The news is by your side.

الدرس السابع والثمانون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس السابع والثمانون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب السادس: دراسة شمول حديث الرفع لموارد العلم الإجمالي – المطلب السابع: دراسة شمول حديث الرفع للحكم التكليفي الضمني – مبنيان في المسألة – الحق في المسألة

19 شعبان 1447 هـ

المطلب السادس: دراسة شمول حديث الرفع لموارد العلم الإجمالي

كان البحث يدور حول نطاق حديث الرفع. وقد أشرنا حتى الآن إلى عدة جهات تتعلق بنطاق حديث الرفع، واتضحت زوايا من مدلول هذا الحديث.
ومن المطالب الأخرى المتعلقة بنطاق حديث الرفع، هو هل يشمل حديث الرفع موارد العلم الإجمالي أم لا؟ فمثلاً، هل «مَا لَا يَعْلَمُونَ» المرفوعة وفقاً لهذا الحديث، تعني «مَا لَا يَعْلَمُونَ» تفصيلاً، أم أنها أعم من «مَا لَا يَعْلَمُونَ» إجمالاً وتفصيلاً؟
وعلى أي حال، توجد في موارد العلم الإجمالي جوانب من عدم العلم، ولهذا السبب يُسمى بالعلم الإجمالي في مقابل العلم التفصيلي الذي تكون فيه جميع الأمور معلومة، ولكن في العلم الإجمالي تبقى جهة مجهولة في النهاية. فعلى سبيل المثال، عندما لا تعلمون ظهر الجمعة هل تجب صلاة الجمعة أم صلاة الظهر، فإن هذا التردد نفسه يُعد مجهولاً؛ ورغم أن أصل التكليف بصلاة ما في يوم الجمعة متيقن، إلا أنه من غير المعلوم هل هذه الصلاة هي صلاة الجمعة أم صلاة الظهر.
والآن، السؤال المطروح هو: هل يجري حديث الرفع في الموارد التي يكون لدى الإنسان فيها علم إجمالي أيضاً؟ فهل يمكن تطبيق حديث الرفع بالنسبة لذلك التكليف والحكم الذي يثبت في نطاق العلم الإجمالي أم لا؟
فعلى سبيل المثال، في المورد الذي يكون فيه لدى الإنسان علم إجمالي بدوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، أو بين الإتيان بصلاة الجمعة أو صلاة الظهر؛ فهل يمكنه بالاستناد إلى حديث الرفع أن يقول: بما أن تكليفنا يوم الجمعة غير معلوم تفصيلاً، إذن يُرفع حكم صورة العلم الإجمالي أيضاً؟ ففي موارد العلم الإجمالي، يجب الاحتياط بناءً على حكم العقل. فلو كان لدينا علم إجمالي بأصل التكليف، ولكن المكلف به غير معلوم، فإن العقل يحكم بوجوب الاحتياط. فهل يمكن لحديث الرفع أن يرفع هذا الحكم؟ كما هو الحال في شكنا في أصل وجوب صلاة الجمعة، فلو لم يكن أصل وجوب صلاة الجمعة معلوماً لدينا، فإن حديث الرفع يقول «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، فيُرفع حكم الوجوب. ولكن لو ترددنا بين صلاة الظهر وصلاة الجمعة، فهل يمكن لحديث الرفع أن يرفع أصل الوجوب؟
هنا، ونظراً لقولنا بأن هذا الرفع ظاهري، فلو أردنا القول بجريانه، فيجب أن نقول إن الاحتياط ليس واجباً. ولكن يجب أن ندرس: هل يمكن للشارع أن يرفع الاحتياط؟
لقد قيل مراراً إن الشارع لا يمكنه رفع حكم إلا إذا كان هو نفسه من جعله. فإذا كان وضع شيء بيد الشارع، فإن رفعه بيده أيضاً. أما إذا لم يكن وضع شيء بيد الشارع، فمن الواضح أن الشارع لا يمكنه رفعه. والأمر هنا كذلك؛ لأن العقل يحكم بوجوب الاحتياط. وبناءً عليه، وبما أن الشارع لا يُعد جاعلاً لهذا الحكم، فلا يمكنه إذن أن يكون رافعاً له أيضاً.
وبناءً على هذا، يجب القول إن حديث الرفع لا يجري في موارد العلم الإجمالي.
السؤال: …
الأستاذ: لا فرق في هذا؛ لأننا أثبتنا سابقاً عموم حديث الرفع للشبهات الحكمية والموضوعية معاً. ولذا فالنتيجة واحدة من هذه الجهة أيضاً… المقصود من العلم الإجمالي هو أن حديث الرفع لا يشمل ذلك الجهل المرتبط بالعلم الإجمالي، ولا يقول: بما أن المكلف به غير معلوم لك، إذن يُرفع حكمه. وهذه مسألة واضحة.

