد بعد البلوغ أم لا؟ وبعبارة أخرى: هل هذا العقد لازم أم لا؟ وقلنا إنه من مجموع أدلة لزوم عقد نكاح الصغيرة من قِبل الأب أو الجد، يسعنا الاستناد إلى بعض الروايات التامة سنداً ودلالةً، لنقول إنها تدل على اللزوم. ولم نقبل نحن بالدليلين الأول والثالث (الإجماع والاستصحاب) وأوردنا عليهما الإشكال؛ وعمدة دليل القائلين بلزوم العقد هي الروايات التي لاحظتموها.

وفي مقابل هذه الروايات، لدينا روايات تدل على الجواز؛ أي إنها تنفي اللزوم عن نكاح كهذا؛ ويجب علينا الآن دراسة كيفية الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات. وقد أشرنا إلى روايتين من الروايات المعارضة وبيّنا تقريب الاستدلال بهما.

الرواية الثالثة

«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الصَّبِيِّ يَتَزَوَّجُ الصَّبِيَّةَ؟ قَالَ (عليه السلام): إِذَا كَانَ أَبَوَاهُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَاهُمَا فَنَعَمْ جَائِزٌ، وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا؛ فَإِنْ رَضِيَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَهْرَ عَلَى الْأَبِ. قُلْتُ لَهُ: فَهَلْ يَجُوزُ طَلَاقُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ فِي صِغَرِهِ؟ قَالَ (عليه السلام): لَا». هذه الرواية جيدة من الناحية السندية وصحيحة؛ ودلالتها واضحة أيضاً. يقول محمد بن مسلم: سألت الإمام الباقر (عليه السلام) عما إذا كان يجوز تزويج الصبي بالصبية؟ فقال الإمام (عليه السلام): إذا كان أبواهما هما من زوجاهما، فنعم، النكاح نافذ وجائز؛ ولكن للصبي والصبية الخيار، ويحق لهما فسخ هذا العقد. فإذا رضيا بهذا العقد بعد البلوغ، فإن المهر يقع على عاتق الأب؛ أي إن أبا الصبي ملزم بدفع المهر للصبية. ويتابع محمد بن مسلم قائلاً: قلت للإمام (عليه السلام): هل يجوز للأب أن يطلق زوجة ابنه في فترة صغره؟ أي لو أنه زوّجه من أخرى مثلاً، ثم طلقها له قبل أن يبلغ؛ فقال الإمام (عليه السلام): لا.

تصرح هذه الرواية بقوله: «وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا»، أي متى ما بلغ الصغير والصغيرة، يثبت لهما الخيار. وسند الرواية ودلالتها واضحان جليان؛ ومن هنا، فهي تتعارض مع الروايات الدالة على لزوم النكاح أو عدم ثبوت الخيار للصبي والصبية. فتلك الروايات تدل على لزوم هذا النكاح وعدم ثبوت الخيار، بينما تدل هذه الرواية على ثبوت الخيار.

وجوه الجمع بين الرواية الثالثة والروايات الدالة على اللزوم

لقد ذُكرت هنا عدة وجوه للجمع. فقد تصدى بعض الأعلام لرفع التعارض وتوجيه رواية محمد بن مسلم؛ حيث أورد الشيخ الطوسي في كتاب (التهذيب) حلين لتعارض هذه الرواية مع الروايات الدالة على اللزوم. وبيّن المرحوم السيد الخوئي مسلكاً آخر؛ وبطبيعة الحال، فقد طُرحت بعض المسالك الأخرى لرفع التعارض. وسنذكر بعض هذه الوجوه والتوجيهات التي قد ترفع التعارض، لنرى ما إذا كانت قابلة للقبول أم لا.

الوجه الأول

يرى الشيخ الطوسي أن أحد السبل هو أن الخيار المذكور في قوله: «وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا» يحمل معنى واسعاً؛ فالخيار في حق الصغير يعني أنه يسعه بعد البلوغ فسخ هذا العقد ونقضه بالطلاق أو بغيره. أما في حق الصغيرة، فمعناه أنها تطلب من الزوج إزالة هذا العقد ونقضه بالطلاق أو ما شابهه. إذن، فكأن الخيار يحمل معنى في حق الصغير ومعنى آخر في حق الصغيرة. وما هو محل بحثنا الفعلي هو الصغيرة؛ وقد حمل (قدس سره) الخيار على معنى لا يتنافى مع الروايات الدالة على اللزوم وعدم ثبوت الخيار. وبناءً على ذلك، يقول إن المراد بالخيار هاهنا هو أن لها حق مطالبة الطلاق وما يماثله؛ ومجرد امتلاكها لحق مطالبة الطلاق يُعد بحد ذاته نوعاً من الخيار.

