الدرس الثالث والثمانون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الثالث والثمانون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثالث: دراسة اختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية وشموله للأمور العدمية – بقية كلام المحقق النائيني – دراسة كلام المحقق النائيني – الإشكال الأول (للمحقق العراقي)
12 شعبان 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
كان البحث في أن المراد من “ما” الموصولة المتعلقة بالأمور التسعة، هل يشمل الأمور العدمية والتروك أيضاً أم لا؟
وقد بينا أن المحقق النائيني استدل على عدم شمول حديث الرفع للأمور العدمية والتروك. وذكر دليلاً على ذلك محصله أن “الرفع” في مقابل “الوضع” يعني تنزيل الموجود منزلة المعدوم؛ لأن “الوضع” يعني تنزيل المعدوم منزلة الموجود، وهذا لا يمكن أن يقع متعلقاً للرفع. كما قدم شاهدين ودليلين على ذلك، ولا سيما فيما يتعلق بالجزء المنسي في الصلاة، حيث قال لو قرأ شخص الصلاة بلا سورة، كأن يتركها نسياناً مثلاً، فإن حديث الرفع لا يجري هنا ولا يمكنه رفع آثارها. وقد بيّن هذه المسألة بملاحظة الجزء نفسه وبملاحظة كل المركب معاً؛ ففي كلتا الحالتين لا يجري هذا الحديث، سواء أُريد رفع آثار الجزء المنسي نفسه أو آثار كل المجموع والمركب. ولذا، فإن الرفع لا يشمل التروك والأمور العدمية.
بقية كلام المحقق النائيني
لقد تابع سماحته بحثاً حول الصلاة بتفصيل أكبر، وسنذكره إن شاء الله. وأشير فقط إلى أن المرحوم النائيني يقول: لقد قال البعض لو نُسي جزء كالسورة في الصلاة، فإن حديث الرفع يرفع جزئية السورة، فـ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ» ينفي جزئية السورة للصلاة. ثم يشكل عليهم بأنه لا معنى لرفع الجزئية أصلاً؛ لأن الجزئية ليست أمراً شرعياً.
فهو يرى أنه بما أن الجزئية لا تقبل الوضع، فهي لا تقبل الرفع أيضاً؛ لأن الجزئية ليست أمراً شرعياً في الأساس. بل الجزئية هي شيء ينتزعه المكلف نفسه عندما يلاحظ أن الصلاة مأمور بها، وأنها تتألف من أجزاء وشرائط؛ فالصلاة مثلاً تشتمل على سورة وتكبير وقيام وركوع وسجود وسلام. ولأجل الصلاة، يجب استقبال القبلة والوضوء. فعندما يلحظ المكلف نفسه هذه الأمور، فإنه ينتزع منها الجزئية أو الشرطية. وهذا أيضاً حكم العقل. فالعقل عندما يرى هذه المجموعة، يستنتج أن هذه الأمور يجب أن تكون لها جزئية بالنسبة لذلك الكل؛ أي يجب أن تُعد جزءاً من هذا الكل. أما الأمر الذي يُتصور خارج ماهية هذه المجموعة، فيجب اعتباره شرطاً؛ أي يجب أن يتصف بالشرطية. ولذا، فإن الأمور التي ليس وضعها بيد الشارع، لا يمكن للشارع أساساً أن يرفعها أو يزيلها. وبناءً عليه، فإن قول البعض بأن حديث الرفع يرفع جزئية السورة أو أي جزء منسي ومتروك، ليس قولاً صحيحاً. والأمر كذلك بالنسبة للشرطية. لأن هذا أساساً ليس من عمل حديث الرفع.
وفي المقابل، يرى البعض أن حديث الرفع يرفع جزئية أو شرطية بعض الأجزاء؛ كالجزء المنسي، أو الجزء المُضطر إليه، أو الجزء المُكره عليه، ولكنه لا يقبل هذا الرأي.
ويقول: لو أدى شخص الصلاة بلا سورة نسياناً، ثم تبين لاحقاً أنه لم يأتِ بالسورة، فلا يمكن تصحيح هذه الصلاة بالاستناد إلى حديث الرفع، بل يجب تصحيحها بحديث «لَا تُعَادُ».