المطلب السابع: دراسة شمول حديث الرفع للحكم التكليفي الضمني

يوجد نقاش حول شمول حديث الرفع للأحكام الوضعية؛ ويُطرح هذا السؤال: هل يشمل حديث الرفع الأحكام الوضعية أساساً أم يختص بالأحكام التكليفية؟ ولكن من المسلم به أن حديث الرفع يجري في الأحكام التكليفية. وبعبارة أخرى، إن القدر المتيقن من الأحكام التي تُرفع بواسطة حديث الرفع، هو الأحكام التكليفية.
بيد أن الأحكام التكليفية تنقسم إلى قسمين: قسم هو الأحكام التكليفية الاستقلالية، والقسم الآخر هو الأحكام التكليفية الضمنية. والآن، البحث في أن هل حديث الرفع يختص بالأحكام التكليفية الاستقلالية أم يشمل الأحكام التكليفية الضمنية أيضاً؟
الأحكام التكليفية الاستقلالية، كوجوب صلاة الجمعة، ولزوم الدعاء عند رؤية الهلال، والكثير من الأحكام الأخرى، أو حرمة شرب التبغ.
والأحكام التكليفية الضمنية تتعلق بالمركبات التي لها أجزاء وشرائط. كالصلاة المشتملة على بعض الأجزاء والشرائط. والآن، لو شككنا في جزئية السورة، فهل يمكننا نفي جزئية السورة بحديث الرفع أم لا؟ إن ذلك البحث الذي ذكرناه سابقاً بالمناسبة، هو في الواقع من ملحقات وتتمة هذا البحث نفسه.

مبنيان في المسألة

والآن، لماذا طُرح مثل هذا البحث بالنسبة للأحكام التكليفية الضمنية، وهل تشملها أيضاً أحاديث الرفع أم لا؟ أي هل تُنحى الجزئية والشرطية في حالات الاضطرار، والنسيان، والخطأ، وأمثال ذلك؟
منشأ الشبهة في هذا الصنف من الأحكام التكليفية هو أن البعض يرى أن الأحكام التكليفية الضمنية ليس لها أمر مستقل، والشيء الذي ليس له أمر مستقل، لا معنى لرفعه. فمثلاً، يرى المرحوم الآخوند في مورد المركبات كالصلاة، أن الأمر بالمركب لا ينحل إلى أمر بالأجزاء ولا انحلال في البين أصلاً. فللمركب أمر واحد؛ وهو الصلاة، وجميع هذه الأجزاء والشرائط معاً، قد وقعت موضوعاً للأمر؛ أي أن الأمر قد تعلق بهذا المركب ذي الأجزاء والشرائط. ولذا، فمن المؤكد أن الأجزاء والشرائط ليس لها أمر مستقل. فليس الأمر بحيث نعتبر الأمر بأي مركب منحلاً إلى أوامر متعددة بالأجزاء والشرائط؛ فهو لا يقبل بهذا.
ولكن في المقابل، يرى المشهور أن الأمر بالمركب ينحل بعدد أجزاء ذلك المركب. أي لو قلنا إن للصلاة عشرة أجزاء، فإن الأمر بالصلاة ينحل إلى عشرة أوامر، بحيث يكون لكل جزء أو شرط أمر.
وبناءً على رأي المرحوم الآخوند، فإن حديث الرفع لا يشمل الأوامر المتعلقة بالأجزاء والشرائط. وبعبارة أخرى، لا توجد أوامر للأجزاء والشرائط أصلاً حتى تقع مشمولة لحديث الرفع. فيمكن لحديث الرفع أن يرفع الحكم نفسه، ولكنه لا يكون فاعلاً بالنسبة للأجزاء والشرائط.
إذن، فبحث هل يشمل حديث الرفع الأحكام التكليفية الضمنية أيضاً، فضلاً عن الأحكام التكليفية الاستقلالية أم لا، ينشأ من هنا: هل لدينا أساساً أوامر ضمنية بالنسبة للأجزاء والشرائط أم لا؟ فلو قلنا بتعلق أمر ضمني بالجزء والشرط، فإن حديث الرفع يمكن أن يجري؛ لأننا عندما نقول «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، يعني يُرفع ذلك الأمر والحكم الذي لا تعلمونه. فالأمر والحكم بالنسبة للجزء، كالسورة غير المعلومة، مرفوع.
أما لو قلنا إنه ليس لدينا أوامر ضمنية وللمركب أمر واحد فقط (الأمر بمجموع الأجزاء والشروط)، فقهراً لا يجري حديث الرفع بالنسبة لتلك الأجزاء والشرائط بعد ذلك. فحديث الرفع يرفع الحكم والأمر. وبناءً على مبنى المشهور، يوجد أمر وحكم، غاية الأمر أنه بنحو ضمني. ولذا يمكن لحديث الرفع أن يرفع لنا ذلك الجزء المشكوك أو المجهول.
وبناءً عليه، لو قلنا بانحلال هذه الأوامر إلى أمر استقلالي وأمر ضمني بالأجزاء (كما أن المشهور على هذا القول)، ففي هذه الحالة يمكننا القول إن حديث الرفع يجري بالنسبة للأجزاء والشرائط أيضاً. أما لو لم نقل بالانحلال، فقهراً لا يمكن لحديث الرفع أن يجري؛ لأننا أساساً ماذا نريد أن نرفع؟ وما الذي يريد حديث الرفع رفعه؟ فلا يوجد أمر وحكم بالنسبة للأجزاء والشرائط حتى يُراد رفعه.

