الدرس الثامن والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الثامن والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثاني: دراسة اختصاص وعدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعية – الطرق الخمسة – الطريق الثاني – الطريق الثالث – الأجوبة عن الطريق الثالث – الجواب الأول ودراسته – الجواب الثاني
5 شعبان 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
كان البحث حول الطريق الثالث من طرق إثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. ومحصّل هذا الطريق هو أننا لو أردنا جعل حديث الرفع شاملاً للشبهات الموضوعية والحكمية، للزم أن يجتمع في الإسناد الواحد إسناد حقيقي وإسناد مجازي معاً. لكن التالي باطل، فالمقدم مثله. وفي الواقع، هذا قياس استثنائي لإثبات الاختصاص. وقد أُجيب عن هذا الطريق بعدة أجوبة.
الأجوبة عن الطريق الثالث
ذكر المرحوم السيد الخوئي جوابين في “مصباح الأصول”، ولدينا نحن أيضاً جواب واحد بناءً على ما بُيّن في الجواب عن الطريق السابق والمقتبس من كلام المرحوم الشيخ الحائري. وبالمجموع سنذكر هنا ثلاثة أجوبة.
الجواب الأول
يقول المرحوم السيد الخوئي: إن هذا الإشكال يَرِد فيما لو كان المراد من الرفع هنا هو الرفع التكويني. فلو كان الرفع في «رُفع ما لا يعلمون» بمعنى الرفع التكويني لورد الإشكال؛ لأن إسناد الرفع إلى الاضطرار أو الإكراه مثلاً (وهي أفعال خارجية) هو إسناد مجازي، ويجب لحاظ تقدير فيه، فيقال مثلاً: إن المراد من «رُفع ما اضطروا إليه» أي رُفع حكم الفعل الذي اضطروا إليه، أو رُفع الحكم الذي أُكرهوا عليه. لأن الفعل نفسه متحقق في الواقع. فالفعل الاضطراري غير قابل للرفع التكويني؛ إذ الكثيرون يأتون بفعلٍ عن اضطرار. لذا، لو قلنا إنه رفع تكويني، لاضطررنا لارتكاب المجاز.
وإذن، بما أن الرفع التكويني لهذه الأمور غير ممكن (فهذه الأمور لا يمكن أن تُرفع بأعيانها تكويناً)، فيجب أن نرتكب المجاز. حينئذٍ ينشأ الإشكال المتمثل في لزوم ارتكاب الإسناد الحقيقي والإسناد المجازي معاً في «ما لا يعلمون».
ولكن لا دليل لدينا على حمل “الرفع” في هذا الحديث على الرفع التكويني لهذه الأفعال نفسها حتى يلزم المجاز. بل المراد من الرفع هو رفع هذه الأفعال عن وعاء التشريع. فما معنى رفع الاضطرار في وعاء التشريع مثلاً؟ وما معنى رفع الإكراه في وعاء التشريع؟ معناه: أن الفعل المُضطر إليه ليس موضوعاً لحكم شرعي. فالمراد من رفع هذه الأفعال عن وعاء التشريع هو رفعها بوصفها موضوعاً للحكم الشرعي. أي لو وقع الفعل الاضطراري، فإنه لا يكون موضوعاً لأي حكم شرعي. ولو وقع الفعل الإكراهي، فلا يكون موضوعاً لأي حكم شرعي. ولذا فإن إسناد الرفع إليها هو إسناد حقيقي. كما أنه لو أُسند الرفع إلى الحكم لكان الإسناد حقيقياً.
في «رُفع ما لا يعلمون»، لو أُسند الرفع إلى الحكم، لكان الإسناد حقيقياً. فرفع الحكم الذي لا نعلمه لا يستلزم أي مشكلة مجازية. ولو كان الإسناد إلى الفعل أيضاً، فرفع الفعل الذي لا تعلمونه يعني أن الفعل الذي لا تعلمونه قد رُفع عن وعاء التشريع؛ ورفع الفعل المجهول في وعاء التشريع يعني أن الفعل المجهول ليس موضوعاً لأي حكم شرعي.
إذن، الإسناد على أي حال هو إسناد حقيقي. وكذلك الأمر في سائر الفقرات؛ ففي «رُفع ما اضطروا إليه» الإسناد حقيقي أيضاً. وفي «رُفع ما استكرهوا عليه» الإسناد حقيقي كذلك. لأن رفع ما اضطروا إليه يعني رفع ذلك الفعل المُضطر إليه بوصفه موضوعاً للحكم الشرعي؛ لأن الفرض هو أن الرفع ليس تكوينياً، بل يُرفع هذا الفعل في وعاء التشريع. ورفع فعل ما في عالم التشريع والتقنين يعني أن هذا الفعل لا يقع موضوعاً لأي حكم شرعي. لذا يصبح هذا الإسناد إسناداً حقيقياً.