ويستند هذا الوجه إلى شبهة مفادها أن البنت لو أرادت نقض العقد بعد البلوغ، فقد يُعد ذلك إهانة للأب أو الجد؛ لأنهما هما من زوّجاها، والآن وبعد البلوغ، يُعتبر نقض هذا العقد إهانة لهما. ولذا، يقول الإمام (عليه السلام) في المقابل: لا؛ لو أقدم الأب أو الجد على فعل ما، فلا يلزم الصغير أو الصغيرة الالتزام به، بل يسع الصغير بعد البلوغ فسخ هذا النكاح؛ ويسع الصغيرة أيضاً المطالبة بالطلاق أو إعمال الخيار؛ أي تقول للزوج: لست راضية، وأبي أو جدي هما من فعلا ذلك؛ فاستعمل خيارك أنت وافسخ هذا النكاح. وهذا هو المطلب الذي أورده الشيخ الطوسي في ذيل هذه الرواية كوجه للجمع بينها وبين الروايات الدالة على اللزوم.

دراسة الوجه الأول

هذا التوجيه لا يكاد يقبل؛ إذ كيف يسعنا أن نفسر كلمة “الخيار” في جملة واحدة نطق بها الإمام (عليه السلام) بمعنى في حق الصغير، وبمعنى آخر مختلف في حق الصغيرة؟ فهذا لا يساعده العرف ولا اللغة؛ فلا العرف ولا اللغة يسوغان هذا الوجه. ففي الجملة التي قال فيها الإمام (عليه السلام): «وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا»، لا مبرر إطلاقاً لاستنباط معنيين مختلفين للفظ الخيار الذي ورد مرة واحدة وشمل كليهما.

الوجه الثاني

الوجه الثاني هو أن المراد بـ “الأب” هاهنا هو الجد بخصوصه؛ مع أن لفظ “الأب” أو “الآباء” يُطلق على الأب والجد معاً، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك؛ كما هو الحال في صحيحة يزيد الكناسي. وبناءً على هذا، فإن فرض هذه الرواية ينحصر في صورة وفاة الأب وتولي الجد لهذا الأمر. فإذا توفي الأب، فلا ولاية للجد وفقاً لمبنى الشيخ الطوسي؛ ولذا، إذا زوّج البنت من شخص آخر، كان هذا العقد فضولياً، والخيار هاهنا بمعنى حق الرد والإجازة، لا بمعنى حق الإمضاء والفسخ. إذن، كأن هذه الرواية ترتبط بالصورة التي يتوفى فيها الأب ويُقدم الجد – الفاقد للولاية (لأن شرط ولاية الجد وفقاً لهذا المبنى هو حياة الأب) – على التزويج؛ ولذا فلا فرق بينه وبين غيره البتة. فكما لو زوّجها غيره كان العقد فضولياً، فالأمر سيان هاهنا أيضاً؛ ولهذا قال: «وَلَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ»، لأن الجد هو من قام بذلك. وقوله: «إِذَا كَانَ أَبَوَاهُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَاهُمَا فَنَعَمْ جَائِزٌ» يعني في الحقيقة: إذا كان جداهما… فجد هذين الاثنين هو من قام بهذا الأمر وهما يمتلكان الخيار. وفي هذه الحالة، يُعد عقد الجد عقداً فضولياً. وإذا كان عقداً فضولياً، فبطبيعة الحال يثبت الخيار للغلام والبنت متى ما بلغا؛ غاية الأمر أن الخيار يكون بهذا المعنى. وبطبيعة الحال، فقد رددنا نحن هذا المبنى. إذن، يرى (قدس سره) أن عقد الجد وتزويجه فضولي لأنه لا ولاية له، ولذا يثبت الخيار لكليهما، بمعنى أن لهما الخيار في إجازة هذا العقد أو رده.

وعليه، يختلف مورد هذه الرواية كلياً عن الروايات الدالة على اللزوم؛ فتلك الروايات التي ذكرناها تتعلق بالصورة التي يمتلك فيها الأب أو الجد الولاية؛ فإن قام الأب بذلك أو حتى الجد، فقد كانت له الولاية؛ ولذا، فالعقد الذي أبرماه ليس فضولياً. وهناك، قررت الروايات عدم ثبوت الخيار؛ أما إذا كان العقد فضولياً، فمن البديهي ثبوت الخيار. وهكذا سعوا لرفع التعارض بين هذه الرواية والروايات الدالة على اللزوم.

