الدرس السادس والخمسون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الأول
الدرس السادس والخمسون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الأول: الكتاب – الآية الرابعة – دراسة الآية الرابعة – الإشكال الأول والثاني والثالث ودراستها
23 جمادى الثانية 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
في دراسة أدلة البراءة، استُدلّ حتى الآن بثلاث آيات. وقد خضعت هذه الآيات الثلاث للدراسة والتمحيص؛ فدلّت الآية الأولى والآية الثالثة على البراءة، غير أن الآية الثانية افتقرت إلى هذه الدلالة.
الآية الرابعة
والآية الرابعة هي الآية ١٤٥ من سورة الأنعام، وقد استند إليها الشيخ الأنصاري في كتابه الرسائل. كما ذكر الميرزا القمي الاستدلال بهذه الآية في كتابه القوانين، غير أنها وقعت موضع إشكال من قبل بعض الأعلام أيضاً. والآية هي: «قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). يُعلّم الله تبارك وتعالى في هذه الآية نبيّه الأكرم (ص) كيفية الاحتجاج على اليهود والرد عليهم.
فقد كان اليهود في الواقع يحرّمون على أنفسهم بعض الأمور ويباشرون التشريع من عند أنفسهم؛ فيدرجون ضمن المحرّمات أشياء لم يحرّمها الله تعالى. فيأمر الله نبيّه أن يجيبهم بهذا النحو: «قُلْ لَّا أَجِدُ فِی مَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا»؛ أي إني لا أجد فيما أُوحي إليّ شيئاً محرّماً؛ بمعنى أن ما حرّمتموه أنتم ليس مندرجاً ضمن المحرّمات التي أُوحيت إليّ. وبذلك كأنه يوجّه إليهم هذا الإشكال: لماذا تحرّمون على أنفسكم أشياء وتجتنبون بعض الأمور؟
والاستدلال متعلق بصدر هذه الآية، أعني قوله: «قُلْ لَّا أَجِدُ فِی مَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا». و«لَا أَجِدُ» بمعنى لا أعثر؛ وعدم الوجدان وعدم العثور على المحرَّم – الذي هو بطبيعة الحال، وفق هذه الآية، نتيجة بحث النبي وتقصّيه – معناه: إذا لم يحرّم الله شيئاً، فلِمَ تحرّمونه أنتم؟ ويُستفاد من الآية أنّا إذا بحثنا في مورد ما فلم نجد فيه حراماً، فذلك الشيء ليس بحرام، ولا أقل من أنه لا يمكن ترتيب آثار الحرمة عليه؛ وهذا هو عين معنى البراءة. وما معنى البراءة أصلاً؟ البراءة هي أن نحكم بعدم الحرمة في موضع نحتمل فيه الحرمة؛ بمعنى أن نقول: هذا الأمر ليس محرّماً علينا فعلاً ما لم يقم دليل على حرمته.
وبهذا تدلّ الآية على البراءة؛ إذ تقول: «لَّا أَجِدُ فِی مَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا»؛ أي إني لم أجده ضمن عداد المحرّمات. فإذا لم نجد شيئاً بوصفه محرّماً، فطبيعيٌّ أن لا تثبت الحرمة في النطاق الذي كان ينبغي لنا البحث فيه. أما كون النبي قد قال «لَا أَجِدُ» في نطاق آخر بصورة مغايرة، فذلك أمر آخر لا أهمية له هاهنا؛ والمهم أنه متى تحقق عدم الوجدان، فلا تثبت بعده حرمة، وهذا هو عين البراءة.
دراسة الآية الرابعة
وقد أُورد على الاستدلال بهذه الآية عدة إشكالات؛ فقد طرح الشيخ الأنصاري نفسه إشكالين، كما ذكر آخرون – ممن علّقوا على الرسائل أو تعرّضوا للمسألة بمناسبة في كتب أخرى – هذه الإشكالات. وسنتولى الآن نقل هذه الإشكالات ودراستها واحداً واحداً؛ ليتبين هل تدلّ الآية أم لا.
