الدرس الثالث والستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الثالث والستون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟ – كلام المحقق العراقي (شاهدان آخران على الرفع الظاهري) – الشاهد الرابع ودراسته – الإشكال الأول والثاني والجواب عنهما
2 رجب 1404 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
تنقحت معالم البحث في الجلسة السابقة حول المطلب الثالث من مطالب الجزء الأول لحديث الرفع؛ حيث تركز البحث في تحديد كون الرفع ظاهرياً أم واقعياً. وننوه بوجود معالجة مستقلة ستأتي في موضعها حول قيد «لا يعلمون» لبيان أن الجهل المأخوذ فيه هل هو عدم العلم الواقعي أم الظاهري؟ وهو بحث وإن افترق في العنوان إلا أنه وثيق الصلة بجهة الرفع ثبوتاً وإثباتاً.
واستذكرنا وجود اتجاهين؛ أحدهما ينتصر للظاهرية والآخر يقف مع الواقعية. وعمدنا إلى قراءة ومحاكمة الشواهد الثلاثة التي قررها السيد الخوئي تتبعاً لتشييد الرفع الظاهري، وبان لنا ما يرد عليها من خدش؛ ثم انثنينا لعرض الإشكال الذي وجهه المحقق النائيني إلى صياغة الشيخ الأنصاري؛ حيث تبيّن عدم عمق الفارق الفقهي بين مسلكيهما في النتيجة العملية وإن اختلف التعبير في رتبة متعلّق الرفع بدواً.
كلام المحقق العراقي (شاهدان آخران على الرفع الظاهري)
وقد تميز مسلك المحقق العراقي (قدس سره) بضم شاهداين مضافين لتشييد وتدعيم القول بالرفع الظاهري؛ ونتوفر في هذه الجلسة على بيان الشاهد الأول منهما (وهو الشاهد الرابع في سلسلة الشواهد الإجمالية).
الشاهد الرابع
ومبنى هذا الشاهد هو الالتفات إلى أن حديث الرفع قد سِيق بالذات في «مقام الامتنان»؛ فالشارع المقدس إنما يقرر رفع هذه العناوین -ومنها ما لا يعلمون- من باب المنة والتفضل على أمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث صدر الحديث بلسان «رُفع عن أمتي». وبما أن المطلب محفوف بجهة المنة واللطف والتسهيل، فإن هذا السياق المقامي يقضي بالضرورة بأن الأمور التسعة المذكورة لو بقيت مستقرة وثابتة في عهدة المكلفين ولم يجرِ رفعها، لكان ثبوتها خلاف الامتنان والمحبوبية اللطفية.
فالامتنان -بما هو خدمة وتوسعة وتخفيف عن العباد- يقتضي رفع وإزالة الثقل والعبء الذي يوجب بقاؤه وقوع المكلفين في ضيق وكلفة ومشقة شاقة؛ وهنا يتوجه السؤال والتشقيق: ما هو الشئ الذي لو لم يُرفع لترتب عليه الضيق والكلفة في مورد الجهل بالتكليف؟
-
الاحتمال الأول: أن يقال إن المرفوع امتنانياً هو نفس الحكم الواقعي المجهول؛ بمعنى أن الحكم الثابت في نفس الأمر قد رُفع عن الجاهل به ترفيهاً له. وهذا الاحتمال مدفوع؛ لأن فرض كون المكلف جاهلاً بالحكم وغافلاً عنه يجعله بمنأى عن أي كلفة ومكابدة بلحاظ هذا الحكم المستور؛ إذ التكليف المجهول صِرفاً لا بعث فيه ولا زجر صیاغةً في حق من لا يعلمه، فلا يتصور في بقائه واقعاً عروض مشقة على المكلف لكي يستدعي الأمر رفعه من باب المنة؛ فالامتنان لا بد أن يثمر أثراً عملياً ملموساً يرفع ثقلاً فعلياً، وحيث لا ثقل في الحكم الواقعي المستور بما هو مستور، فلا يكون رفعه امتنانياً.
-
الاحتمال الثاني: أن يقال إن الله سبحانه -وفي ظرف جهل المكلف بالحكم الواقعي- كان قادراً على صياغة تشريع يلزمه فيه بـ “وجوب الاحتياط”، فيقول: متى ما جهلتم التكليف ولم تقفوا على حكمي الواقعي، فعليكم بالاحتياط التام حذراً من تفويت الواقع. ولا ريب وجداناً أن إيجاب الاحتياط مشحون بالكلفت والمشقة البالغة؛ فعليه يكون رفع هذا الوجوب المحتمل والترخيص في تركه هو عين الامتنان والتسهيل؛ فيتحصل صناعياً أن المتنحي والمرفوع بموجب سياق المنة ليس هو الحكم الواقعي، بل هو “وجوب الاحتياط”؛ ورفع وجوب الاحتياط مع التحفظ على بقاء الواقع هو بحقيقته معنى «الرفع الظاهري».
