الدرس الثاني والستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الثاني والستون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حدیث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟ – دراسة إشكال المحقق النائيني على الشيخ – دراسة شواهد الرفع الظاهري – دراسة الشاهد الأول والثاني والثالث
1 رجب 1404 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
بيّنّا سابقاً أنه يتعين معالجة الأجزاء الثلاثة لحديث الرفع لاستفتاح فقه دلالته؛ وتكفلت الخطوة الأولى بدرس لفظ «الرفع» من جهات ثلاث: أولاها: معناه وضعاً وأنه هل هو بمعنى الرفع أم الدفع؟ وثانيتها: كونه تشريعياً أم تكوينياً وهو أمر جليّ الوضوح، وثالثتها: كونه واقعياً ثبوتياً أم ظاهرياً إثباتياً؟
وقد أشرنا إلى استقرار قولين في الباب؛ أولهما: كون الرفع ظاهرياً، ومفاده رفع الحكم في ظرف الظاهر مع التحفظ على بقاء وثبوت الحكم الواقعي؛ وحشدنا لإثبات هذا المدعى ثلاثة شواهد رئيسية، علماً بأن المحقق العراقي قد زاد عليها وجهين أو ثلاثة سنعمد إلى بحثها تباعاً؛ ومنها: ورود حديث الرفع درءاً في سياق الامتنان، وهو بنفسه شاهد قاطع برأيه على ظاهريته. والجدير بالذكر أن الشواهد الثلاثة المتقدمة هي مما استند إليه المرحوم السيد الخوئي في مبانيه.
وفي المقابل، نجد في ثنايا بعض الكلمات والتقارير شواهد تومئ إلى كون الرفع واقعياً؛ ومن ذلك مسلك الشيخ الأنصاري (قدس سره) الذي ذهب إلى أن «المرفوع» في الحديث بالذات هو “وجوب الاحتياط”، وهذا المقال يؤذن بكون الرفع واقعياً؛ نظراً لأن وجوب الاحتياط إنما جُعِل طريقاً لإدراك الواقع، فمتى جرى رفعه وإزالته، كان ذلك مساوقاً لرفع الواقع ونفيه.
فالشيخ الأنصاري يقرر واقعية الرفع بملاك أن رفع الاحتياط يلازم رفع الواقع؛ بيد أن المحقق النائيني قد أورد على صياغته الإشكال.
ومحصل كلام الشيخ الأعظم أن المرفوع بالذات وفي الرتبة الأولى هو نفس “وجوب الاحتياط”، لکنه ملازم لرفع الواقع؛ فاعترض المحقق النائيني بأن الأمر على العكس تماماً، وأن المرفوع أولاً وبالذات هو نفس الواقع، ورفع الواقع هو الملازم لرفع وجوب الاحتياط، أو بعبارة صناعية: إن نفي وجوب الاحتياط هو أثر مترتب برسم معلولية رفع الواقع. فتحصل أن النائيني يمنع الشيخ من جعل وجوب الاحتياط هو المرفوع، مصراً على أن المرفوع هو ذات الواقع، والرفع الاحتياطي أثر له.
دراسة إشكال المحقق النائيني على الشيخ
والسؤال الصناعي الآن: هل هذا الإشكال الموجه از جانب المحقق النائيني على الشيخ وارد ومستقر؟ وبعبارة أخرى: هل ينعقد تمايز فارق بين المسلكين؟ عند التدقيق في عمق المقالتين، يلوح أنه لا تمايز حقيقي وعميق بينهما؛ نعم، قد يُصاغ الفارق باللحاظ البدئي في توجيه الرفع وأنه هل يمس وجوب الاحتياط أولاً أم يمس الواقع؛ فهذا تمايز ظاهري بحسب التعبير؛ لکن بالمنظار الذي أشكل منه المحقق النائيني، لا نرى لهذا التمايز أثراً فقهياً؛ إذ سواء قلنا إن الرفع متوجه للواقع وملازم لرفع وجوب الاحتياط، أم قلنا إن المرفوع هو وجوب الاحتياط نفسه، فإن الثمرة العملية والنتيجة الأصولية متحدة في نهاية المطاف. ومن هنا، فقد غمز بعض الأصوليين على المحقق النائيني بقولهم: «و من الغريب جداً ما جاء في تقريرات المرحوم الكاظمي في هذا المقام»؛ مشيرين إلى ما أُودع في كتاب “فوائد الأصول” من كلف الاعتراض برسم الشيخ، حيث لا وجه فنياً يبرر هذا الإيراد.