دراسة الجواب الأول
إن ما أفاده المرحوم السيد الخوئي، من أنه لو كان الرفع تكوينياً لحصلت هذه المشكلة، أما لو كان بحسب مقام التشريع فلا تحدث أية مشكلة، ليس مما نريد إنكاره. فيمكن أن يكون الأمر كذلك.
ولكن بالنظر إلى المعنى الذي ذكرناه سابقاً لـ “ما” الموصولة في الجواب عن الطريق الثاني، وأن “ما” الموصولة تأتي بمعنى “الشيء المبهم” وأن صلتها توضحها وتبيّنها، ولذا فإن “ما” قد استُعملت في جميع الموارد في معناها الحقيقي نفسه، فلا حاجة بعد ذلك لهذا المسلك والطريق. ومما لا شك فيه أنه يجب علينا أن نعتبر الإسناد هنا مجازياً. وقد قلنا سابقاً: إنه على الرغم من مساعي البعض كالمحقق النائيني لاعتبار هذا الإسناد حقيقياً، إلا أن هذا الإسناد مجازي. ولذا قلنا إننا بحاجة إلى مصحح ويجب أن نأخذ شيئاً في التقدير ليصح هذا الإسناد. وبناءً عليه، وبغض النظر عن إمكان المطلب الذي أفاده، يبدو أن المشكلة تكمن في أن إسناد الرفع إلى “ما” ليس حقيقياً. وقد رددنا دليل المحقق النائيني في ما مضى. ولذا، فإن قوله بأن الإسناد حقيقي في جميع هذه الموارد غير مقبول.
الجواب الثاني
الجواب الثاني للمرحوم السيد الخوئي هو: سلّمنا أن المراد من الرفع هو الرفع التكويني. لكن رفع هذه الأفعال في الحديث إسناد مجازي. ولعل ملاحظته لهذه الجهة هي ما دعاه لتقديم هذا الجواب الثاني؛ لأن الكثيرين لا يقبلون أن يكون هذا الإسناد حقيقياً. ونحن أيضاً، رغم قولنا بأن الرفع ليس رفعاً تكوينياً بل رفع تشريعي، قلنا -مع كونه تشريعياً- إن الإسناد مجازي. فالآن، الجواب الثاني للمرحوم السيد الخوئي هو: سلّمنا أن المراد من الرفع في الحديث هو الرفع التكويني وأن إسناد الرفع إلى الفعل الاضطراري وأمثاله من قبيل المجاز (المجاز في الإسناد والتقدير)؛ أي أن نقول بوجوب أخذ شيء في التقدير؛ فنقول «رُفعت أحكامها» أو «رُفعت آثارها»، ففي هذه الصورة يكون إسناد الرفع إلى هذه الموارد التسعة بأسرها إسناداً مجازياً (لا حقيقياً ومجازياً).
كان التالي الفاسد (أو المقدمة الثانية للقياس الاستثنائي) هو أننا لو اعتبرنا حديث الرفع مختصاً بالشبهات الموضوعية، يلزم منه جمع الإسنادين في إسناد واحد (اجتماع الإسناد الحقيقي والمجازي في إسناد واحد) وهو محال. السيد الخوئي يقول: جميع الإسنادات هنا مجازية (وليست بعضها حقيقية وبعضها مجازية)؛ لأنه صحيح أننا بحسب الواقع، عندما نحلل الإسنادات، نجد بعضها حقيقياً وبعضها مجازياً؛ وهو لا ينكر ذلك (أي لا ينكر أن إسناد الرفع في بعض هذه الموارد التسعة حقيقي وفي بعضها مجازي؛ خاصة حيث يتدخل الفعل. فلو كانت شبهة حكمية فلا مشكلة، ولكن إذا تدخّل الفعل وكان يُراد للرفع أن يكون تكوينياً، فلا بد حتماً من ارتكاب المجاز). ولكن توجد هنا نكتة، وهي أنه يجب علينا التفكيك بين مقام التجزيء والتحليل في الكلام، وبين الكلام نفسه.
