الدرس السادس عشر، المسألة 5، المقام الأول
الدرس السادس عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة) – الرواية الثانية – البحث السندي – إشكال المحقق الخوئي – الإجابة عن إشكال المحقق الخوئي – الرأي المختار في حق يزيد الكناسي
27 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
يتمحور البحث حول أدلة عدم ثبوت الخيار، أو بعبارة أخرى، لزوم عقد النكاح الذي يوقعه الأب أو الجد للصغيرة؛ وقد نقلنا رواية أبي عبيدة الحذاء في الجلسة السابقة، وبيّنا أن صدر الرواية يدل بحسب النظرة البدوية على ثبوت الخيار وعدم لزوم العقد؛ بيد أننا بالالتفات إلى ذيل الرواية، قررنا حمل كلمة «ولي» في صدر الرواية على الأولياء العرفيين، وأنها لا تشمل الأب والجد. وعليه، فإن الرواية الأولى تقصر عن إثبات الخيار وعدم لزوم العقد في موضوع بحثنا.
الرواية الثانية
الرواية الثانية هي رواية يزيد الكناسي: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام): مَتَى يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ وَلَا يَسْتَأْمِرَهَا؟»؛ يقول يزيد الكناسي: سألت الإمام الباقر (عليه السلام): متى يصح للأب أن يزوج ابنته ولا يطلب رأيها، بل يتخذ القرار بنفسه ويزوجها من شخص آخر؟ «قَالَ (عليه السلام): إِذَا جَازَتْ تِسْعَ سِنِينَ، فَإِنْ زَوَّجَهَا قَبْلَ بُلُوغِ التِّسْعِ سِنِينَ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ»؛ فقال الإمام (عليه السلام): إذا تجاوزت التسع سنين، جاز للأب أن يزوجها من غيرها دون أن يستأمرها. أما إذا زوجها قبل التسع سنين، فإن هذه البنت متى ما بلغت تسع سنين، كان لها الخيار ويسعها فسخ العقد ونقضه.
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية هو أنه وفقاً لبيان الإمام الباقر (عليه السلام)، إذا زُوّجت البنت من شخص آخر قبل التسع سنين، «كَانَ الْخِيَارُ لَهَا إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ»؛ وهذا يدل بوضوح وجلاء على ثبوت الخيار بعد البلوغ. وهذا هو عين المدعى والمطلوب.
دراسة الرواية الثانية
يوجد في هذه الرواية بحث سندي وآخر دلالي.
البحث السندي
هناك اختلاف في تحديد هوية هذا الشخص: هل هو يزيد الكناسي أم بريد الكناسي؛ بمعنى أنه ورد في بعض النسخ بريد الكناسي بدلاً من يزيد الكناسي. وبريد الكناسي مجهول الحال؛ لذا، بناءً على هذا الاحتمال، تكون الرواية ضعيفة من الناحية السندية. والاحتمال الآخر الذي يحظى بمزيد من الاهتمام، هو أنه يزيد الكناسي.
إشكال المحقق الخوئي
أورد المرحوم السيد الخوئي إشكالاً فيما يتعلق بيزيد الكناسي، وبناءً عليه قرر ضعف سند هذه الرواية. حيث قال: لقد ذُكر “يزيد الكناسي” في كتابي (التهذيب) و(الاستبصار). وذكر النجاشي في كتابه الرجالي شخصاً باسم “يزيد أبو خالد القماط” وقال في وصفه: “كوفي ثقة”، أي إنه وثّقه. وذكر الشيخ الطوسي في كتابه الرجالي “يزيد الكناسي”، وقال إنه منسوب إلى محلة في الكوفة تسمى كناسة، ولكنه لم يوثقه. إذن، من جهة وثّق النجاشي شخصاً باسم “يزيد أبو خالد القماط الكوفي”؛ ومن جهة أخرى، لم يوثّق الشيخ الطوسي “يزيد الكناسي”، ولم يأتِ على ذكر “يزيد أبو خالد القماط الكوفي” البتة، لا في كتاب (الفهرست) ولا في كتاب (الرجال). وعندما نضع هذين المطلبين جنباً إلى جنب، يحصل لنا الاطمئنان بأنهما شخص واحد ذكره النجاشي بعنوان “أبو خالد القماط الكوفي” ووثّقه، وذكره الشيخ الطوسي بعنوان “يزيد الكناسي” ولم يوثقه. فإذا حصل لنا الاطمئنان بأن يزيد الكناسي هو نفسه يزيد أبو خالد القماط، فإن توثيق النجاشي ليزيد أبي خالد القماط يُعد في الواقع توثيقاً ليزيد الكناسي أيضاً.
إذن، في الخطوة الأولى، يستنتج المرحوم السيد الخوئي من ضم هذين المطلبين اللذين ذكرهما الشيخ الطوسي والنجاشي اتحاد هذين الشخصين، وأنهما شخص واحد ذُكر في الكتب بعنوانين؛ ثم إن النجاشي وثق هذا الشخص نفسه؛ وبناءً عليه، يمكننا الاستناد إلى هذا المطلب للقول بأن يزيد الكناسي ثقة.
