The news is by your side.

الدرس الثاني والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الثاني والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع -2. “ما” الموصولة – المطلب الأول: حقيقة الإسناد أو مجازيته – الاحتمالات في الإسناد المجازي – الاحتمال الأول ودراسته – الإشكال الثاني – الاحتمال الثاني – شرح رسالة الحقوق – معنى كون العبادة ذات حق

25 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان البحث يدور حول أنه بالنظر إلى مجازية إسناد الرفع إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ» ولزوم تقدير كلمة تكون مصححة للإسناد، فما هو ذلك المُقدّر؟ وقد قلنا إن هناك احتمالات في هذا الصدد.
الاحتمال الأول كان أن تكون كلمة “المؤاخذة” هي المُقدّرة. وبناءً عليه، يكون معنى الحديث أن المؤاخذة على «مَا لَا يَعْلَمُونَ» مرفوعة. أي يُسند الرفع إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ» ولكن بواسطة المؤاخذة؛ ولهذا السبب أيضاً يكون إسناده مجازياً.
وهذا الاحتمال يواجه عدة إشكالات. وقد بيّنا الإشكال الأول بالأمس. وكان الإشكال الأول هو أن المؤاخذة فعل من أفعال الشارع وهي بيده، وهي أمر تكويني ولا علاقة لها بالمكلف إطلاقاً، وبما أن الرفع هاهنا تشريعي، فلا يمكن أن يتعلق بالمؤاخذة التي هي فعل المولى وأمر تكويني. وقد بيّنا ذلك بالأمس مع “إن قلت” و”قلت” اللتين ذُكرتا في ذيله.
السؤال: …
الأستاذ: لقد قلنا إنه إذا نُفي العذاب، فذلك لأن التكليف لم يثبت ظاهراً لا واقعاً؛ فبناءً على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، يجب أن يكون هناك بعث ليعقبه العذاب، وما لم يكن هناك بعث للرسل فلا عذاب، وما لم يكن هناك بيان للتكليف فلا عذاب. لذا، نُفي العذاب، ولكن نفي العذاب متوقف على عدم ثبوت التكليف، وإلا فلو ثبت التكليف، لثبت العذاب والتأديب أيضاً.
السؤال: …
الأستاذ: نعم، يمكن للشارع أن يُخبر، فهو ليس إنشاءً. فـ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ يُخبر بأننا لا نعذب الأمم السابقة ولا الأمم اللاحقة ولا أنتم ما لم يكن هناك بيان وتكليف. فهو يخبر عن فعله هنا. ويمكنه أيضاً رفع ذلك تكويناً وأن يقول: أنا لا أعذب يوم القيامة ما لم يحصل كذا وكذا؛ فهو يخبر عن فعله، وهذا تكويني لا تشريعي. أما الفرض هنا فهو أن الرفع تشريعي، وهو في الواقع يتحدث عن المكلفين، فـ «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني رُفع ما لا يعلمه الناس؛ “الناس في سعة ما لا يعلمون”. فإذا كان الرفع تشريعياً، وكان «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو ما لا يعلمه الناس أيضاً، فهنا يمكن للشارع أن يقول: أنا أرفع المؤاخذة تشريعاً. فالرفع التشريعي للمؤاخذة على ما لا يعلمه الناس لا معنى له أصلاً، ولا معنى للرفع التشريعي بالنسبة للمؤاخذة التكوينية.