وهذه الصياغة من المحقق العراقي تأتي في المقابل تماماً من وجهة نظر الشيخ الأنصاري؛ فالشيخ وإن وافقه على أن المرفوع هو وجوب الاحتياط، إلا أنه جعل ذلك سلماً لإثبات الرفع الواقعي بملاك الملازمة (بمعنى أن رفع الاحتياط يلازم نفي الواقع)؛ بينما سلك المحقق النائيني مسلكاً مغايراً بإفادة أن المرفوع هو الواقع ونفي الاحتياط أثر له. وجاء المحقق العراقي ليقلب المطلب من زاوية الامتنان، مقراً بأن المرفوع هو وجوب الاحتياط، لکنه فرّع عليه استقرار الرفع الظاهري؛ فصار متعلّق واحد (وهو وجوب الاحتياط) ينتج ثمرتين متقابلتين بجهتين مختلفتين؛ وهذا هو الشاهد الأول للعراقي.
السؤال: …
الأستاذ: إنما أشرنا بدواً إلى احتمالات عقلية في توجيه العبارة؛ فمن المحتمل أن يكون الرفع ناظراً لعناوین كانت مستقرة وثابتة على الأمم السابقة فجاءت الشريعة برفعها؛ وهذا يبتني على معالجة الرفع والدفع المتقدمة؛ حيث استدل بعضهم على حقيقة الرفع بوجوب تقدم الثبوت، وحملوا ذلك الثبوت على تشريعات الشرائع الغابرة الشاقة التي نُسخت وارتفعت في ديننا. وعلى أية حال، فلو أراد الشارع إبقاء كلفة الاحتياط، لجرى تصويره ثبوتاً إما بحكم العقل أو بإلزام شرعي مضاف كما كان معهوداً في الآصار السابقة، وجاء حديث الرفع لينفي هذا الإلزام امتناناً طبقاً لتقريب المحقق العراقي؛ وله دليل آخر سنرجئه؛ فتأمل.
السؤال: …
الأستاذ: الجاهل غير الملتفت لا حكم واقعي في حقه فعلاً… نعم، نحن نفرض في رتبة سابقة أن الكلام يسوقه من فرغ عن فرض عدم علمه بالحكم مع التفاته لاحتمال وجوده في الجملة.
السؤال: …
الأستاذ: هذا بيان العراقي؛ … والمعصية تابعة للخطاب؛ فمتى رفع الشارع الكلفة والتكليف، انعدم موضوع العصیان، فلا يتصور عروض العقاب أصلاً.
بررسی شاهد چهارم
وقد تعقبت کلمات المتأخرين هذا الشاهد بالصناعة والمحاكمة، وسجل الشهید الصدر (قدس سره) في هذا المقام إشكالين رئيسيين:
اشکال اول
حاصل الإشكال الأول: أننا نسلم محاطة الحديث بمقام الامتنان، بيد أن المنة والتسهيل لا ينحصر طريقها صياغةً في خصوص رفع وجوب الاحتياط مباشرة كما ادعاه المحقق العراقي؛ بل ثمة مسلك آخر يتأتى معه تحقيق الامتنان كاملاً، بل إن طروء هذا الاحتمال البديل يوجب تزلزل واهتزاز بنيان استدلال العراقي؛ ومفاده: أن يعمد الشارع -طلباً للتسهيل والمنة- إلى “رفع منشأ وجوب الاحتياط وسببه”؛ إذ المهم في مقام الامتنان هو تأمين المكلف ودفع المشقة عنه؛ والاحتياط إنما يمتد وتجب رعيته رغبةً في حفظ وتحصيل الحكم الواقعي، فالحکم الواقعي هو علة ومنشأ نشوء الاحتياط؛ فلو بادرت الإرادة التشريعية إلى إلغاء ورفع ذات الحكم الواقعي المجهول ثبوتاً، لارتفع وجوب الاحتياط تتبعاً بانتفاء علته وموضوعه، وحصل الارتياح والامن للمكلفين؛ وهذا النحو من الرفع سببي وواقعي، وهو غاية في الامتنان.
وعليه، فمع قيام هذا الاحتمال المقابل، لا يسوغ حصر مقتضى الامتنان في الرفع الظاهري؛ بل يصبح الدليل متسعاً وصالحاً للتوفيق مع كلا التقريرين: تقرير العراقي المفضي للظاهرية، وتقرير رفع منشأ الاحتياط المفضي للواقعية.
اشکال دوم
وهو إشكال مبنائي؛ صياغته: أن تقريب المحقق العراقي يتمشى ويستقيم طرداً بناءً على مسلك المشهور الأصولي القائل بقاعدة “قبح العقاب بلا بيان”؛ أما على مختار الشهيد الصدر من التزام «مسلك حق الطاعة»، فلا يستقيم هذا التقريب؛ لأن مقتضى حق الطاعة حكماً هو وجوب الاحتياط عقلاً عند طروء أدنى احتمال للتكليف؛ فما لم يرد ترخيص ظاهري، يكون العقل حاكماً بالمنع والكلفة.