ولكن المشكلة تكمن في أن أحمد بن محمد بن البرقي، الذي كان أقدم من الشيخ الطوسي و”أعرف منه بالرجال” – حسب تعبير المرحوم السيد الخوئي – لكونه أقرب عهداً بالرواة من الناحية الزمنية. فقد كانت تفصله عن رواة الحديث فترة زمنية أقصر. وقد أورد البرقي هذين العنوانين معاً، أي إنه ذكر ترجمة وشرحاً ليزيد الكناسي، وكذلك ليزيد أبي خالد القماط. وذِكرُ البرقي لهذين الشخصين بشكل منفصل، وإيراده شرحاً لكل منهما، يدل على عدم اتحادهما؛ أي إنهما شخصان وليس شخصاً واحداً. ولذا، إذا كانا شخصين، فلا يجدي توثيق يزيد أبي خالد القماط نفعاً في إثبات وثاقة يزيد الكناسي. فلو كانا شخصاً واحداً، لقلنا: بما أن النجاشي قد وثّق هذا الشخص الواحد في كتاب واحد وباسم واحد، فإن الاسم والعنوان الآخر الذي يطلق عليه يُعد ثقة بالتبعية. غير أنه بالنظر إلى ما فعله البرقي، يتبين أنهما ليسا شخصاً واحداً بل شخصان؛ ومن ثم، إذا وُثّق أحدهما، فلا يلزم من ذلك توثيق الآخر. ولذا، فهو يذهب إلى تضعيف هذه الرواية من الناحية السندية بشكل عام.
الإجابة عن إشكال المحقق الخوئي
تصدى أستاذنا المعظم، سماحة آية الله الزنجاني، للإجابة عن هذا الإشكال.
الإجابة عن الشق الأول
أولاً: لو كانت هذه العناوين المذكورة في (رجال النجاشي) و(فهرست الشيخ) متطابقة، وكانت فهرستهما متماثلة؛ بمعنى أنه لو ذُكر جميع من أوردهم النجاشي في كتابه في كتاب الشيخ أيضاً، والعكس بالعكس، كأن يكون النجاشي قد أورد ترجمة وشرحاً لثلاثمائة شخص، وتصدى الشيخ الطوسي للكتابة عن هؤلاء الثلاثمائة إجمالاً، لأمكننا الاستنتاج بأن هذين الكتابين ناظران لبعضهما، ولو وقع الشك في اتحاد راوٍ ما أو عدم اتحاده، لأمكننا القول بأنهما شخص واحد. غير أن النسبة بين هذين الكتابين من حيث فهرس الرواة هي عموم وخصوص من وجه؛ بمعنى أن النجاشي قد ذكر عناوين كثيرة لم ترد في فهرست الشيخ. كما ذكر الشيخ عناوين كثيرة لم يأتِ النجاشي على ذكرها؛ وهذا يدل على أن هذين الكتابين ليسا ناظرين لبعضهما أساساً، ومن هنا لا يسعنا القول بأنه لمجرد أن النجاشي وثّق هذا الشخص باسم معين، وذكره الشيخ الطوسي باسم آخر ولم يقل في حقه شيئاً، فإن ذلك يعني أنهما شخص واحد.
وهذا ما يرتبط بالشق الأول من كلام المرحوم السيد الخوئي؛ لأنه استدل بهذا البيان بدايةً لتوثيق يزيد الكناسي، ثم عاد ليرده. فكلام المرحوم السيد الخوئي يتألف من شقين؛ أحدهما إثبات وثاقة يزيد الكناسي، أو في الحقيقة ذكر دليل على وثاقته؛ والشق الثاني هو الرد على هذا التوثيق. وإشكال أستاذنا المعظم على الشق الأول من كلام المرحوم السيد الخوئي، هو أننا لا يمكننا إثبات اتحاد هذين الشخصين بهذا البيان أساساً؛ لأن النجاشي ذكر جماعة، وذكر الشيخ الطوسي جماعة أخرى، والنسبة بينهما هي عموم وخصوص من وجه. ومن هنا، كيف يسعنا القول باتحادهما؟ فاسما هذين الشخصين مختلفان، ولم يكن الكتابان ناظرين لبعضهما ليستفاد منهما الاتحاد.
ثانياً: من المستبعد جداً أن يكون الشيخ الطوسي على علم بأن لقب يزيد الكناسي هو “القماط” وكنيته “أبو خالد”، ومع ذلك لم يذكر لقبه ولا كنيته في أي موضع، لا في كتاب (الفهرست) ولا في كتاب (الرجال). ومن جهة أخرى، من المستبعد جداً أن يكون النجاشي على علم بأن يزيد أبا خالد القماط هو نفسه من أهل كناسة، وقد ذُكر في أسانيد روايات متعددة بعنوان “يزيد الكناسي”، ولكنه تعمد عدم ذكر كلمة “الكناسي”. ولذا، يقول سماحته: عندما نقارن صنيع الشيخ بصنيع النجاشي، يحصل لنا الاطمئنان بأن أياً من الشيخ والنجاشي لم يكن يرى اتحادهما. وهذا ما يُستخلص من هذا المورد.