الإشكال الثاني

ظاهر «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو أنه يريد القول إنه لا وجود للشك والجهل والخطأ والإكراه ونظائرها في نطاق التشريع، وظاهرها هو أن ما يرتبط بالمكلفين ويصدق عليه بنحو من الأنحاء أحد هذه العناوين، لا مكان له في عالم التشريع أصلاً، وليس أنه يريد رفع المؤاخذة فحسب.
بعبارة أخرى، المؤاخذة هي في عداد أحد الآثار التي يمكن أن تترتب على أي من هذه العناوين، فعندما يتعلق الرفع بهذه العناوين نفسها، فكأنه يشمل كل ما يرتبط بهذا العنوان، وليس خصوص المؤاخذة. افترضوا وجود آثار مختلفة لكل من هذه العناوين، فإذا أخذنا خصوص المؤاخذة من بين هذه الآثار، فإن هذا يخالف إسناد الرفع إلى هذه الأمور. فلو كانت هناك قرينة على الاختصاص، كأن يُرفع أحد هذه الآثار بنحو من الأنحاء مثلاً، لقبلنا بذلك، ولكن لا توجد قرينة على الاختصاص.
السؤال: …
الأستاذ: اتفاقاً، ماذا تقتضي مناسبة الحكم والموضوع؟ ما هو الحكم وما هو الموضوع؟ الحكم هو الرفع، والموضوع هو الخطأ والنسيان والإكراه، و«مَا لَا يَعْلَمُونَ». والرفع أيضاً رفع تشريعي، ومناسبة الرفع التشريعي مع هذه الأمور لا تنحصر في المؤاخذة. فمناسبة الحكم والموضوع بحسب الظاهر تقتضي رفع الآثار التي ترتبط بنطاق التشريع. بناءً عليه، لا يمكنكم القول بقرينة مناسبة الحكم والموضوع إن المرفوع هو المؤاخذة. إذن، الإشكال الثاني هو أن المؤاخذة هي أحد الآثار المرتبطة بهذه العناوين، والرفع التشريعي الذي يتعلق بهذه العناوين له في الجملة آثار متعددة ترتبط بنحو من الأنحاء بمسألة التشريع. وسنقوم بدراسة جميع الآثار لاحقاً، ولكننا نبحث الآن رفع خصوص المؤاخذة.
السؤال: …
الأستاذ: نقول إنها لا تنحصر في هذا. أي إنه في مقام الرفع التشريعي للآثار التي ترتبط بهذه العناوين، وإن كان لازم رفع هذه الآثار هو عدم المؤاخذة أيضاً، فنحن لا شأن لنا بلازمه، فهذه إشكالات تُطرح أحياناً ولا نقصد حلها هنا، نعم في مسألة الحسد مثلاً، قد يُقال إنه ليس من سنخ هذه الموارد وما علاقته بها؟ فهذه إشكالات يجب الإجابة عليها لاحقاً، فعندما نقول لا توجد مؤاخذة وهو رفع تشريعي، يُطرح تساؤل حول علاقة هذه الأمور بالحسد والوسوسة في الخلق.
السؤال: …
الأستاذ: ليس من المعلوم أن يكون أظهر الآثار. وسوف ندرس الاحتمال الثاني الذي ذكره الشيخ الأنصاري وهو “الأثر الظاهر المتناسب”. واتفاقاً، فإن لكل منها أثراً يتناسب معها، فمثلاً الأثر الظاهر للطلاق هو الصحة. أو الأثر الظاهر لشرب الخمر هو الحد. فحينما يقول إن هذا مرفوع في نطاق التشريع، فهذا يعني أن حده قد رُفع، لذا ليس الأمر بحيث تكون المؤاخذة أظهر الآثار.
وما يؤكد هذا المطلب هو بعض الروايات التي لا تطرح فيها مسألة المؤاخذة أصلاً.
عن أبي الحسن (عليه السلام): «في الرجل يُستحلف على اليمين، فحلف بالطلاق والعتاق والصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال (عليه السلام): لا؛ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وُضع عن أمتي ما أُكرهوا عليه وما لا يطيقون وما أخطأوا…».
فوفقاً لهذه الرواية، بالنسبة لمن أُكره على الحلف بالطلاق أو عتق عبد أو التصدق بشيء من أمواله… (فالأمور التي حلف عليها ليست محرمة، فالطلاق والعتاق والصدقة من الأمور المباحة)، فالبحث يدور حول أنه لما أُلزم بالحلف وكان هناك إكراه، فهل يوجب عليه ذلك إلزاماً أم لا؟ فقال الإمام (عليه السلام): لا. ثم استند إلى هذا الحديث وهو أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فهنا لا معنى لمسألة المؤاخذة أصلاً.
السؤال: …
الأستاذ: كلا؛ فهنا يقول: «أيلزمه ذلك؟»، أي هل تترتب آثاره أم لا؟ يقول إنه لما حلف يجب عليه أن يفعل ذلك، وإذا فعل ذلك فهل له أثر؟ فيقول الإمام (عليه السلام): لا، ولا أثر له… لا يتنافى ولكن… لقد نقلت الرواية لأبين أن خصوص المؤاخذة ليس هو المقصود، ولا يتنافى أن تكون هناك مؤاخذة أيضاً… كان الاحتمال الأول هو أن المُقدّر هو خصوص المؤاخذة، وكان قولنا إن هذا غير ممكن أصلاً، وثانياً إن ظاهر إسناد الرفع إلى هذه الأمور هو أن الآثار المرتبطة بها في الجملة هي المقصودة وليست خصوص المؤاخذة. وقد أوردنا هذه الرواية أيضاً لنبين أن خصوص المؤاخذة ليس هو المقصود، فهذا مورد كانت فيه أمور أخرى على الأقل في الاعتبار أيضاً.
والنتيجة هي أن حديث الرفع لم يرد لرفع خصوص المؤاخذة، وهذا ثابت يقيناً. ويقول الشيخ الأنصاري في الرسائل إن الحلف بطلاق الزوجة وعتاق العبد والصدقة بما يملك باطل حتى في حال الاختيار. فإذا استشهد الإمام (عليه السلام) بهذا الحديث هنا، فهذا يدل على أن حديث الرفع لا يختص بالمؤاخذة.
إذن، الاحتمال الأول مردود.