الحق في المسألة

والآن، هل بناءً على القول بعدم الانحلال الذي أفاده المرحوم الآخوند، لا يمكن لحديث الرفع أن يجري؟ وهل حقاً يمكننا حصر جريان حديث الرفع في موارد الأمر الاستقلالي فقط؟
كما قيل، فإن جريان حديث الرفع يعتمد على وجود أمر؛ سواء كان أمراً ضمنياً أو أمراً استقلالياً. فلو كان الأمر الاستقلالي أو الحكم التكليفي الاستقلالي مجهولاً، رفعه حديث الرفع. ولو كان الحكم التكليفي الضمني مجهولاً، رفعه حديث الرفع أيضاً. ولكن، هل يمكننا القول بجريان حديث الرفع بالنسبة للأجزاء، بناءً على مبنى القائلين بعدم الانحلال والذين يرون أن ليس لدينا أمر ضمني بالنسبة للأجزاء والشرائط ولدينا أمر واحد فقط تعلق بالكل؟
إن مقتضى التحقيق هو أنه لا مانع من جريان حديث الرفع. فحديث الرفع يريد رفع الحكم الشرعي. والحكم الشرعي تارة يكون مثلاً حكم وجوب أصل الصلاة الذي وضعه بيد الشارع ورفعه بيده أيضاً ويمكنه رفعه. فلو كانت هذه الصلاة ذات أجزاء وشرائط (مثلاً هذه الصلاة لها عشرة أجزاء) وكان مبنانا هو أن الأجزاء والشرائط ليس لها أمر منفصل أو تبعي وضمني وليس ثمة سوى أمر واحد هنا (وهو الأمر بالصلاة) ولا دخل لأمر أو حكم آخر، فهل يمكن لحديث الرفع أن يرفع جزئية الجزء غير المعلوم أو المشكوك؟
صحيح أن الشارع لم يجعل الجزء مأموراً به بشكل مستقل، ولكن في النهاية عندما يجعل مركباً مأموراً به ويقرر له مجموعة من الأجزاء والشرائط، يمكننا القول: إن وضعه ورفعه مآلاً بيد الشارع.
السؤال: …
الأستاذ: هذا يرجع إلى ذلك البحث الذي طرحناه سابقاً وأجلناه للمستقبل: هل يمكن للشارع أن يرفع الجزء أم لا؟.. السؤال هو: هل يمكن للشارع أن يوجب صلاة بتسعة أجزاء أم لا؟ قطعاً يمكنه ذلك. يمكنه فعل ذلك. إذن فوضع الجزء العاشر، وإن كان في قالب إيجابه لهذا الكل، هو بيد الشارع ولذا فرفعه بيد الشارع أيضاً. فالشارع الذي أوجب صلاة ذات عشرة أجزاء، يمكنه إيجاب صلاة ذات تسعة أجزاء. أي يخرج ذلك الجزء العاشر من هذا المركب. فأي إشكال في ذلك؟ ولماذا يجب أن نقول حتماً يجب أن يكون هناك أمر استقلالي؟ أساساً لماذا يجب أن نقول… أحياناً يتدخل العقل… البحث هو: ما هو ذلك المأمور به ومطلوب الشارع؟ الآن أصبح ذا تسعة أجزاء… فلو عرض النسيان، هل يصبح المأمور به ذا تسعة أجزاء؟ الشارع كان قد جعل المأمور به ذا عشرة أجزاء حتى الآن، وفي فرض النسيان، جعله ذا تسعة أجزاء. فأي إشكال في هذا؟ فقد رفع حكم وجوب الصلاة ذات العشرة أجزاء، وإن قلنا بعدم تعلق أي أمر بالأجزاء.