The news is by your side.

الدرس الرابع والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الرابع والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع -2. “ما” الموصولة – المطلب الثاني: دراسة اختصاص أو عدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعية – الطرق الخمسة – الطريق الأول – إشكال المحقق الخوئي – الطريق الثاني – إشكالات المحقق العراقي – الإشكال الأول – الإشكال الثاني

1 شعبان 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

أوضحنا أنه ينبغي طرح بعض المطالب حول “ما” الموصولة. المطلب الأول كان حول إسناد “الرفع” إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، هل هو حقيقي أم مجازي؟ وإذا كان مجازياً فما هو المصحح لهذا الإسناد؟ وقد خضع هذا البحث للدراسة والموازنة.
المطلب الثاني هو: هل تختص “ما” الموصولة في هذا الحديث بالفعل أم تشمل الأحكام أيضاً؟ بعبارة أخرى، هل يختص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية أم يعم الشبهات الموضوعية والحكمية معاً؟ لأنه لو اختص بالشبهات الموضوعية، فلن يكون مناسباً للاستدلال في مبحث البراءة بعد ذلك.

الطرق الخمسة

قلنا إنه قد تم التمسك بطرق أو قرائن لإثبات الاختصاص بالشبهات الموضوعية أو الفعل الخارجي. وقد ذُكرت خمسة طرق على الأقل، أو ادعى أشخاص مختلفون وجود خمس قرائن تفيد بأن “ما” لا تشمل الأحكام والشبهات الحكمية.

الطريق الأول

الطريق الأول هو أن الرفع والوضع متقابلان، ويتواردان على مورد واحد؛ أي إن الشيء الذي تعلق به الوضع يتعلق به الرفع أيضاً. فالرفع في مقابل الجعل؛ أي الوضع والرفع؛ ومتعلق الوضع هو الفعل، فمثلاً حينما يُقال: الصلاة واجبة، أو يُقال: هذا التكليف لازم عليك، فذلك يعني ثبوت فعل في ذمة المكلف. فالتكليف أصلاً يعني وضع الفعل على ذمة المكلف، فلو قيل لنا: صلاة الجمعة واجبة، فمعنى ذلك أن فعل صلاة الجمعة يثبت في ذمتنا. وكذلك الحرمة لا تختلف، فالحرمة تكليف أيضاً، وتعني ثبوت ترك ذلك الفعل على عاتق المكلف. ولما كان متعلق الوضع والجعل هو الفعل، وكان وضع التكليف وجعله يعني جعل فعل وعمل على عاتق المكلف، فإن الرفع يتعلق بالفعل أيضاً. فالشيء الذي وُضع هو عينه الذي رُفع. فلو كانت صلاة الجمعة قد أُوجبت، فإن رفعها الآن يكون برفع هذا الفعل عن عاتق المكلف.
وبناءً عليه، فإن المقصود من “ما” الموصولة في هذا الحديث هو الأفعال الخارجية، أي الموضوعات نفسها، بمعنى أن ذلك الفعل الذي لا تعلمون به، أو تشكون فيه، أو تجهلونه، قد رُفع عن عاتقكم. ولذا، فهو لا يشمل الشبهات الحكمية.