الاحتمال الثاني

المصحح للإسناد المجازي هو الأثر الظاهر المرتبط والمتناسب مع كل واحد من هذه العناوين. فلا يمكننا القول بشكل عام إنه في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» تُرفع المؤاخذة أو أثر خاص، بل يعتمد ذلك على ما هو «مَا لَا يَعْلَمُونَ»؟ فمثلاً إذا كان «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو حكم شرب الخمر، أو أنه لا يعلم موضوعاً أن هذا خمر، فإن الأثر المرتبط به أو الأثر الظاهر المتناسب معه يُرفع. والأثر المتناسب مع شرب الخمر هو الحد، أي إنه يريد القول إن شرب الخمر الذي لا تُعلم شرائطه حكماً أو موضوعاً لا حد فيه. أو مثلاً الطلاق الذي يقع عن إكراه، وهو نفس «مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، فلكل فعل أثر، فيُرفع الحد عن شرب الخمر الإكراهي، وتُنفى الصحة عن الطلاق الإكراهي. وحتى في هذا بحد ذاته يوجد تفاوت. لذا لا يمكننا القول على نحو الإطلاق إنه تُرفع في موارد «مَا لَا يَعْلَمُونَ» آثار خاصة. ففي كل مورد من موارد الاضطرار و«مَا لَا يَعْلَمُونَ» والإكراه يُرفع الأثر المرتبط به.
السؤال: …
الأستاذ: هذا محل بحث. فالشيخ الأنصاري نفسه استند في الرسائل إلى هذه الرواية. أي إنه أورد هذه الرواية كشاهد على أن الإمام استشهد بهذا الحديث على أنه لا يختص بخصوص المؤاخذة، وحتى لو كان تقيةً، فإنه لا يضر بهذا الاستشهاد. لأن هذا الحديث يريد القول إنه عندما يُكره شخص على الحلف بهذه الأمور، فإنه لا يوجب عليه إلزاماً. وبغض النظر عن هذا الحكم، فإن استشهاد الإمام بهذه الرواية هو ما نقصده، ولا شأن لنا الآن بحكمه. فاستشهاد الإمام بهذه الرواية حتى وإن كان ذلك الحكم تقيةً… لا يضر بهذه المسألة ولا يقدح في أن حديث الرفع لا يختص بالمؤاخذة. أما كون هناك تقية في جزء من الرواية فذلك بحث آخر.
السؤال: …
الأستاذ: يصرح الشيخ الأنصاري بأن الحلف بهذه الأمور باطل عند الإمامية حتى في حال الاختيار، فضلاً عن الإكراه عليها، ولكن العمدة هو أن هذا الاستشهاد ينفي خصوص المؤاخذة على كل حال.