فهو يقول: بحسب الإسناد التحليلي بعضها حقيقي وبعضها مجازي؛ أما من جهة الإسناد الكلامي فالإسناد مجازي. كقولنا: «الماء والميزاب جاريان»، فأحدهما مجازي والآخر حقيقي. فالماء يجري حقيقة، أما الميزاب فلا يجري حقيقة، بل نثبت الجريان له باعتبار الماء. وهنا، على الرغم من هذه المسألة، يقولون عن هذا الكلام إنه مجازي. لماذا؟ لأنهم يلحظون المجموع معاً. فلو اشتمل كلام واحد على المجاز والحقيقة معاً، وكان فيه إسناد حقيقي وإسناد مجازي، فغالباً ما يُطلق عليه مجاز من باب التغليب؛ فيقولون بوجود إسناد مجازي فيه. وهنا الأمر كذلك. فإسناد الرفع إلى بعض هذه الفقرات إسناد حقيقي، وإسناده إلى بعضها الآخر مجازي. لكننا عندما ننظر إلى مجموع الكلام، يصبح الإسناد إلى المجموع المكون من تسع فقرات إسناداً مجازياً؛ لأن الإسناد الواحد للمجموع المركب من المجاز والحقيقة يُعد إسناداً واحداً، وهو إسناد مجازي. لأنه يُسند إلى العنوان الجامع. فتارة نريد أن نحلل ونجزّئ كل واحدة من هذه الفقرات والأجزاء على حدة. وعندما ننظر بهذا الشكل، نجد بعضها حقيقياً وبعضها مجازياً. وتارة أخرى نريد أن نلقي نظرة كلية على مجموع هذه الجملة، وهنا لربما نلحظ عنواناً جامعاً (كعنوان “تسعة”، «رُفع عن أمتي تسعة»). ففي النهاية، عنوان “تسعة” هذا هو عنوان جامع ينطبق على جميع هذه الفقرات. وفي صدر الكلام أيضاً أُسند هذا “الرفع” إلى هذا العنوان الجامع. فكيف تحللون قول «رُفعت عن أمتي تسعة»؟ هل تقولون إنه حقيقي أم مجازي؟ لابد من لحاظ نوع واحد من الإسناد. والآن، ننظر إليها واحدة تلو الأخرى، فبعضها حقيقي وبعضها مجازي. ولكن في النهاية تمتلك هذه جميعاً عنواناً جامعاً أيضاً. فـ “الرفع” يعرّف هذا الأمر بوصفه جملة واحدة.
لذا، فالجواب الثاني له هو: لو سُلِّم أن المراد من الرفع هو الرفع التكويني، فجميع الإسنادات مجازية. فليس لدينا نوعان من الإسناد بحيث يكون قسم من الإسنادات حقيقياً وقسم آخر مجازياً.
السؤال: …
الأستاذ: نحن نجيب عن الطريق الثالث… في النهاية لُوحظ بينها عنوان جامع… الآن، قد أُسند الرفع هنا إلى “تسعة”، فما هو هذا الإسناد؟… لا، الآن “الرفع” قد أُسند إلى “تسعة”… ولكن “الرفع” نفسه، هل إسناده في النهاية حقيقي أم مجازي؟ لاحظوا: الجامع هو ما تقولونه… قولوا بدقة، هل تريدون الإشكال على السيد الخوئي أم تريدون تأييد كلامه؟ السيد الخوئي يريد القول: صحيح أنه بحسب اللب والتحليل بعض الإسنادات في هذه الفقرات حقيقية وبعضها مجازية، فعندما ننظر إليها واحدة فواحدة نجد بعضها حقيقياً وبعضها مجازياً. أما بحسب الإسناد الكلامي (لا بحسب اللب والتحليل)، فكأنما يوجد إسناد واحد مؤيده وشاهده هو «رُفع عن أمتي تسعة». إذن هو إسناد واحد في النهاية لو صار الرفع تكوينياً. فهل إسناد الرفع إلى “تسعة”، من حيث كونه كلاماً واحداً، إسناد مجازي أم حقيقي؟ هو يقول إنه مجازي. فنقول: لماذا؟ يقول: لأنه كأنما أُسند الرفع هنا إلى عنوان جامع بين هذه الموارد التسعة، وهو إسناد واحد في النهاية…
فَتَحَصَّل مما ذكرنا كله، أن المشكلة والتالي الفاسد الذي اعتُمد عليه في الطريق الثالث، كان أنه لو لم نعتبر حديث الرفع مختصاً بالشبهات الموضوعية، للزم منه جمع الإسناد المجازي والإسناد الحقيقي في إسناد واحد وهو باطل. إذن، يختص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية.
وقد سعى المرحوم السيد الخوئي في هذين الجوابين لبيان أنه لا يوجد هنا أكثر من إسناد واحد.
فقال في الجواب الأول: هذا الإسناد حقيقي، بناءً على ألا نعتبر “الرفع” رفعاً تكوينياً. والإشكال إنما ينشأ أساساً من اعتبار “الرفع” رفعاً تكوينياً. ففي هذه الصورة لا يوجد هنا سوى إسناد واحد، وهو إسناد حقيقي.
ويقول في الجواب الثاني: سَلَّمنا أن “الرفع” رفع تكويني، فغايته أن الإسنادات مجازية. ولذا لا يوجد سوى إسناد واحد أيضاً.