إشكال المحقق الخوئي

يقول (قدس سره) إن كون هذا الطريق قرينة وشاهداً على الاختصاص بالشبهات الموضوعية، يبتني على أن نعتبر ظرف الرفع والوضع هو ذمة المكلف؛ أي أن نقول: إن الله تبارك وتعالى وضع هذا الفعل في ذمة المكلف. ففي النهاية، يجب أن يقع هذا الوضع في ظرف ما. فلو قلنا إن الوضع معقول بالنسبة لذمة المكلف، وأن الله قد وضع هذا الفعل في ذمة المكلف، فبطبيعة الحال سيتعلق الرفع بهذا الفعل عينه من باب تقابله مع الوضع وتواردهما على مورد واحد.
إذن، فإن هذه القرينة تكون صالحة للاستدلال في حال اعتبرنا ظرف الوضع والرفع هو ذمة المكلف، والحال أن الأمر ليس كذلك. فظرف الوضع والرفع هو شرع الإسلام والشريعة وعالم التشريع. هذا هو ظرف الوضع؛ فالله تبارك وتعالى يقول: في محيط الشريعة والتشريع، قد جعلت هذا الفعل على عاتق المكلفين. وهذه القرينة تقول أيضاً: أنا رفعت هذا الحكم عن المكلفين في هذا المحيط.
إذن، لو اعتبرنا محيط الوضع والرفع هو شريعة الإسلام، فإن متعلق الوضع والرفع سيكون الحكم لا الفعل. فعندما يقول الله تعالى إني جعلت الوجوب والحرمة، وعندما يقول إني وضعت هذه الأمور وجعلتها في محيط الشرع، أي إني جعلت مجموعة من الأحكام؛ فإن رفعها يعني رفع تلك الأحكام عينها. وقرينته أيضاً «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي»؛ فـ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي» تعني: «رُفع التسعة في الشريعة الإسلامية»، أي إن هذه الأمور التسعة قد رُفعت في الشريعة الإسلامية وفي المحيط الديني والتشريعي.
السؤال: …
الأستاذ: ما معنى «أمَّتِي»؟ أي رُفعت هذه الأحكام عن أمتي… فما معنى الشرع أصلاً؟ الشريعة تعني مجموعة الأحكام والمقررات. فهل حقاً نعتبر متعلق الوضع والرفع الأحكام أم الأفعال، أيهما أكثر انسجاماً مع مقام التقنين والتشريع؟
السؤال: …
الأستاذ: ولذا، نقول في جميعها إن الأمر كذلك… وبالطبع فقد ذُكرت قرائن أخرى سنجيب عنها أيضاً، ولكن أن تكون شريعة الإسلام أصلاً مجموعة من الأحكام والمقررات؛ فما هو الشيء الذي يُوضع في هذا المحيط حقاً؟ نعم، المخاطبون هم المكلفون، وهذه الأحكام مجعولة للمكلفين، ولكن هل يجعل الله الفعل على عاتق المكلفين أم الحكم؟… هل يجعل الله هذه الأمور على عاتق المكلفين في محيط التشريع أم أن الناس هم مخاطبو الدين؟ الدين والشريعة هما مجموعة من الأوامر والنواهي، وهذا هو محيط التشريع؛ فيتضح أن هذا ظرف يضع فيه المشرع أشياء باستمرار ويرفع منه أشياء، ولا شأن لنا الآن بمقدار ذلك. فالوضع يعني الجعل، فهل هو غير ذلك؟ وهل يتعلق هذا الجعل بشيء ما؟… جميعها، كالصلاة التي جُعلت، فـ «كُتِبَ» تعني «وَجَبَ»، أي وجبت الصلاة، ولا يقول: “وضعت الصلاة” أو “جعلت الصلاة”؛ واتفاقاً، فإن الآيات عموماً مؤيدة لهذا المعنى وهو أنه يضع الوجوب أو الحرمة، وإن تعلق الوضع بالفعل مباشرة في بعض الموارد، فذلك بلحاظ الحكم ومتعلقه.
ولذا يبدو أن هذا الطريق غير صحيح.

الطريق الثاني

إن وحدة السياق تقتضي أن يكون المقصود من “ما” في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» الفعل الخارجي؛ فـ “ما لا يعلمون من الأفعال الخارجية”، أي إن ما تجهلونه من الأفعال قد رُفع. فمثلاً لدينا سائل لا نعلم هل هو خمر أم خل؟ هل هو خمر أم ماء؟ ونريد شربه ولكننا نشك هل هو شرب ماء أم شرب خمر؟ فالشك في انطباق عنوان هذا الفعل على شرب الخمر أو شرب الماء. فما هي وحدة السياق هذه؟
في سائر فقرات هذا الحديث مثل «رُفِعَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» أو «رُفِعَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» أو «مَا لَا يُطِيقُونَ»، من المسلّم به أن المقصود هو الفعل الخارجي عينه؛ لأن ما يقع عليه الإكراه والاضطرار وأمثالها هو الفعل الخارجي؛ فالإكراه يقع على عمل، ولا معنى للإكراه على الحكم. فـ «رُفِعَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» يعني الفعل الذي اضطررتم إليه، و«رُفِعَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» يعني العمل الذي أُكرهتم عليه. وبما أن المقصود من “ما” في سائر فقرات الرواية هو الفعل، فبقرينة وحدة السياق يكون المقصود في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» الفعل الخارجي أيضاً؛ لأنه لا يمكن أن يكون المقصود هناك الحكم لعدم معنى للاضطرار والإكراه على الحكم، فبقرينة وحدة السياق نقول هنا أيضاً إن المقصود هو الفعل الخارجي.

إشكالات المحقق العراقي

وقد وجه (قدس سره) إشكالين إلى هذا الطريق:

الإشكال الأول

لو كان الملاك هو وحدة السياق، لوجب أخذ جميع الفقرات بعين الاعتبار لا ثلاث فقرات فقط. فما ذكرتموه له معنى بالنسبة لثلاث فقرات، في حين أن لدينا ثلاث فقرات أخرى لا ترتبط يقيناً بالفعل الخارجي إطلاقاً، وهي «الطيرة، الحسد، والوسوسة في التفكر في الخلق»؛ فهذه حالات نفسانية للإنسان ولا علاقة لها بالخارج.
السؤال: …
الأستاذ: هذه حالات، وهي في الواقع ليست فعلاً، فهذا الادعاء بأن “ما” الموصولة تختص بالشبهات الموضوعية والأفعال الخارجية… نحن نريد نفي الاختصاص؛ فنحن الآن من خلال هذا الإشكال لم نأت لندعي أنها تشمل الشبهات الحكمية، بل نريد حالياً رد ادعاء اختصاص “ما” الموصولة بالأفعال الخارجية والشبهات الموضوعية. فـ «الطيرة، الحسد، وسوسة التفكر في الخلق» كلها حالات نفسانية للإنسان ولا علاقة لها بالفعل الخارجي. ولو كانت المسألة مسألة وحدة سياق، لوجب أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار. بعبارة أخرى، ليس لدينا سياق واحد نكون ملزمين بسببه بحمل “ما” في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» على الأفعال الخارجية وتخصيصها بالشبهات الموضوعية.