وعلى أي حال يقول: بدلاً من محاولة تصحيح هذه الصلاة بلا سورة بحديث الرفع، فإننا نصححها بحديث «لَا تُعَادُ»؛ لأن «لَا تُعَادُ» يحكم بعدم لزوم إعادة الصلاة إلا في تلك الموارد الخمسة المعينة. والسورة ليست من ضمن هذه الموارد؛ لذا تصح الصلاة ولا تحتاج إلى إعادة بعد ذلك… .
الآن يجب أن يتضح كيف يريد أن يؤثر. فلو نُسي فعل (كما قلنا في مورد من نذر شرب الماء فأجبروه على تركه) فالبحث يدور حول الأمور العدمية. فلو حصل إكراه أو اضطرار على الترك، نريد أن نرى هل يجري حديث الرفع هنا أم لا؟ فالبحث هنا أيضاً حول الجزء. فإلى الآن كان البحث حول الفعل نفسه؛ أي الأفعال الوجودية والعدمية. وبمناسبة كلام المحقق النائيني، انجر البحث إلى موضوع الجزء والشرط، بأنه لو تُرك جزء، فهل يمكننا بحديث الرفع قبول هذا العمل والعبادة بدون ذلك الجزء واعتباره صحيحاً أم لا؟ وهو يقول إن جماعة قد تمسكوا بحديث الرفع قائلين بأنه يرفع جزئية السورة، ولذا فلا إشكال في الصلاة بلا سورة. وكلام السيد النائيني هو: كلا، لا يمكن لحديث الرفع أن يفعل شيئاً في هذا المورد؛ فلا يمكنه نفي جزئية السورة. وإذا أردنا تصحيح هذه الصلاة، فيجب أن نصححها بحديث «لَا تُعَادُ».
ويقول: وشاهدنا أيضاً هو أنه لم يتمسك أحد بحديث الرفع في مورد من نسي السورة في الصلاة. لأن هذا الجزء المنسي لا يخرج عن حالتين: إما أن يكون جزءاً ركنياً أو غير ركني. فلو كان الجزء المنسي ركنياً، لوجب الإتيان به قبل الدخول في ركن آخر؛ أما لو انتقل من هذا الجزء الركني المنسي إلى ركن آخر، فالصلاة باطلة (فلو تُرِك ركن لأي سبب كان، ولو عن نسيان، فالصلاة باطلة). ولو كان الجزء غير ركني، فلا يمكننا حله بحديث الرفع بالدليل نفسه الذي بيّنّاه. وعلى أي حال، هذا مطلب كلي ونظرة عامة على البحث سنتوسع فيها تدريجياً إن شاء الله.
ثم يقول: نعم، يمكننا التفريق بين الجزء والشرط والمانع. ففي الجزء والشرط، لا يكون حديث الرفع فاعلاً. فمثلاً لو نُسي جزء أو نُسي شرط، فلا يمكن لحديث الرفع أن يتدخل بالنسبة لهذا الجزء أو الشرط المنسي وينفي الجزئية أو الشرطية. أما بالنسبة للمانع، فإنه يجري. لأن المانع أمر وجودي.
وفي الحقيقة، فإنه ينهي أصل المسألة إلى أنه لو نُسي الجزء أو الشرط، فلا يمكن الاستناد إلى حديث الرفع؛ لأنهما أمران عدميان، وحديث الرفع لا يشمل الأمور العدمية. أما عندما يدور الحديث عن المانع، فإن المانع هو دائماً أمر وجودي (أي فعل). فلو فرضتم حصول نسيان بالنسبة للمانع؛ بمعنى أنه كان يعلم مثلاً بعدم جواز استخدام الحرير في الصلاة ولكنه استخدمه؛ أي أنه نسي المانع وأدخله في الصلاة. فهنا يقول بجريان حديث الرفع، لأنه أمر وجودي. وحينئذٍ إذا كان أمراً وجودياً، فيمكن أن يكون رفعه بمعنى تنزيل الموجود منزلة المعدوم.