إذن، التوجيه الثاني يتمثل في القول بأن المراد من “الأب” هو الجد، والفرض هو وفاة الأب أيضاً. ولذا، كأن مفروض السائل هو تزويج الجد لهذه البنت أو هذا الغلام – بعد وفاة أبيهما – ببعضهما؛ فحينها يُسأل عما إذا كان هذا العقد صحيحاً أم لا؛ فيجيب الإمام (عليه السلام) بأنه جائز، ولكنهما يمتلكان الخيار بعد البلوغ. والخيار المذكور هاهنا ليس بمعنى حق الإمضاء والفسخ الثابت في الخيار المصطلح، بل بمعنى حق رد العقد أو إمضائه الثابت بالنسبة للعقد الفضولي.

السؤال: …

الأستاذ: عندما نقول إن الخيار بمعنى حق الإمضاء أو الفسخ وأن العقد ليس فضولياً، يعني أن العقد متصف بالصحة الفعلية وليس معلقاً ولا موقوفاً على شيء. كالبيع الذي يوقعه شخص ويكون فيه غبن؛ فذلك البيع صحيح ويتصف بالصحة الفعلية؛ أو كمن يشتري بضاعة معيبة، فهذا العقد يتصف بالصحة الفعلية ولكن المشتري يمتلك حق فسخ المعاملة. أما إذا قلنا إن الخيار ثابت إزاء العقد الفضولي، فمعنى ذلك أن هذا التزويج الذي أوقعه الجد يتصف بالصحة التأهلية أو الشأنية؛ أي يصح أن يتصف بالصحة، ولكنه يمتلك قابلية الاتصاف بالصحة. فهو الآن موقوف ومعلق؛ فإن أجازوه بعد البلوغ، اكتسب هذا العقد الفعلية وتم؛ أما إذا ردوه، فكأنه لا يوجد عقد أصلاً ولم يكن هناك شيء منذ البداية …

السؤال: …

الأستاذ: لقد بيّنّا هذا الأمر سابقاً؛ فالولاية تثبت للجد من جهة الأب ولا تثبت من جهة الأم. والفرض هاهنا هو أن الجد الأبوي للغلام قد زوّجه، ومن جهة أخرى زوّج الجد الأبوي للبنت إياها؛ فافترضوا أن التزويج قد تم من قِبل الجد في كلا الطرفين، والحال أن الأب لم يكن على قيد الحياة أيضاً. والمرحوم الشيخ الطوسي في الواقع يسعى لتقديم العقد الذي أوقعه الجد كعقد فضولي، ليحمل الخيار على معنى حق الرد أو الإجازة.

دراسة الوجه الثاني

يرد على بيان الشيخ الطوسي هذا ثلاثة إشكالات:

الإشكال الأول: إن حصر المراد من “الأب” بالجد بخصوصه خلاف الظاهر. نعم، قد يُستعمل لفظ “الأب” أحياناً بنحو لا يشمل الجد، ويكون المراد منه الأب نفسه. وقد يُستعمل لفظ “الأب” في معنى أعم يستوعب الأب والجد معاً؛ ولكن أن يُستعمل لفظ “الأب” ويُراد منه الجد بخصوصه دون وجود قرينة، فهذا خلاف الظاهر.

الإشكال الثاني: إن هذه الرواية غير ظاهرة في هذا الفرض؛ فمن أين له أن يقرر أن المفروض هو صورة وفاة الأب؟ فلا بد من وجود إشارة أو كناية؛ فالإشكال إذن هو أنه من غير المعلوم من أين أقحم الشيخ الطوسي هذا الفرض في هذه الرواية.

الإشكال الثالث: إن أصل مبناه يعاني من الإشكال؛ فاشتراط حياة الأب في ولاية الجد أمر غير مقبول لدينا. وقد بيّنا سابقاً أن ولاية الجد ليست مشروطة بحياة الأب، بل إن الحاجة لولاية الجد في صورة فقد الأب أو وفاته أشد منها في زمان حياته.

ولذا، يُطرح هذان الوجهان.

بحث الجلسة القادمة

لقد ذُكرت وجوه أخرى هاهنا، ويتعين علينا دراستها لنرى بعد ذلك ما ينبغي فعله إزاء هذه الرواية.