وعلى أية حال، لا نبتغي الاستغراق تفصيلاً دراسةً في تعيين محط الرفع وأنه هل يمس ذات الحكم الواقعي أم وجوب الاحتياط؛ لكونه بحثاً مستقلاً لا تشتد الحاجة إليه هاهنا، ولربما أفردنا له وقتاً آخر إن اقتضى المقام.
دراسة شواهد الرفع الظاهري
إن المدار الأساس يتلخص درءاً في دوران الأمر بين قولين: الرفع الظاهري والرفع الواقعي. وفي سياق القول بالرفع الواقعي، كنا قد نقلنا بالأمس -ونؤكد اليوم- ما قرره المحقق الخراساني في كفايته من أن هذا الرفع هو “رفع الفعليّة”؛ فمرادهم بالرفع الظاهري هو رفع مرتبة الفعلية للحكم، وليس المراد بالفعلية هاهنا ما يقابل مرتبة الإنشاء (التي هي رتبة متأخرة عن أصل الإنشاء). وبما أن هذين الاتجاهين مستقران، فلا نود التسرع في إطلاق الاستنتاج؛ بل ننعطف أولاً لِمحاكمة الشواهد والدلائل التي ساقها المرحوم السيد الخوئي، لنرى مدى كفايتها وتماميتها صناعياً في إثبات كون الرفع ظاهرياً.
دراسة الشاهد الأول
تمثل الشاهد الأول -الذي مر بنا بالأمس- درءاً في قاعدة “تناسب الحكم والموضوع”؛ حيث أفدنا بأننا بإزاء حكم هو «الرفع» وموضوع هو «ما لا يعلمون»، والتناسب الصياغي بينهما يرشد العرف إلى أن ثمة شراً وثبوتاً واقعياً في نفس الأمر يقع المكلف في رتبة الجهل به؛ نظراً لأن الجهل بالشئ أو الشك فيه مفهوم فرعي يتوقف طرداً برسم تقدم وجود ذلك الشئ؛ فلا بد من فرض وجود مجهول أو مشکوک؛ فعليه يكون مفاد «رُفع ما لا يعلمون» إزالة ما يجهلونه أو يشكون فيه؛ وحيث إن “الجهل بالشئ يساوق عدمه” أو “الشک فی الشئ يساوق عدمه” بحسب دعوى الرفع الواقعي، لصار حصول الجهل عيناً هو اليقين بالعدم وثبوته؛ وهذا التهافت يجعل المقال قرينة داخلية تحتم مصير الرفع إلى الصبغة الظاهرية.
ولکن تنبهوا جيداً: ما هي ثمرة هذا التشقيق بين الظاهري والواقعي في مسألتنا؟ وما وجه البحث فيه؟ وما يترتب على القول بالظاهرية أو الواقعية بالقياس إلى مسألة البراءة؟ إننا إن التزمنا بالرفع الظاهري، صلح حديث الرفع أن يكون في زمرة أدلة البراءة بامتياز؛ إذ مآل «رُفع ما لا يعلمون» حينئذٍ هو نفي وثوق التكليف والعهد في ظرف الظاهر مأمنةً للمکلف وإن كان ثابتاً واقعاً؛ وهذا يطابق مدعى البراءة. أما لو التزمنا بالرفع الواقعي، لم يعد الحديث صالحاً للاستدلال به برسم البراءة؛ لأن معناه حينئذٍ انمحاء الحكم وإزالته من صفحة الواقع ونفس الأمر بمجرد الجهل، وهذا المعنى أجنبي عن حقيقة البراءة ومباين لها.