دراسة كلام المحقق النائيني
لقد أُوردت إشكالات على كلام المحقق النائيني، ومن ضمنها إشكالات المحقق العراقي. فقد أورد إشكالاً على المرحوم النائيني:
الإشكال الأول (للمحقق العراقي)
إن قول المحقق النائيني بأن الرفع عبارة عن “تنزيل الموجود منزلة المعدوم”، ليس قولاً صحيحاً. فلماذا فسر الرفع بهذا المعنى؟ قال المحقق النائيني إنه بما أن “الوضع” يعني “تنزيل المعدوم منزلة الموجود”، فإن “الرفع” أيضاً، بقرينة معنى الوضع، يعني “تنزيل الموجود منزلة المعدوم”. ولكن هذا القول غير صحيح. فلو تأملنا حقيقة الرفع بالنظر إلى العالم الذي يقع فيه، لوجدنا أن له معنى آخر تماماً.
فـ “الرفع” في عالم التكوين، معناه واضح؛ وهو جعل الموجود معدوماً. وفي المقابل، فإن “الوضع” و”الجعل” في عالم التكوين، يعني إيجاد ما لم يكن موجوداً؛ أي جعل المعدوم موجوداً. ولم يعد هناك تنزيل. فحقيقة لا يوجد تنزيل في عالم التكوين. فعندما توجد شيئاً وتجعله، فذلك يعني أنك تخرجه من العدم إلى الوجود. والرفع أيضاً، بالمناسبة، يحمل المعنى نفسه في عالم التكوين؛ أي جعل الموجود معدوماً. فلو أعدمت شيئاً موجوداً، سواء بنقله من مكانه أو غير ذلك، فهذا هو الرفع. أما في عالم التشريع، فالرفع ليس حقيقياً؛ بل هو ادعائي. والرفع الادعائي يعني أن ذلك الشيء المرفوع غير متحقق في عالم التشريع. وعدم تحقق شيء في عالم التشريع يعني أن هذا الشيء ليس موضوعاً للأحكام الشرعية. ولا يحمل معنى أكثر من هذا. فلو نُفي شيء في عالم التشريع، فذلك يعني أن هذا الشيء لا يقع موضوعاً للحكم الشرعي. وهذا هو معنى الرفع.
ولو قلنا إن الرفع بهذا المعنى، فإنه سيشمل الأمور العدمية والأمور الوجودية معاً. فشموله للأمور الوجودية واضح؛ فالشيء الذي يُعد من الأمور الوجودية، إذا رُفع في عالم التشريع، فهذا يعني أن ذلك الأمر الوجودي لم يعد موضوعاً للحكم الشرعي. ولا نقاش في هذا إلى هنا. والآن، لو كان ما يُرفع هو أمر عدمي، فإن هذا الأمر العدمي أيضاً لو أُريد رفعه في عالم التشريع برفع ادعائي، فذلك يعني أن هذا الأمر العدمي لم يعد موضوعاً للحكم الشرعي. فما هو المحذور في ذلك؟ وأي مشكلة في ألا نجعل أمراً عدمياً موضوعاً لحكم شرعي؟ فقد كان الأمر العدمي موضوعاً لحكم شرعي سابقاً؛ أما الآن فلم يعد كذلك. فعالم التشريع هو عالم الاعتبار. ولا مشكلة في ذلك.
ولذا ففي نفس المثال المتعلق بترك شرب ماء الفرات عن إكراه (في حين أن شرب ماء الفرات كان متعلقاً للنذر، فلو أُكره شخص على هذا الفعل (أي على هذا الترك)، أي قيل له لا يحق لك، أو أُجبر بطريقة ما على عدم شرب ماء الفرات)، فمعنى رفع هكذا ترك هو أن هذا (الترك) لم يعد موضوعاً للحكم الشرعي. فالحكم الشرعي الذي كان يمكن أن يترتب على هذا الترك، كان أولاً: الحرمة (حرمة ترك شرب ماء الفرات بسبب مخالفة النذر)؛ وثانياً: ثبوت الكفارة، فمن لم يلتزم بنذره وجبت عليه الكفارة. فعندما يُكره على ترك هذا الماء، يخرج هذا (الترك) أيضاً عن كونه موضوعاً لحكم لزوم الكفارة.