الدرس السادس، المسألة الرابعة، المقام الثاني
الدرس السادس
المسألة الرابعة – المقام الثاني: دراسة اشتراط المصلحة – أدلة اشتراط المصلحة – الدليل الأول – دراسة الدليل الأول – الإشكال الأول – الجواب – الإشكال الثاني – الجواب
25 ربيع الأول 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة تطرقنا في المسألة الرابعة إلى مطلبين؛ أحدهما اشتراط ولاية الأب والجد وصحة تزويج البنت من قبلهما بعدم المفسدة؛ والآخر اشتراط ذلك بالمصلحة. وقد بينا أن هذين المطلبين يُدرسان في مقامين؛ حيث تم الفراغ من المقام الأول، وكانت النتيجة فيه أن ولاية الأب مشروطة بعدم المفسدة، وقد دلت على هذا الاشتراط أدلة ذكرناها، وقبلنا ببعضها ولم نرتضِ البعض الآخر.
المقام الثاني: دراسة اشتراط المصلحة
يقع البحث في المقام الثاني حول اشتراط المصلحة؛ بمعنى هل ولاية الأب والجد في أمر نكاح البنت مشروطة بمراعاة المصلحة من قبلهما، أم لا وجود لمثل هذا الشرط؟ ومن الواضح أن اعتبار المصلحة يقع في مرتبة أعلى من عدم المفسدة؛ إذ قد لا ينطوي التزويج على مفسدة لكنه يخلو من المصلحة في الوقت نفسه، فلا يكون فيه ضرر ولا نفع. فالعقد يمكن أن يكون جامعاً للمصلحة علاوة على خلوه من المفسدة. والبحث هنا يدور حول اعتبار المصلحة، وهل ولاية الأب مشروطة بها أم لا. وقد احتاط الإمام (ره) في متن التحریر احتياطاً وجوبياً حيث قال: «بل الأحوط مراعاة المصلحة». وللمرحوم السيد في المسألة الخامسة من العروة -في الفصل المتعلق بأولياء العقد- التعبير عينه حيث قال: «بل الأحوط مراعاة المصلحة». ولم يسجل محشو العروة حاشية في هذا الموضع نوعاً، ولذا فإن هذا الأمر كأنه موضع وفاق.
أدلة اشتراط المصلحة
يتعين علينا النظر في دليل هذه المسألة؛ وبأي مسوغ قالوا باعتبار المصلحة ولو على نحو الاحتياط الوجوبي؟ ومعنى الاحتياط الوجوبي هو لزوم أن يراعي الأب أو الجد -في مقام تزويج البنت أو الحفيدة من الغير- كون العقد مشتملاً على المصلحة، لا مجرد كونه خالياً من المفسدة فحسب؛ بحيث لو انتفت المصلحة لما نفذ العقد أصلاً. وبعبارة ثالثة: إن ولاية الأب تسقط في فرض عدم مراعاة المصلحة؛ بمعنى أن ثبوت هذا الحق له في تزويج ابنته لغيرها مشروط بمراعاته للمصلحة. فلا بد من تبيين الدليل على اعتبار هذا الشرط. وقد ذُكر في المقام دليلان عُمدتان.
الدليل الأول
ومفاده أن المصلحة معتبرة في تصرفات الولي في مال المولى عليه؛ والمشهور بين المتقدمين أنه لكي يكون تصرف الأب أو الجد في مال الولد نافذاً، فلا بد من مراعاة المصلحة فيه حتماً. أي إن خلو التصرف من المصلحة يوجب عدم نفوذه وبطلانه؛ وبتعبير آخر تسقط الولاية. وقد اعتبر مشهور المتقدمين والمتأخرين هذا الشرط في باب الولاية على المال؛ بل ادُّعي في بعض العبارات -كعبارات العلامة في كتاب الحجر من التذكرة- عدم الخلاف بين المسلمين في ذلك. حيث قالوا إن ولاية الأب في أموال الولد وتصرفاته مشروطة بمراعاة المصلحة، وقد ذهب إلى هذا سائر المسلمين وجميع الفرق الإسلامية. ومن ثمَّ تعدّوا من اعتبار المصلحة في الولاية على الأموال إلى النكاح، وقالوا بلزومها فيه أيضاً؛ فكما يعتبر هذا الشرط في الأموال، يلزمهما مراعاة المصلحة في التزويج وإدخال رجل في زوجية ابنتهما.