السؤال: …
الأستاذ: ما هو مدعى البراءة اصطلاحاً؟ مدعاها أنه في فرض عدم البيان وانتفاء الحجة، فلا عهدة ولا تکلیف على المكلف إلى أن يرد البيان؛ فالبرائة لا تدعي نفي التكليف واقعاً وثبوتاً… فلو انقلب المطلب إلى نفي التكليف واقعاً، لخرج عن حریم مدعانا وتغيرت الهوية… فالمدار هل هو نفي ظاهري أم واقعي؟… إن القائلين بالبراءة إنما يدعون انتفاء التكليف فعلياً وظاهراً في حقهم، لا انعدامه في اللوح المحفوظ واقعاً… وعليه، فإن من سلك من الأعاظم مسلك القول بالرفع الواقعي، قد أخرج هذا الحديث عملياً عن صلاحية الاستدلال في هذا الباب. فالحاصل أن في مسألة البراءة دعوى محددة، ويتحتم موازنة الأدلة لاستكشاف مدى قدرتها على إثباتها.
السؤال: …
الأستاذ: ومن هنا تلمسون سر مصير الشيخ الأنصاري وغيره إلى القول بأن حدیث الرفع يرفع “وجوب الاحتياط”، رامين بذلك لتصوير الرفع بالوجه الواقعي؛ لظنهم أن الرفع الواقعي… لا يتأتى معه إثبات التكليف ظاهراً… كلا، فليس الأمر محصوراً في تعين أحدهما بدواً؛ بل لندع الخطى تسير قليلاً لتتجلى معالم الرواية.
والآن نخضع القرية الأولى (تناسب الحكم والموضوع) للمحاكمة؛ فأساس هذا الدليل وقوامه مبني على قاعدتي: «الجهل بالشئ فرع وجوده» و«الشک بالشئ فرع وجوده»؛ أي أن انتفاء العلم بالشئ أو عروض الشك فيه يتفرع عقلاً برسم تقدم ثبوت ذلك الشئ.
ونحن نقول: إن عروض الجهل أو الشك قد يتفرع تارة برسم “الوجود المطلق” للشئ، وقد يتفرع تارة أخرى برسم “الوجود في الجملة”. فلو سلمنا جدلاً بتوقف الجهل على تقدم الوجود، فهل المتوقف عليه هو الوجود المطلق المستوعب، أم صرف الوجود في الجملة؟ إن كان المتوقف عليه هو الوجود المطلق، تمت القرينة واستقر الدلالة؛ لكون الجهل والشك لا يتصوران إلا مع فرض ثبوت الحكم بنحو الإطلاق والاستيعاب. أما لو قلنا إن المتوقف عليه ليس الوجود المطلق بل صرف “الوجود في الجملة”، لجرى تصوير المطلب بأن الحكم مجعول وثابت في حق الصنف العالم بخصوصه، والجاهل يقع جاهلاً بهذا الحكم الثابت في حق غيره.
وما المراد بالوجود في الجملة هاهنا؟ هو ثبوت [الحكم] وجعله في حق العالم حصراً؛ فهذا محقق لصرف الوجود. فنحن تارة نفرض الحكم مطلقاً وشاملاً للصنفين (العالم والجاهل)، وتارة نخصه بالعالم؛ وكلاهما نحو من الوجود، بيد أن أحدهما مطلق والآخر في الجملة. ومع هذا الاحتمال الصياغي، ما المانع من الالتزام بالوجود في الجملة للحکم وجعل الشك متفرعاً عليه؟ فلو التزمنا بهذا التخريج، لما أفضى بنا المطلب بالضرورة إلى الرفع الظاهري؛ لإمكان فرض ثبوت الحكم واستقراره في حق العالم كلیّاً، مع جهل الشخص الآخر به؛ فكأنما الجعل مقصور برسم العالمين. وهذا التصوير يؤول إلى الرفع الواقعي بالقياس للجاهل، لا الظاهري؛ ومن ثم فإن الشاهد الأول المقرَّر لظاهرية الرفع يصبح محلاً للإشكال والخدشة الصناعية.
