The news is by your side.

الدرس الحادي والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الحادي والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع -2. “ما” الموصولة – المطلب الأول: حقيقة الإسناد أو مجازيته – دراسة كلام المحقق النائيني – الاحتمالات في الإسناد المجازي – الاحتمال الأول ودراسته – الإشكال الأول

24 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

انصب البحث على أن إسناد الرفع إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ» و«مَا لَا يُطِيقُونَ» وأمثالها، هل هو إسناد حقيقي أم مجازي؟
فذهب المحقق النائيني إلى أن الإسناد حقيقي، ولذا لا يفتقر إلى مصحح. ولو كان الإسناد مجازياً لاحتاج إلى مصحح. والمصحح يُحتاج إليه في إحدى صورتين؛ إما أن نعتبر الرفع تكوينياً، أو أن نقول إن «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» واردة في مقام الإخبار. فإذا كان الرفع تكوينياً، فنحن نحتاج إلى مصحح لأنه لولاه للزم الكذب، والمصحح هو تقدير كلمة، فلو لم نُقدّر شيئاً للزم الكذب. وكذلك إذا كانت هذه الجملة في مقام الإخبار، فيجب علينا أيضاً تقدير شيء لأننا نشهد وجود هذه العناوين في الأمة الإسلامية. ولكن لما كان الرفع في هذا الحديث ليس تكوينياً، ولما كانت هذه الجملة صادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) بنحو الإنشاء، فنحن لا نحتاج إلى مصحح وتقدير كلمة. وإذا لم يجب علينا تقدير شيء، فإن الإسناد يكون حقيقياً. ولو كان الإسناد مجازياً، فإن المرفوع يكون إما جميع الآثار أو الأثر الظاهر أو المؤاخذة؛ فيكون معنى «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» أي رفع المؤاخذة على ما لا يعلمون ونظائر ذلك. فلو كان الأمر كذلك لكان الإسناد مجازياً، ولكن بما أننا لا نحتاج إلى التقدير، فإن الرفع يقع على الشيء نفسه ويكون الإسناد حقيقياً، كـ «لا ضرر ولا ضرار» أو «لا شك لكثير الشك»، فهناك أيضاً لا نُقدّر شيئاً؛ لأنهما في مقام الإنشاء ولا ينفيان نفياً تكوينياً، بل النفي تشريعي، والنفي التشريعي في «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» يعني نفي الحكم الضرري.
هذا محصل ما أفاده المحقق النائيني.

دراسة كلام المحقق النائيني

ترد على هذا الكلام للمحقق النائيني عدة إشكالات:

الإشكال الأول

إن هذه الجملة الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) واردة في مقام الإخبار لا الإنشاء؛ أي إن رسول الله يخبر عن إنشاء إلهي كباقي الموارد. ففي كثير من الموارد يخبر النبي عن الحكم الإلهي، وهذا المورد من هذا القبيل؛ أي إن الله قد رفع حكماً غير معلوم، أما ما هو الشيء الذي رفعه فيجب أن نبحثه. والغرض هو أن هذا ليس إنشاءً بل هو إخبار.
وبطبيعة الحال، قولنا إن هذا إخبار ليس من باب أن النبي لا يملك حق الإنشاء أو التشريع، فمن المسلم به أن النبي يمتلك حق الإنشاء في بعض الموارد (غير تلك الموارد التي تتخذ طابعاً حكومياً)، ومجموعة من الأحكام كالركعتين الثالثة والرابعة التي يُعبر عنها بـ “فرض النبي”، كانت من تشريع النبي وإنشائه. فليس من هذا الباب، بل المقصود هو أن هذا المورد ليس من موارد تشريع النبي.
ومما يؤيد ذلك تعبير «رُفِعَ» الذي يقول إنه قد رُفع، فلو كان إنشاءً من النبي لقال: «رَفَعْتُ مَا لَا يَعْلَمُونَ». فلو أراد الإنشاء والتشريع بنفس هذه الجملة لقالها هكذا، في حين أنه قال: «رُفِعَ»، وهذا بحد ذاته مؤيد لهذا المعنى.
وبالنسبة لـ «لا شك لكثير الشك» أو حتى «لا ضرر ولا ضرار»، فإنهما أيضاً إخباران وليسا إنشاءين بناءً على الرأي المشهور. فإذا قلنا إن «لا ضرر ولا ضرار» حكم حكومي وسلطاني، فهو إنشاء من النبي، كما يذهب البعض ومنهم شريعت أصفهاني والإمام الخميني إلى أنه حكم حكومي وسلطاني. ولكن المشهور الذين يقولون إنه بمعنى نفي الحكم الضرري، يرون أن النبي يُخبر هناك ولا يُنشئ. ولذا، فحتى القياس بـ «لا شك لكثير الشك» و«لا ضرر ولا ضرار» ليس بصحيح.
والنتيجة هي أن ما ذهب إليه من أن هذه الجملة إنشائية ولذا لا تحتاج إلى مصحح وتقدير، وعليه فالإسناد حقيقي؛ نرد عليه في المقابل بأن هذا إخبار ويحتاج إلى مصحح، وبالتالي يجب علينا أن نُقدّر شيئاً.