الإشكال الأول
الإشكال الأول هو أن الآية لا ظهور لها في هذا المعنى، بل فيها إشعار به فحسب. ولو كان لها ظهور في هذا المعنى لأمكن الاعتماد عليها؛ لكنها مشعرة بأنه في الموضع الذي لا يوجد فيه شيء بعنوان الحرام، لا ينبغي أن نتوهم حرمته. والإشعار لا يمكن أبداً أن يُقبل دليلاً. فظهور الآية قابل للأخذ، أما الإشعار فهو في مرتبة أدنى من الظهور، وهو ضعيف حقاً وغير قابل للأخذ به. وقد استند الشيخ نفسه إلى كلام للفاضل التوني حيث قال: «فی الآیة اشعار بان اباحة الاشیاء مرکوزة فی العقل قبل الشرع» (فی الآیة اشعار بان اباحة الاشیاء مرکوزة فی العقل قبل الشرع)؛ أي إن الآية مشعرة بأن إباحة الأشياء ارتكاز عقلي سابق على الشرع؛ بمعنى أن الأصل الأولي في الأشياء عند العقل هو الإباحة؛ فقبل أن يبيّن الشرع شيئاً، يكون الارتكاز العقلي قائماً على الإباحة، إلا أن يخرج عنها بدليل، أي أن يبيّن الشارع حرمته.
الجواب
ولعل هذا الإشكال قابل للجواب؛ ذلك أن البيان الذي ذكره المستدل لتقريب الاستدلال أعلى مرتبة من الإشعار. يقول تعالى: «قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ» (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ): قل لهم إني لا أرى في ما أوحاه الله إليّ حراماً مما حرّمتموه أنتم على أنفسكم. فحين يقول «لا أجد» (أي لا أعثر)، ويترتب على ذلك أنه ليس بحرام، فهذا ظهور لا إشعار؛ أي إن ظهور هذه الآية في البراءة حقاً لا يقل عن ظهور بعض الآيات السابقة. لذا فإن الشيخ نفسه قد قال في الواقع: سلّمنا دلالتها؛ أي لنسلّم الآن بدلالتها على فرض. وكأن ذلك يمهّد الطريق للعدول عن الإشكال الأول.
الإشكال الثاني
ثمة فارق بيننا وبين النبي. ففي حق النبي، يكون عدم الوجدان بمعناه الحقيقي دليلاً على عدم التحريم؛ لأن الله تعالى قد بيّن للنبي جميع المحرّمات والواجبات والأوامر بواسطة الوحي ومن دون واسطة. فالوحي نزل على قلب النبي؛ فحين لا يجد النبي حراماً في مجموع الوحي الإلهي، فهذا يعني أنه لا حرمة هناك في الواقع؛ إذ لو كانت موجودة لكانت في الوحي. وهنالك لا معنى لاحتمال عدم الوصول أو ضياعها على يد الأعداء وأمثال ذلك. أما في حقّنا نحن، فالأمر ليس كذلك؛ فعدم الوجدان عندنا لا يمكن أن يكون دليلاً على عدم التحريم؛ لأنا نعلم يقيناً أن بعض الأحكام الشرعية والمعارف لم تصل إلينا. فالظالمون والخلفاء وبنو العباس وبنو أمية كانوا يمنعون نشر أحاديث أهل البيت عصمة الله وطهارتهم؛ فلم تصل إلينا هذه الأحكام أصلاً، وعدم وجداننا هذا ليس دليلاً على عدم وجود الحكم. وبعبارة أخرى: عند النبي، عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود؛ أما عندنا، فعدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود. ولذلك لا يمكن الاستدلال بهذه الآية.
الجواب
وفي الجواب عن هذا الإشكال يُقال: إن النبي وفق هذه الآية يحاجّ اليهود، وقد بيّن الله له طريقة محاجّتهم؛ إذ قال: «قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً» (قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرّماً). وحين يحاجّهم بذلك، فإنه يبتغي غرضاً؛ وغرض النبي أن يقول لهم: يجب أن تكونوا أنتم أيضاً كذلك. فهو لا يريد أن يقول: أنا لست كذلك، أنا لم أجد، فإذن لا حكم؛ بل يريد أن يقول: أنتم أيضاً إذا لم تجدوا هذه الأمور ضمن المحرّمات، فيمكنكم العمل بها. وهذا هو عين معنى البراءة، أي نفي الحرمة ظاهراً. فالنبي – لكونه في مقام محاجّة اليهود – يريد أن يقول لهم: أنتم أيضاً متى لم تجدوا شيئاً، فقولوا إنه ليس بحرام ظاهراً؛ اذهبوا فانظروا في شريعتكم: هل حُرّم هذا الشيء؟ مع أنه لم يُحرَّم. وبعبارة أخرى: لو لم تكن الآية في مقام تعليم النبي طريقة المحاجّة مع اليهود، لكان هذا الإشكال ربما وارداً؛ لكن لأن الآية في هذا المقام، فإن عدم الوجدان عندهم أيضاً يمكن أن يكون دليلاً على عدم الوجود. فيقول: اذهبوا وابحثوا في شريعتكم: هل حُرِّم هذا؟ فإذا لم يكن قد حُرِّم، فلا إشكال إذن.