دراسة الشاهد الثاني
وأما الشاهد الثاني فكان مرتکزه قاعدة “اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل”؛ وهذا مبحث مبنائي واسع جداً؛ إذ يذهب فريق من المحققين إلى منع ورود أي رواية تنهض دليلاً على إثبات اشتراك الأحكام بين العالمين والجاهلين صياغةً.
السؤال: …
الأستاذ: وهم يجيبون عن تلك الموارد أيضاً… وأنا أعرض عن الولوج دراسةً في هذا المضمار تفادياً للإطالة… ويمكنكم مراجعة تفصيله في كتاب “منتقى الأصول”، المجلد الخامس، الصفحة 388… إنما أشير لكونه محلاً للاختلاف… ولست في مقام نفيه الآن… وبعض الأعلام لا يرى هذا الإيراد مستقراً… فالأمر فيه تدافع خلافي، وإن كان المشهور المستقر بين الأصوليين هو القول باشتراك الأحكام بين الصنفين. ولدينا في الفقه قاعدتان للاشتراك؛ الأولى: “قاعدة اشتراك الكفار باالمسلمين في الفروع”، والثانية: “قاعدة اشتراك الأحكام بین العالم والجاهل”؛ وهما يسبحان في واديين متباينين تفرقةً. والمشهور يلتزم بالثانية، لکن من الأعلام من يمنعها؛ وعليه فإن تمامية الشاهد الثاني تدور مدار استقرار این المبنى حجيةً.
دراسة الشاهد الثالث
وتلخص الشاهد الثالث في أن القائلين بالبراءة يطبقون كلمتهم على تسليم “حسن الاحتياط” ورجحانه عقلاً وشرعاً؛ والاحتياط لا ينقدح له وجه صياغي إلا مع فرض وجود حكم واقعي مستقر يحتمل إدراكه وإصابته، أو يؤمل نواله بالعمل؛ فالبرائتيون -مع نفیهم الحتمي لوجوب الاحتياط- لا يماری أحد منهم في أصل حسنه ومطلوبيته. ومقتضى هذا التسليم ثبوت واقع محفوظ في نفس الأمر، وجاء حديث الرفع ليرفعه في ظرف الظاهر صِرفاً.
وهذا المقال بدوره يقع موقعاً للبحث والأخذ؛ فهل حسن الاحتياط متوقف بالضرورة والملازمة على إدراك الواقع؟ وهل يشترط في المحتاط أن يبني عمله حتماً على ركيزة إحراز الواقع وإصابته؟ یحتمل؛ وهذا يستقیم لو کنا نمتلك دلیلاً مستقلاً على حسن الاحتياط، وهو متوفر في بعض الموارد بالوجدان. لکن لو خلا المورد از دليل الوجوب، وقام الدليل على مطلق الحبوب والمطلوبية، فلا تنافي في الباب اصلاً؛ إذ قد لا يبلغ العمل رتبة الإلزام والحتمية، لکنه يُحتمل كونه مطلوباً ومحبوباً عند الشارع وإن لم يثبت إلزاماً، دون لحاظ قضية إدراك الواقع؛ فيتحرك العبد بملاك احتمال المطلوبية صِرفاً.
السؤال: …
الأستاذ: قد يتمحض المحرك في صرف احتمال المطلوبية؛ ومتى جاز هذا الوجه، انقطعت دلالته على الرفع الظاهري بالتعين. والبحث الذي نقبض عليه الآن إنما هو البراءة من وجوب شئ یا تحريمه؛ فهذا هو قطب الرحى… وعليه فهل يعجز هذا الشاهد عن إثبات الصبغة الظاهرية للرفع؟… لیس مدعانا في الرتبة الحالية متمحضاً في ذلک، وسيتضح غداً بحوله تعالى.