الدرس السبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس السبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع -2. “ما” الموصولة – ثمرة البحث في الإسناد الحقيقي أو المجازي – المطلب الأول: حقيقة الإسناد أو مجازيته – كلام المحقق النائيني
23 رجب 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
قلنا في سياق البحث حول حديث الرفع والاستدلال به على البراءة الشرعية، إنه لا بد من دراسة مفردات هذا الحديث وألفاظه. وقد تكلمنا بدايةً حول كلمة «الرفع» في مطلبين:
1. إن الرفع هاهنا مستعمل في معناه الحقيقي وليس بمعنى الدفع، وقد بيّنا الفرق بين الدفع والرفع، وقلنا إن الرفع هنا باقٍ على معناه الأصلي.
المطلب الثاني كان حول كون الرفع ظاهرياً أم واقعياً. وقد طال البحث في هذه الجهة، حيث استُعرضت الأقوال والأنظار والشواهد والأدلة الدالة على ظاهرية الرفع. وقد وُجهت إشكالات إلى بعض هذه الشواهد، إلا أن بعضها الآخر لقي قبولاً. وكانت محصلة البحث في هذه الجهة هي أن الرفع هاهنا رفع ظاهري. وكان أهم دليل على ظاهرية الرفع -فضلاً عن الامتنان وأن هذه الرواية واردة في مقام الامتنان، والامتنان يتناسب مع الرفع الظاهري- هو أننا لو أردنا اعتبار الرفع واقعياً، للزم من ذلك تالٍ فاسد واستلزم أمراً محالاً. وذلك التالي الفاسد هو اختصاص الأحكام بالعالم بها.
وعلى كل حال، فإن نتيجة البحث في الجهة الثانية المتعلقة بكلمة الرفع هي أن هذا الرفع رفع ظاهري.
2. “ما” الموصولة
وفي الحديث: «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، يجب أيضاً معرفة المقصود من “ما” الموصولة في هذه الفقرة والفقرات اللاحقة. فقد ورد في الرواية: «مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ، مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ، …»، وفي أغلب هذه الموارد جاءت كلمة “ما” الموصولة.
فهل المقصود بـ “ما” هو الحكم نفسه أم متعلق الحكم؟ من المسلَّم به أن المقصود في «مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» أو «مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ليس الحكم نفسه، إذ لا معنى لأن يضطر الإنسان إلى الحكم نفسه أصلاً. أو في «مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» مثلاً، ليس المقصود هو الحكم نفسه، إذ الإكراه على الحكم لا معنى له، بل المقصود هو متعلق الحكم.
وهنا يُطرح بحث وهو: إذا كان المقصود بـ “ما” هو متعلقات الأحكام، فإن الرفع يكون مسنداً إلى متعلقات الأحكام، ولذا يُثار تساؤل حول ما إذا كان إسناد الرفع إلى متعلقات الأحكام إسناداً حقيقياً أم مجازياً؟
ثمرة البحث في الإسناد الحقيقي أو المجازي
والآن، ما هي ثمرة كون هذا الإسناد حقيقياً أم مجازياً؟ لقد ذُكرت ثمرتان لذلك:
1. لدينا بحث حول ما إذا كان المقصود من «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو خصوص الشبهة الموضوعية أم الأعم من الشبهة الموضوعية والحكمية؟ فحينما يقول: قد رُفع، فهل المقصود هو ما لا تعلمونه من الأحكام والموضوعات، أم ما لا تعلمونه من الموضوعات فحسب؟
فإذا قلنا إن إسناد الرفع إلى متعلق الحكم إسناد مجازي، فستكون له نتيجة؛ وإذا قلنا إنه إسناد حقيقي، فستكون له نتيجة أخرى. فإذا قلنا إن إسناد الرفع إلى متعلق الأحكام إسناد مجازي، فلن يسعنا هنا استظهار الأعم من “ما” والقول بأنها تشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معاً؛ لأن إسناد الرفع إلى الموضوع المجهول الحكم إسناد مجازي. أما إسناد الرفع إلى الحكم المجهول فهو إسناد حقيقي. ولا يوجد جامع بين هذين الأمرين، ولذا لا يمكننا إرادة كل من الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية من «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ». لأننا لو أردنا إرادتهما معاً، لوجب علينا تصوير جامع بينهما. وحينئذ ستكون النتيجة أننا لا نستطيع الاستدلال بهذا الحديث على البراءة في الشبهات الحكمية.
إذن، إذا قلنا إن المقصود من “ما” الموصولة في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو متعلقات الأحكام وليس الأحكام نفسها (لاحظوا وجود عدة افتراضات مسبقة تربط بين هاتين المسألتين وتحدد ثمرة هذا البحث)، فحينئذ يجب أن نبحث: هل إسناد الرفع إلى متعلقات الأحكام حقيقي أم مجازي؟
فإذا قلنا إن إسناد الرفع إلى متعلق الحكم مجازي، فلن يسعنا بعد ذلك القول بأن المقصود من «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الأعم من الشبهات الموضوعية والحكمية؛ لعدم إمكانية تصوير جامع بينهما. فإذا كان إسناد الرفع مجازياً -وهو كذلك في باب الموضوعات- فلا يوجد أي قدر مشترك بينه وبين إسناد الرفع إلى الحكم المجهول الذي هو إسناد حقيقي. فالإسناد الحقيقي مغاير تماماً للإسناد المجازي؛ لذا يجب علينا اعتبار هذا الإسناد حقيقياً بناءً على فرض، ومجازياً بناءً على فرض آخر. وبالطبع سنتحدث عن الإسناد بتفصيل أكثر لاحقاً، والبحث الآن يدور حول ثمرة وفائدة البحث فيما إذا كان هذا الإسناد حقيقياً أم مجازياً.