والسؤال المطروح الآن: ما هو الدليل على اعتبار المصلحة في الولاية على الأموال؟ وبأي وجه اشترطت المصلحة هناك؟ لا بد من دراسة ذلك الدليل لنرى هل يثبت هذا الشرط في التصرفات المالية والولاية على الأموال أولاً أم لا؟ ثم ننظر هل يسوغ لنا استكشاف اعتبار هذا الأمر في النكاح أيضاً من خلال ذلك الدليل؟
والدليل العمدة الذي أقيم في باب الأموال على اعتبار المصلحة هو الآية الكريمة: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). فقد استُدل بهذه الآية في باب الأموال؛ وتقريب الاستدلال بها لاشتراط المصلحة في ولاية الأب والجد على الأموال هو أن الله متعال قد نهى عن أي نحو من أنحاء التصرف والتدخل في أموال اليتيم، حيث فرمود صراحة: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)، وليس المراد من عدم القرب أن لا يمر المرء بجانب أرض اليتيم مثلاً، بل المراد عدم القيام بما يعد تصرفاً في ذلك المال. ثم استثنى بقوله: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، فإذا أردتم التصرف في تلك الأموال، فلا بد أن يكون لذلك التصرف رجحان بالقياس إلى عدمه؛ أي أن يقع فعل يكون فيه نفع لليتيم، ويرجح وجوده على عدمه، وإلا فلا يجوز التصرف. والشيء الذي فيه رجحان لمال اليتيم هو ما تكمن فيه مصلحة اليتيم، وإلا فلو استوى وجوده وعدمه -بأن لا يكون فيه ضرر ولا نفع- لما اندرج تحت استثناء هذه الآية. وعليه، فإن هذه الآية تدل على اعتبار المصلحة في كل نوع من أنواع التصرف في أموال اليتيم من قبل الأب والجد.
ثم قالوا إننا نستكشف من هذه الآية مناطية أي عمل يتعلق باليتيم بمراعاة المصلحة ولو كان نكاحاً. وبعبارة أخرى: إننا نتعدى من اعتبار المصلحة في الولاية على الأموال إلى النكاح؛ فكما يلزم مراعاة هذا الأمر في الأموال فكذا في النكاح؛ لأن العرف يلغي خصوصية المال ويرى عدم الخصوصية له، فلذا يكون النكاح منوطاً بمراعاة المصلحة أيضاً. بل لعل النكاح يكون أهم من الأموال؛ بمعنى أنه إذا لزم مراعاة المصلحة في التصرف في أموال البنت، ففي النكاح والزواج -الذي هو قطعا أشد أهمية من الأموال- يلزم مراعاتها بطريق أولى. أي إن هذا التزويج لا ينبغي أن يقتصر على خلوه من المفسدة، بل يجب أن ينطوي على مصلحة ونفع، وإلا فلن يشمله استثناء الآية (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) المسوغ للتصرف، ويبقى تحت طائلة ذلك النهي.
هذا هو تقريب الاستدلال بالآية في باب الأموال، ومن ثمَّ استثمار ذلك في أمر النكاح.
دراسة الدليل الأول
أُوردت إشكالات متعددة على الاستدلال بهذه الآية؛ وسأعرض لعدة إشكالات منها ونخضعها للدراسة لنرى أولاً هل تثبت هذه الآية بنفسها هذا الشرط في باب الأموال أم لا؟ وثانياً لو ثبت هذا الشرط في الولاية على الأموال، فهل يصح تسريته إلى النكاح واعتباره فيه أم لا؟
الإشكال الأول: ومفاد هذا الإشكال أن الآية وردت في اليتيم؛ حيث تقول: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)؛ ومن كان له أب فلا يطلق عليه اليتيم. ولذا فإن الآية أجنبية أساساً عن تصرفات الأب وتختص بتصرفات الجد، فلا تشمل تصرفات الأب حتى في باب الأموال. فكأن الآية تخاطب الجد (أو كل من له الولاية غير الأب) وتقول له إن كان تحت ولايتك يتيم -وهو من لا أب له- فاحفظ أمواله ولا تتصرف فيها ولا تقربها إلا بالتي هي أحسن. فهذا لا يشمل تصرفات الأب وولاية الأب أصلاً.