السؤال:
الأستاذ: لكنه يحاجّهم… يقول: أنا لم أجد، «قُلْ لَا أَجِدُ فِی مَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا» (قُلْ لَا أَجِدُ فِی مَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا). لا يقول: بما أني لم أجد، فاذهبوا ارتكبوه؛ بل يقول: أنا لم أجد. إنه يحاجّهم. فما معنى هذا؟ معناه: اذهبوا أنتم وابحثوا، فلن تجدوا شيئاً… نبيّنا يحاجّ اليهود… فما معنى المحاجّة هاهنا؟ لا، إنه يريد أن يقول: أنا لم أجد، فاذهبوا أنتم وابحثوا، فإن وجدتم… فحين يحاجّهم، فمعنى ذلك: أنا لم أجد، فاذهبوا أنتم؛ فإن وجدتم فاعملوا به، وإن لم تجدوا، فلِمَ تحرّمون إذن؟… ذاك إشكال آخر… حسناً، هذا عين ما أقوله. إشكال التشريع إشكال آخر، وسنصل إليه. ثمة إشكال طُرح هاهنا، وقد ذكره السيد أيضاً؛ وإشكال السيد هو أن هذه الآية في الواقع ترد التشريع، وهو بالضبط ما تقولونه أنتم؛ ولا علاقة لها بالبراءة أصلاً. وذلك إشكال آخر سنصل إليه. أما هاهنا فنحن بصدد الجواب عن كلام الشيخ. يقول الشيخ: إن عدم الوجدان عند النبي يختلف عن عدم الوجدان عندهم؛ فعندهم لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ، أما عند النبي فَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ؛ لأننا مبتلون بأن كثيراً من الأحكام كانت موجودة ولم تصل إلينا، أما النبي فلم يكن كذلك. هذا هو إشكاله.
وفي الجواب، يُقال: إن النبي لا يقول هذا لنفسه – أي ليس المراد أنه لأن عدم الوجدان عند النبي يدلّ على عدم الوجود، فإذن لا حرمة في الأمر – بل النبي في مقام محاجّتهم يقول ذلك، إنه يحاجّهم. فحين يحاجّهم، فما معنى ذلك؟ معناه: اذهبوا أنتم أيضاً وابحثوا، فلن تجدوا شيئاً. فعندهم أيضاً يكون عدم الوجدان دالاً على عدم الوجود.
السؤال:
الأستاذ: لا يقول: اعتمدوا على وحيي «فِیمَا أُوحِیَ إِلَیَّ» (فِیمَا أُوحِیَ إِلَیَّ)؛ هذا صحيح. لكن ينبغي أن نضمّ هاهنا أمرين أو ثلاثة. فقوله: «قُلْ لَا أَجِدُ فِیمَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا» (قُلْ لَا أَجِدُ فِیمَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا)، ليس معناه أن يقول: بما أني لم أجد في الوحي فهو غير موجود، وأنتم أيضاً لا ينبغي لكم فعل ذلك؛ لا، بل تنضمّ هاهنا أمران أو ثلاثة فتُستنتج تلك النتيجة. يقول: أنا لم أجد؛ فإن كنتم تقولون [إنه حرام]، فاذهبوا أنتم وابحثوا، فلن تجدوا أنتم أيضاً. وحين لا تجدون، فلِمَ تقولون إنه حرام؟ فكأن النبي في الواقع يقول لهم: إن لم تجدوا حرمة استناداً إلى دينكم وكتابكم وكلام نبيّكم وأصحاب نبيّكم، فهذا ليس بحرام؛ فلماذا تحرّمونه على أنفسكم بلا مسوّغ؟ هذا هو المراد؛ وليس المراد أنه بما أنه قد أُوحي إليّ ولم يكن في الوحي، فأنتم أيضاً لا ينبغي لكم اعتقاد الحرمة. ولو كانت محاجّة، أكان معناها هذا؟… وقد ورد في التاريخ أيضاً أنه – مع أن دين اليهود كان فيه من الأحكام والتكاليف الصعبة ما كان – لم يكن الأمر كذلك في أمة النبي، إذ خُفّفت التكاليف. وذلك أمر آخر بحدّ ذاته. فتلك الشريعة، مع ما كانت تحمله من تكاليف شاقة في ذاتها، أضاف إليها اليهود لعلل شتى دائرة من المحرّمات؛ فهم حرّموا على أنفسهم أشياء صراحةً، أموراً كان النبي يقول إنها ليست بحرام؛ ولذا فإنه في مقام محاجّتهم يدعوهم إلى أن يذهبوا فيبحثوا بأنفسهم، فلن يجدوا. وحين لا يكون موجوداً، وحين لا تجدون حرمة، فذلك يدل على عدم وجود الحرمة.