پاسخ اشکال دوم
ونحن بما أننا أشبعنا القول تفصيلاً في “مسلك حق الطاعة” في جلسات خلت، وعرضنا لركائزه وما يرد عليه من مناقشات؛ نكتفي هنا بالإشارة العابرة؛ لكون هذا الإيراد مبنائياً محضاً ولا نرتضيه صياغةً؛ نظراً لأن الكثير من المحققين لا يرتضون مسلك حق الطاعة، ونحن كذلك لا نوافقه عليه؛ فلا نرى الإشكال الثاني مستقراً.
السؤال: …
الأستاذ: ما هي نقطة الارتكاز الصياغية في دليل المحقق العراقي؟ … قوامها أن الحديث يسير في فلك الامتنان، والامتنان مقتضاه إزالة ما يلازم الثبوت والكلفة؛ وحيث إن الحكم الواقعي المستور في نفسه لا كلفة فيه، تعين انصراف الرفع لوجوب الاحتياط، فيثبت الرفع الظاهري. هذا كلامه. واعترض الشهيد الصدر بأن الكلفة المذكورة يتأتى رفعها بمسار آخر؛ وهو رفع منشأ الاحتياط وسببه (أي رفع الحكم الواقعي نفسه) لكي ينتفي وجوب الاحتياط سالبة بانتفاء الموضوع؛ فهل لديكم خدشة في هذا الشق من مقال الصدر؟… إن البحث الإثباتي واللفظي في هذه المرتبة قد لا يكتسب وزناً كبيراً، وإنما العمدة تنصب على “التحليل المقامي” للبيئة الصادرة فيها الرواية وهي بيئة الامتنان؛ ومقتضاها صرف رفع المشقة وهو يتحقق بكلا الطريقين؛ فيصلح الحديث للرفع الواقعي أيضاً… فلا شأن لنا بمقام الإثبات أو بظاهر اللفظ؛ لأن الاستظهار هنا تحليلي مقامي لجهة المنة فحسب.
پاسخ اشکال اول
والذي يمكن أن نتوجه به إجابةً ودفعاً للإشكال الأول (إشكال الشهيد الصدر)؛ هو أن المتيقن سياقاً من تحليل مقام الامتنان هو انصراف الرفع إلى ذات التكليف الذي يترتب عليه الكلفة فعلاً وباشراً؛ وأما دعوى تحقيق الامتنان عبر رفع السبب والمنشأ البعيد (وهو الحكم الواقعي) لرفع المعلول بالتبع، فهو تخريج يحتاج إلى عناية؛ ولدى المحاكمة العرفية والتحليل العرفي لمقام المنة، نجد أن رفع نفس وجوب الاحتياط هو الأقرب والأسبق فهماً إلى فضاء التسهيل؛ والمنة تابعة في سعتها وضيقها لمقدار ما تقتضيه رتبة البيان، والقدر المتيقن الذي لا محید عنه هو الرفع في الجملة (المرتبة الدانية) المتمثلة في نفي وجوب الاحتياط ظاهراً، دون توغل في إثبات المرتبة العالية الشاملة لرفع المنشأ الواقعي؛ … إذ لا إطلاق في المقام اللفظي هنا… فالمقام مقيد بحدود رفع الكلفة الفعلية؛ بل لعل رفع المنشأ الواقعي يعقبه محاذير أو يفوت مصالح أخرى قد تكون خلاف المنة بمراتب أوسع؛ لذا فالمنصرف عرفاً من رفع ما يوجب المشقة هو رفع التكليف والالتزام الفعلي المتوجه للعباد؛ وهو وجوب الاحتياط ظاهراً.
السؤال: …
الأستاذ: كأنكم ترومون صياغة دليل مضاف لإثبات أن الرفع واقعي بالذات… لو بنينا مع العراقي على أن المرفوع هو وجوب الاحتياط… تارة نمنع أصل تعلّق الرفع بوجوب الاحتياط… بيد أننا نسير في وئام مع فرض العراقي ومبناه بأن المرفوع هو وجوب الاحتياط؛ وفي هذا الفلك بالذات نوجه الخدشة لمقال السيد الصدر؛ فالصدر لم ينازع في كون المرفوع هو وجوب الاحتياط ابتداءً، وإنما ادعى إمكان صياغة المنة عبر رفع سببه. ومن ثم فالاعتراض عليه متوجه؛ وحينئذٍ نقول: متى استقر في الفهم العرفي أن المرفوع هو وجوب الاحتياط، انصرف الوجدان إلى رفع ذات هذا الحكم الظاهري لا ريشته وسببه الواقعي. وعليكم بالتدبر في هذا المورد.