الإشكال الثاني

سلّمنا بأن هذه الجملة إنشائية من الأساس. أي كما تفضل المحقق النائيني بأن النبي في مقام الإنشاء قال: «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، إلا أنها تفتقر إلى مصحح أيضاً. فقوله إنه إذا كان إنشاءً لا يحتاج إلى مصحح، غير صحيح، لأن الإنشاء لا يختلف عن الإخبار من هذه الجهة. فلنفترض أصلاً أن النبي يُنشئ بهذه الجملة، ولكن ما الذي ينشئه؟ إن «مَا لَا يَعْلَمُونَ» بحد ذاته ليس مرفوعاً، لذا يجب علينا هنا أيضاً أن نُقدّر شيئاً. ففي النهاية، إن إسناد الفعل إلى غير ما هو له يحتاج إلى مصحح، حتى وإن وقع في جملة إنشائية.
إذن، فإن قوله إننا إذا كانت الجملة إنشائية لا نحتاج إلى مصحح قد بطل من وجهين، والنتيجة هي أن هذا الإسناد إسناد مجازي وليس حقيقياً.

الإشكال الثالث

قوله إنه لو كان هذا الرفع رفعاً تكوينياً لاحتجنا إلى مصحح، ولكنه لما لم يكن رفعاً تكوينياً فلا نحتاج إلى مصحح؛ هذا بحد ذاته لعل فيه مجالاً للتأمل. لأن الرفع التشريعي -وهو فرض المحقق النائيني أيضاً- إذا أريد له أن يتعلق بالحكم نفسه، فإنه يواجه مشكلة في بعض الصور. فلا معنى لرفع الحكم نفسه، بل يجب أن نقول: رفع متعلقات الحكم. وسنطرح هذا البحث لاحقاً حول ما إذا كان «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يرتبط بالموضوعات الخارجية أم يشمل الشبهات الحكمية أيضاً. فقد أورد البعض في سياق الإشكال على الاستدلال بهذه الرواية على البراءة، أن المرفوع هاهنا هو الشبهات الموضوعية وليس الشبهات الحكمية. فلو ثبت هذا، فمن الواضح أن حديث الرفع لا يصلح للاستدلال به على البراءة. فنحن نريد إثبات أننا نجري البراءة في الموارد التي يكون فيها الحكم والتكليف مشكوكاً بالنسبة لنا. فإذا قال قائل إن «مَا لَا يَعْلَمُونَ» لا يشمل الشبهات الحكمية، فربما لن يسعنا الاستدلال بحديث الرفع على البراءة.
وبناءً عليه، فإن ما تفضل به المحقق النائيني في هذا المقام من أن هذا الإسناد حقيقي ولا يحتاج إلى مصحح، ولذا لا يجب أن نُقدّر شيئاً، يبطل.

الاحتمالات في الإسناد المجازي

إذا قلنا إن الإسناد مجازي، فهو يحتاج إلى مصحح بالضرورة. ففي النهاية، إذا كان إسناد الرفع إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ» مجازاً، فلازمه هو تقدير كلمة، وبدون التقدير لا يُقبل إسناد الرفع إطلاقاً. وقد وقع الخلاف فيما يُقدّر في هذا الكلام ويُسند الرفع إليه. وتوجد عدة آراء ووجهات نظر. وقد أشار الشيخ الأنصاري في الرسائل إلى هذه الاحتمالات، وذكر على الأقل ثلاثة احتمالات ودرسها هناك. والآن سنذكر هذه الاحتمالات الثلاثة، وبالطبع فإن بعض الاحتمالات الأخرى قابلة للدراسة هنا أيضاً.

الاحتمال الأول

المُقدّر هو المؤاخذة؛ فـ «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني: رفع المؤاخذة على ما لا يعلمون. فالمؤاخذة والعقاب والسؤال عن الشيء المشكوك وغير المعلوم (سواء أكان حكماً أم موضوعاً كما سنبحث لاحقاً) قد رُفع. أو مثلاً إذا فعل شخص شيئاً خطأً أو فعل شيئاً أو تركه نسياناً، فإن المؤاخذة على الخطأ والمؤاخذة على النسيان والمؤاخذة على غير المعلوم قد رُفعت.
فوفقاً لهذا الاحتمال، تُقدّر كلمة المؤاخذة، ويكون الرفع في الواقع مسنداً إلى ذلك المُقدّر، وبلحاظه ذُكرت «مَا لَا يَعْلَمُونَ» أو «مَا لَا يُطِيقُونَ» والخطأ والنسيان. فهل هذا الاحتمال مقبول أم لا؟

دراسة الاحتمال الأول

ترد على الاحتمال الأول عدة إشكالات:

الإشكال الأول

المؤاخذة أمر تكويني وفعل من أفعال المولى، ولذا لا علاقة لها بالمكلف. فالمؤاخذة تعني أن يسأل المولى يوم القيامة الناس ويعاقبهم على ترك أو فعل بعض الأمور، وهذا أمر تكويني ونتيجة لمخالفة أمر التشريع. لذا، فإن رفع المؤاخذة على «مَا لَا يَعْلَمُونَ» لا علاقة له بالمكلف لكي يذكره النبي. فرفع المؤاخذة على الحكم والتكليف المشكوك أو الموضوع المشكوك لا يرتبط بالمكلف. والفرض هو أن الرفع هاهنا ليس رفعاً تكوينياً بل هو رفع تشريعي، ولذا لا يمكن أن يتعلق بالمؤاخذة التي هي أمر تكويني وفعل من أفعال المولى.
إن قلت: صحيح أن المؤاخذة فعل من أفعال المولى وهي أمر تكويني، إلا أن استحقاق المؤاخذة مرتبط بالمكلف، و«رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني رفع استحقاق المكلف للمؤاخذة في الموارد التي يكون التكليف فيها غير معلوم ومشكوكاً.
قلت: استحقاق المؤاخذة حكم عقلي ولا علاقة له بالتشريع والشرع والمولى. فيمكن للمولى أن يرفع المؤاخذة نفسها، ولكنه لا يستطيع رفع استحقاق المؤاخذة الذي هو حكم عقلي. فالعقل بغض النظر عن تعامل المولى مع العبد، يقول بشكل عام: إذا أطاع العبد استحق الثواب، وإذا خالف استحق العقاب؛ هذا حكم العقل. ثم إن الشارع أو المولى يقول بعد ذلك: مع وجود استحقاق العقاب، فإني أرفع العقاب؛ فهذا تفضل. لكن الاستحقاق حكم عقلي وليس شيئاً يمكن للشارع أن يرفعه. فهو ليس أثراً شرعياً من الأساس لكي يريد الشارع رفعه. والمقصود من الشارع بما هو شارع ومشرع هو أنه لا يستطيع إلا رفع الآثار الشرعية وما يرتبط بالشرع وتغييره وتبديله.
والنتيجة هي أننا إذا اعتبرنا الرفع تشريعياً -وهو الفرض أيضاً- فلا يمكننا بعد ذلك تقدير المؤاخذة، لأنه لا معنى للرفع التشريعي للمؤاخذة.
السؤال: …
الأستاذ: هناك يكون كل شيء ضمن نطاق التشريع، والمقصود هو الشارع بما هو شارع. فنحن لا ننظر هنا من حيثية واجب الوجود والقدرة المطلقة. فالمشرع لا يستطيع إلا رفع ما وضعه بنفسه. فالشارع بما هو شارع لا يستطيع الإتيان بمعجزة. نحن نقول إن الشارع بما هو قادر على الإطلاق يستطيع الإتيان بمعجزة، أما الشارع بما هو شارع فلا يستطيع ذلك؛ فالمسألة هناك مسألة قانون وتشريع، ولذا نقول إن سيرته سيرة العقلاء، بل هو رئيس العقلاء ويتصرف بنفس طريقة العقلاء.
وبناءً عليه، يمكن للشارع أن يرفع الأشياء التي وضعها بنفسه، ولكن ما لا علاقة له بالشارع أصلاً، كاستحقاق العقاب، فما علاقته بالشارع؟ فالعقل هو الذي يقول إن استحقاق العقاب موجود هنا أم لا، لذا لا يستطيع الشارع أن يقول: خلافاً لحكم العقل، لا يوجد لديك استحقاق للعقاب هنا. فهل يستطيع الشارع الجمع بين المتناقضين؟
السؤال: …
الأستاذ: لقد تحدثنا عن مسألة المعجزة، وقلنا إن الشارع بما هو شارع لا علاقة له بالمعجزة أصلاً. فنطاق جعل القوانين والتشريع يختلف عن نطاق الخلق التكويني لله تعالى. ولا يستطيع الشارع أن يقول: أعلن من اليوم أن العصاة لا يستحقون العقاب؛ لأن ذلك لا علاقة له بالشارع، فالعقل هو الذي يقول إن العاصي مستحق للعقاب، والمطيع مستحق للثواب.
نعم، يمكن للشارع أن يقول: أيها العصاة، لقد عفوت عن معصيتكم اليوم، ولن أعاقبكم. أي رغم استحقاقكم للعقاب، إلا أني لن أعاقبكم؛ فهو يخبر عن عدم عقابه لهم، وهذا يقع ضمن نطاق التشريع. أما أن يقول: أيها الناس، من كان منكم عاصياً فلا يستحق العقاب أيضاً، فهذا غير ممكن، لأنه لا علاقة له بالشارع. فالعقل هو الذي عندما يرى أن الشارع قد وضع قانوناً، يحكم بأن كل من يطيع هذا القانون مستحق للثواب، وكل من يخالف هذا القانون مستحق للعقاب. هذا حكم العقل، ولا يملك الشارع أي تدخل في هذا النطاق.