شرح رسالة الحقوق

قال الإمام (عليه السلام): «وَأَمَّا حَقُّ الصَّوْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِكَ وَسَمْعِكَ وَبَصَرِكَ وَفَرْجِكَ وَبَطْنِكَ لِيَسْتُرَكَ بِهِ مِنَ النَّارِ».
لقد قدمنا في الجلستين الماضيتين توضيحاً إجمالياً أولياً حول هذه الفقرة، ثم أشرنا بشكل مقتضب جداً إلى أهمية الصوم ومدى عظمته.
وقد أشار الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من رسالة الحقوق إلى حق الصوم. فبعد ذكر الإمام (عليه السلام) لحقوق أعضاء وجوارح الإنسان، بيّن حقوق بعض العبادات. فكانت الصلاة أولاً، ثم الحج، والآن الصوم. وقد قلنا سابقاً إن اعتبار حق لعبادة كالصوم هو بحد ذاته نكتة جديرة بالاهتمام. أي إن الصوم قد اعتُبر ذا حق، فكما أن للصلاة حقوقاً، وكما أن للحج حقوقاً، فإن للصوم حقوقاً أيضاً.

معنى كون العبادة ذات حق

في تصوير كيفية كون الصوم ذا حق بوصفه عبادة، كما أشرنا إليه سابقاً، يجب أن نقول إن الصوم عبادة اخترع الشارع حقيقتها، أي إنه أوجد في عالم الاعتبار مجموعة من التروك بنية خاصة تحت مسمى الصوم.
والآن، كيف تكون هذه الحقيقة الاعتبارية ذات حق؟ إن الصوم الخارجي يتحقق بعد عملنا، أي عندما يمسك المكلف عن بعض الأمور من الفجر إلى الليل، يُقال إنه صام، فيتحقق صومه. أو أن الصلاة تتحقق عندما يقف المكلف بشرائط خاصة متوجهاً نحو القبلة ويقيم الصلاة، فهنا يتحقق الوجود الخارجي للصلاة. ولكن بمجرد تحققها لا يعود هناك معنى للقول بأنها ذات حق. وهذا يدل على أن لكل عبادة من هذه العبادات حقيقة في عالم الملكوت. فحقيقة الصلاة والصوم، التي تتجسد وتتجلى للإنسان في عالم البرزخ وفقاً لبعض الروايات، هي موجود؛ فظهور الصلاة كنور للأفراد في عالم البرزخ، يمكننا القول إنه هو عين العمل الذي قاموا به. فمن يصلي، من باب أن أعماله تتجسد في البرزخ والقيامة، فإن ذلك النور هو في الواقع تجسد لعمله الخارجي في الدنيا، يمكننا قول ذلك. ولكن البحث هو: كيف يمكن تصوير عبادة كالصوم لها حق؟ فهل هي كباقي الموجودات من إنسان وطبيعة التي نفترض لها حقاً، أي إنها موجود متحقق إما مادي أو مجرد، ويجب علينا مراعاة هذه الحقوق؟ فالناس لهم حقوق على بعضهم البعض. والشجرة والماء لها حق، وهذه الحقوق في أعناقنا. فعندما نقول إن حق الصوم هو كذا، فإما أن نتصوره كموجود ما وراء عالم المادة، كحقيقة نورية، كحقيقة في عالم الملكوت تملك هذا الحق؟ لأن البحث هنا حول الحقوق، والحقوق ليست بمعنى “حقيق ويليق” أن يحدث هذا. فكيف يمكن تفسير هذا الحق؟
فتارة عندما نقول إن “حق” الصلاة والصوم هو كذا، فمعنى ذلك أنه حقيق ويليق ويلزم أن تكون للصلاة هذه الآثار. ولكن تارة أخرى يكون المقصود من حق الصوم والصلاة والحج أسمى من ذلك، أي إنه لا يريد القول إنه حقيق ويليق ومناسب أن تكون للصلاة والصوم والحج هذه النتائج. فظاهر ذكر هذه العبادات إلى جانب الأعضاء والجوارح وكذلك الأصناف التي بُيّنت هنا، هو أنها موجود وحقيقة لها حقوق، وإلا فلو أردنا أخذ الحق بالمعنى الثاني، فستكون هذه وحقوق الأعضاء والجوارح وحقوق المعلم والجار والحاكم وغيرها من سنخين وواديين مختلفين.
وبناءً عليه، فكأن للصوم حقيقة تتجسد في قالب من النور والضياء والجمال. وهذا بحث مهم حول ماهية الحقيقة الوجودية للعبادات؟ وعلى كل حال، فإن للصوم حقاً مهماً للغاية.