هذا ما يخص الشق الأول من كلام المرحوم السيد الخوئي.
الإجابة عن الشق الثاني
كان الشق الثاني من كلام المرحوم السيد الخوئي هو أن البرقي، وهو الأقدم من الشيخ والأعرف منه برواة الأحاديث، قد ذكر كلا الشخصين وأورد شرحاً لهما؛ مما يدل على أن البرقي لم يكن يعتقد باتحادهما؛ غير أننا – نظراً لتقدمه وأعلميته – نرجح قوله على الدليل المذكور لإثبات الاتحاد.
والجواب هو: من أين لنا أن نجزم بأنهما شخصان؟ فحتى هذا الصنيع الذي أقدم عليه البرقي، ينسجم مع كونهما شخصاً واحداً؛ صحيح أن البرقي أورد اسمين وكتب شرحاً لكل منهما، ولكن قد يكون لشخص اسمان أو عنوانان أو شهرتان، إلا أن المصنفين والمؤلفين كانوا يكتبون الأسماء أحياناً ويدونون شروحاً، ثم بعد فاصل زمني، يعاودون الكتابة عن نفس الشخص الذي عُرف باسم آخر، وهذا له نظائر أيضاً. ففي الكتب المشابهة، نجد أحياناً شخصاً واحداً عُرف بعنوانين أو ثلاثة عناوين، وقد كُتب له ترجمة وسيرة ذاتية تحت كل عنوان. ولذا، فإن صنيع البرقي هذا لا يصلح دليلاً على عدم اعتقاده باتحادهما. فلو كان البرقي يرى اتحادهما، فبطبيعة الحال لم يكن ليذكرهما بشكل متعدد؛ ولكننا لا نعلم هل أحرز البرقي اتحادهما أم لا؛ فكل ما نعلمه هو أنه أورد اسمي هذين الشخصين وكتب عنهما شيئاً. وهذا قد يُعزى إلى أنه عندما أراد الكتابة عن الثاني، نسي أنه قد كتب مسبقاً عن هذا الشخص نفسه باسم مختلف. ولذا، فإنه يرد إشكال المرحوم السيد الخوئي هذا بالكلية.
الرأي المختار في حق يزيد الكناسي
في نهاية المطاف، نحن نواجه الآن رأيين؛ وفقاً لأحدهما، فإن رواية يزيد الكناسي غير معتبرة. ولكن وفقاً لآراء أخرى، فإن رواية يزيد الكناسي معتبرة؛ فالمرحوم السيد الخوئي لا يراها معتبرة؛ والشهيد الثاني أيضاً لا يرى رواية يزيد الكناسي معتبرة على الظاهر. إذن، يوجد قولان في سند هذه الرواية؛ أحدهما ضعف سند الرواية، والآخر اعتبار سندها.
ونحن نرى أنه بناءً على المبنى الذي اخترناه بشأن اعتبار الكتب الأربعة، وأن جميع روايات الكتب الأربعة معتبرة؛ أي الروايات الواردة في (التهذيب)، و(الاستبصار)، و(من لا يحضره الفقيه)، و(الكافي). وهذه الرواية قد نُقلت في (التهذيب) و(الاستبصار)؛ حيث أورد الشيخ الطوسي هذه الرواية في كلا الكتابين. وما يؤيد هذا بشكل خاص هو أن الشيخ الطوسي عادةً ما يُبين الإشكال في السند إذا نقل رواية ضعيفة في كتبه. فمثلاً، إذا كانت الرواية مخالفة لرأيه، فإنه يبيّن الإشكال السندي أو الدلالي لتلك الرواية أو يوجّهها بنحو ما؛ أما فيما يتعلق بهذه الرواية، فلم ينبس الشيخ الطوسي ببنت شفة؛ مع أنه نقلها في (التهذيب) و(الاستبصار). وقد قلنا إن روايات هذين الكتابين معتبرة.
والدليل الآخر الذي يسعه أن يعزز وثاقة يزيد الكناسي، هو رواية الأجلاء عنه؛ فقد روى عنه كبار الرواة أمثال: الحسن بن محبوب، وجميل بن صالح، وهشام بن سالم، وعلي بن الحكم، وعلي بن رئاب؛ والروايات التي نقلوها عنه ليست بالقليلة.
ولذا، فإنه بناءً على هذين الوجهين، يسعنا القول بأن رواية يزيد الكناسي معتبرة ولا يشوبها أي إشكال سندي.
بحث الجلسة القادمة
لقد طُرحت إشكالات حول دلالة هذه الرواية أيضاً، ويتعين علينا الوقوف على هذه الإشكالات ومعرفة الإجابة عنها.