الإشكال الثاني

لو غضضنا الطرف عن الإشكال الأول وأخذنا وحدة السياق بعين الاعتبار في خصوص هذه الفقرات الثلاث، فهناك مطلب آخر وهو أنه في «مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» و«مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ»، قد تعلق الإكراه والاضطرار بالموصول نفسه. والنتيجة هي أن إسناد المُكره عليه إلى شرب الخمر الإكراهي مثلاً هو إسناد حقيقي، ولم يعد هناك واسطة بين الإكراه وذلك الفعل؛ أو إسناد المضطر عليه إلى شرب الخمر الاضطراري مثلاً هو إسناد حقيقي، وليس لدينا واسطة بين الاضطرار والفعل. هذا واضح. والآن، لو أردنا أخذ وحدة السياق هذه بعين الاعتبار بالنسبة لـ «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، لوجب علينا ادعاء اختصاص «مَا لَا يَعْلَمُونَ» بالشبهات الحكمية؛ وهو النقطة المقابلة للمُستدِل. لأن الجهل في هذا الفرض قد تعلق بحكم ذلك الفعل بشكل مباشر وبدون أي واسطة. فلو قلنا إن الموصول في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» يختص بالشبهات الموضوعية أو حتى ادعينا أنه يشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معاً، فلن يسعنا بعد ذلك نسبة الجهل إلى الفعل نفسه بدون واسطة؛ لأن السائل المشكوك في كونه خمراً أم خلاً، لا يوجد أي جهل في فعله نفسه المتمثل في الشرب. فالمجهول هو أننا لا نعلم هل هذا شرب خمر أم شرب خل.
وبناءً عليه، فلو طُرحت مسألة وحدة السياق، فبتعبيري أنا، سيفسد الأمر. فنحن نرى في هذه الموارد أن الإسناد قد صار حقيقياً؛ فقد أُسند المُضطر عليه حقيقة إلى شرب الخمر الاضطراري، وقِس على هذا الباقي. ولذا، يجب علينا هنا في النهاية الالتزام باختصاص “ما” الموصولة بالشبهات الحكمية، ولا يسعنا الالتزام حتى بكونها أعم من الشبهات الموضوعية والحكمية.
يقول المحقق العراقي: والآن وقد وُجدت وحدة السياق من عدة جهات (فمثلاً نحن نرى من زاويتين وجود وحدتي سياق)، فأيهما نجعله الملاك؟ هل يمكن أخذ كلتيهما بعين الاعتبار؟ هذا غير ممكن لعدم إمكان الجمع بين هاتين الوحدتين في السياق، ولذا نرجع إلى العرف، والعرف يرجح وحدة السياق الثانية.
والنتيجة هي أن هذا يختص بالشبهات الحكمية ولا يشمل الشبهات الموضوعية.

دراسة كلام المحقق العراقي

الحسد والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق، وإن كانت حالات نفسانية، إلا أنه يُطلق عليها عنوان الفعل في نهاية المطاف؛ ففي النهاية هي نوع من الفعل أيضاً، غاية الأمر أن ظرفها هو فضاء النفس. ولذا يمكننا القول بمعنى من المعاني بوجود وحدة سياق، أي إن النظر في جميع الفقرات باستثناء «مَا لَا يَعْلَمُونَ» موجه إلى الفعل، غاية الأمر أن أحدهما فعل جوارحي والآخر فعل جوانحي، ولذا ففي «مَا لَا يَعْلَمُونَ» يُجعل الفعل ملاكاً أيضاً.
إذن، فإن المُدعي الذي ادعى وحدة السياق، نظره موجه إلى الفعل الخارجي لا مطلق الفعل، ومن الواضح أصلاً أن الفعل الجوانحي ليس مقصوداً له…
السؤال: …
الأستاذ: هذا توجيه وتفسير بما لا يرضى به صاحبه. فالمسألة العمدة هي: على ماذا تدل هذه القرائن؟… لقد ادعى أن مسألة الفعل مطروحة في الاضطرار والإكراه ولا يمكن أن يكون الحكم مقصوداً… فيمكن أن يكون متعلق الإكراه والاضطرار هو الفعل الخارجي، ولكن من المؤكد أن الفعل الجوانحي ليس مقصوداً وأصلاً… لقد جعلنا هذه المصطلحات المدرسية… فالرذائل النفسانية هي كلها مكتسبات إنسانية، وسوء الظن وتفكير الإثم كلها من كسب الإنسان، والخطورات الذهنية للإنسان هي كذلك، فهل يمكننا القول إن هذه أفعال؟