2. الثمرة الأخرى هي أننا في حال قبولنا بمجازية الإسناد، سنكون مضطرين لتقدير شيء ما، وحينئذ يُطرح البحث حول ما الذي ينبغي تقديره؟ هل هو الأثر المتناسب مع ذلك المرفوع، أم جميع الآثار، أم المؤاخذة على الآثار؟ ولذا، تتجلى ثمرة البحث في مجازية الإسناد أو حقيقته في لزوم التقدير في هذه الرواية. وهذه ثمرة أخرى يمكن ذكرها هنا.
المطلب الأول: حقيقة الإسناد أو مجازيته
بعد أن اتضح أن المقصود من “ما” الموصولة في تلك الفقرات ليس الأحكام نفسها، بل متعلقات الأحكام، فالكلام يقع في أن إسناد الرفع إلى هذه الأمور هل هو إسناد حقيقي أم إسناد مجازي؟ فإذا كان الإسناد مجازياً، لاحتاج إلى مصحح؛ إذ لا يمكننا إسناد الرفع إلى هذه الأمور بدون مصحح. أما إذا كان الإسناد حقيقياً، فلا يحتاج إلى مصحح، كما هو الحال في جميع المجازات التي تفتقر إلى مصحح.
وهنا يطرح المحقق النائيني مطلباً سنقوم بنقله لنرى بعد ذلك ما إذا كان هذا الكلام صحيحاً أم لا؟
كلام المحقق النائيني
يقول المحقق النائيني إن الإسناد في حديث الرفع إسناد حقيقي ولا يحتاج إلى مصحح، لأن المصحح يُحتاج إليه بشرطين أو في صورتين، وحديث الرفع خالٍ من كلتا هاتين الصورتين أو الشرطين:
1. إحداهما: أن يكون المقصود من الرفع هاهنا هو الرفع التكويني. لأننا نرى أن هذه الأمور موجودة في أوساط الأمة الإسلامية، فكيف يُقال مع وجود هذا الواقع إنها قد رُفعت؟ فلو كانت هذه الأمور قد رُفعت، لما وجد بين الأمة إكراه ولا اضطرار ولا خطأ ولا نسيان. إذن، الرفع التكويني منتفٍ. ولو كانت هذه الأمور قد رُفعت تكويناً، لكان معنى ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن جميع هذه الأمور قد رُفعت عن أمتي، أي إن أمتي لا تقع في الخطأ، ولا تبتلى بالنسيان، ولا تقع في الشك والشبهة. ومن المسلم به أن هذا ليس هو المقصود. لذا، إذا كان المقصود بالرفع هو الرفع التكويني، فيجب أن نقدر شيئاً لكي يصح إسناد الرفع إلى هذه الأمور.
2. الصورة الأخرى التي نحتاج فيها إلى مصحح هي أن تكون هذه الجملة واردة في مقام الإخبار لا الإنشاء. لأنه حينما يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ»، فإن هناك احتمالين:
الاحتمال الأول: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن واقعة.
والاحتمال الآخر: أنه أنشأ بهذه الجملة، أي إنه يقول: أنا أرفع هذه الأمور، فالرفع يعني: أنا أنشئ رفع هذه الأمور.
فإذا كانت هذه الجملة في مقام الإخبار، ونظراً لكون الخبر صادراً من قِبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ونحن على يقين بصدقه، فيجب أن نقول لكي لا يتصف كلام النبي بالكذب، إنه يجب علينا تقدير شيء، وإلا للزم الكذب؛ لأننا نرى وجود مثل هذه الأمور بين أمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
إذن، يرى المحقق النائيني أن إسناد الرفع إلى هذه الأمور لو أريد له أن يكون مجازياً لاحتاج إلى مصحح، والمصحح غير ممكن إلا في صورتين: إحداهما أن يكون المقصود هو الرفع التكويني، والأخرى أن تكون هذه الجملة في مقام الإخبار لا الإنشاء، في حين أن هذا الرفع ليس تكوينياً، فلا حاجة إذن إلى مصحح. كما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس في مقام الإخبار هنا بل في مقام الإنشاء، لذا فإن إسناد الرفع إلى هذه الأمور إسناد حقيقي لا مجازي. والآن، لماذا لا يكون هذا الرفع تكوينياً؟ لأنه لو رُفع الخطأ والنسيان عن الأمة تكويناً، لما وجب أن يخطئ أي فرد من الأمة أو يبتلى بالنسيان. والحال أنه من المسلم به أن الأمر ليس كذلك، ولذا فالرفع ليس تكوينياً. يضاف إلى ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا ليس في مقام الإخبار بل في مقام الإنشاء.
والنتيجة هي أن إسناد الرفع إلى هذه الأمور إسناد حقيقي وليس مجازياً، ولذا فلا يحتاج إلى مصحح أيضاً.
إذن، ففي رأي المحقق النائيني هذا الإسناد حقيقي، وإذا كان حقيقياً فلا يحتاج إلى مصحح أيضاً. أما لو كان مجازياً لاحتاج إلى مصحح، ومصححه هو التقدير.
مبحث الجلسة المقبلة
والآن، يجب علينا أولاً دراسة كلام المحقق النائيني، ثم نحقق لنرى ما إذا كان هذا الإسناد حقيقياً أم مجازياً؟