الجواب: إن هذا الإشكال لا يمس جوهر المسألة؛ لأنه لا يخدش في أصل الاستدلال وإنما يفرّق بعدم شموله للأب، ولذا فهو قابل للدفع؛ كما أجاب عنه بعض الفقهاء ومنهم المرحوم السيد الخوئي حيث أفاد: أنه مع اليقين بعدم الفصل بين الأب والجد يمكننا إتمام الاستدلال. وحيث قالوا إنه لم يفصل أحد بين الأب والجد، فقد ادُّعي من جهة أخرى الاتفاق بين المسلمين على قبول هذا الشرط في مورد الأموال، ولم يقل أحد باعتياره في حق الجد دون الأب؛ فلدينا يقين بعدم الفصل والفرق بين الأب والجد؛ بمعنى أن كل من قبل بأصل هذا الاشتراط فقد التزم به في حق الأب والجد معاً. وهذا أمر متسالم عليه؛ فإما أن نقبله في كليْهما أو نرفضه فيهما معاً. فلو كان ممنوعاً في حق الجد من هذه الجهة لكان ممنوعاً في حق الأب أيضاً، ولو كان جائزاً في حق الجد فهو جائز في حق الأب كذلك؛ فالجد يلزمه مراعاة المصلحة والأب كذلک. وكما أسلفنا فإن هذا الإشكال ليس بذاك الأهمية.
الإشكال الثاني: ومفاده أن الآية في حد نفسها لا يستفاد منها اعتبار المصلحة ولزوم مراعاتها في التصرف في أموال المولى عليه ولا دلالة لها على ذلك؛ بل غاية ما تدل عليه هو رجحان هذا الأمر، وبتعبير آخر تُحمل الآية على الاستحباب. فإن قوله: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) يعني إن أردتم التصرف في أموال اليتامى فالأفضل أن تلاحظوا المصلحة؛ وإلا فبمجرد خلوه من المفسدة يكون كافياً، ويكفي هذا المقدار في عدم تضرر اليتيم، ولا يجب أن تكمن فيه مصلحة حتماً. لأنه لو أردنا استكشاف لزوم مراعاة المصلحة من هذا الدليل والآية للزم منه تالي فاسد. ودققوا جيداً في وجه حملهم الآية على الاستحباب والرجحان؛ إذ يقولون لو كانت مراعاة المصلحة لازمة، لتعين على الولي -في المورد الذي يتردد فيه بين تصرفين يكون أحدهما أكثر مصلحة من الآخر- اختيار ما هو أكثر مصلحة حتماً. فلو كان لزوم مراعاة المصلحة ثابتاً، لما ساغ للولي أن يقول: إن ذلك وإن كان أعلى مصلحة إلا أنني سأختار هذه المصلحة الأدنى؛ فلا يسعه فعل ذلك. ومع وجود مصلحة أقوى لا يجوز له ملاحظة المصلحة الأدنى؛ وهذا تالٍ لم يلتزم به أحد. بمعنى أنه لم يحكم أحد بلزوم مراعاة المصلحة الفضلى بالقياس إلى المصلحة الدانية؛ بل قالوا يكفي اشتماله على المصلحة؛ فلو كانت إحداهما أعلى والأخرى أدنى فاختار الأدنى لم يكن فيه بأس. فلذا لا تدل هذه الآية على لزوم مراعاة المصلحة حتى في باب الأموال فضلاً عن النكاح؛ بل تفيد الرجحان فحسب. في حين أن بحثنا لا يدور مدار الرجحان أصلاً بل يقع في اللزوم.
الجواب: إن هذا الإشكال قابل للرد أيضاً؛ لأن سياق الآية والآية السابقة عليها يمنعان من الحمل على الرجحان والاستحباب. والآية السابقة هي قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، فالآية السابقة تحدثت بصراحة عن المحرمات وما هو حرام؛ كمسألة قتل النفس، وقرب الفواحش، والشرك؛ حيث قرنت الشرك بالله بتلك المحرمات، وذكرت في آية أخرى من سورة الإسراء قتل الأولاد والزنا. وحينما تتحدث الآية عن المحرمات الإلهية وتعقبها بقولها: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، فلا يسعنا حمل هذه الآية على الاستحباب؛ بمعنى أن للخروج عن النهي شرطاً واحداً وهو ملاحظة المصلحة وإلا وقع تحت طائلة النهي، لا جواز غير الراجح. وبناءً عليه فإن الإشكال الثاني مندفع أيضاً.
بحث الجلسة القادمة ثمة إشكال آخر متبقٍ وهو أهم من هذين الإشكاليْن السابقين؛ وسنعرض لتبيينه ودراسته في الجلسة المقبلة إن شاء الله تعالى.