الإشكال الثالث
الإشكال الثالث هو ما طرحه السيد، وهو أن عبارة «لَا أَجِدُ فِیمَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا» (لَا أَجِدُ فِیمَا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا) تعبير كنائي. أي إن النبي بدلاً من أن يصرّح بأنكم حرّمتم على أنفسكم من عند أنفسكم أشياء ليست بمحرّمة، يقول: «لَا أَجِدُ» (أنا لم أجد)؛ فاستُعمل تعبير «لَا أَجِدُ» (لَا أَجِدُ)، لكن المراد الحقيقي ليس أنه لم يجد في الوحي، بل يريد أن يقول: إن مثل هذا الشيء لا يمكنكم العثور عليه. وهذا موجود في الكلام العرفي أيضاً؛ فلو دخل أحد هذه الغرفة الآن وسألكم: هل فلان هاهنا؟ فقلتم: أنا منذ الصباح وأنا هاهنا ولم أره؛ فحين تقولون: أنا لم أره، فمعناه أن مثل هذا الشيء غير موجود، أي أنه ليس هاهنا. فهل لو قلنا ذلك، يكون قابلاً للاستدلال به؟ يقول السيد: لا. فلو قال صراحةً: أنتم حرّمتم على أنفسكم من عند أنفسكم أشياء لم تكن محرّمة، لربما اسُتفيد هذا المعنى، ولأمكن استنباط هذا المعنى؛ لكنه يقول: أنا لم أجد في الوحي، وأراد بقوله “لم أجد” المعنى الكنائي وهو أنكم حرّمتم على أنفسكم من عند أنفسكم أشياء لم تكن محرّمة؛ فلا علاقة لها بالبراءة أصلاً. إن هذا يريد أن يفهمهم أنكم حرّمتم على أنفسكم بلا مسوّغ من عند أنفسكم شيئاً لم يكن في الواقع محرّماً.
الجواب
وهذا الإشكال أيضاً قابل للجواب، كالإشكال الأول الذي ذكره الشيخ. ففي الإشكال الأول، قال الشيخ: فيه إشعار؛ وقد قلنا: لا، بل هو أعلى من الإشعار، وكأنّ له ظهوراً في هذا المعنى. وهاهنا يقولون: إنه تعبير كنائي. فلنفترض أصلاً أنه تعبير كنائي – مع أن كونه تعبيراً كنائياً هو أول الكلام بنفسه، ولا قرينة عندنا على أن هذا المعنى كنائي؛ فهو يقول: أنا لم أجد، فاذهبوا أنتم وابحثوا، هل تجدون؟ فأنتم أيضاً لن تجدوا – لكن لو سلّمنا أنه معنى كنائي أيضاً، فإن هذا يشير إلى مطلب وهو أنه لا يحق لكم أن تحرّموا من عند أنفسكم شيئاً؛ فالحرام والحرمة بحاجة إلى دليل وعلة، ولا يمكن تحريم شيء بلا مسوّغ، وذلك متوقف على بيان من الشارع؛ فإن لم يكن قد بيّنه، فيتبين أنه لا حرمة هنالك. ولذا فحتى لو كان هذا التعبير كنائياً، فلا إشكال من هذه الجهة أيضاً.
السؤال:
الأستاذ: ولِمَ يكون كناية؟… قد يكون. لا دليل عليه… لو كان المعنى صريحاً أصلاً… فالنبي لا يمكنه أن يقول هذا الكلام؛ فعند النبي عدم الوجدان يدلّ على عدم الوجود… هذا لا يقول إنه كناية عن عدم الوجود؛ فعن أيّ شيء يكون كناية؟ إنه كناية عن أنكم حرّمتموه من عند أنفسكم؛ هذا ما يقوله. يقول: إنه كناية عن «إِنَّمَا حَرَّمْتُمُوه مِنْ قَبْلِ أَنْفُسِکُمْ» (إِنَّمَا حَرَّمْتُمُوه مِنْ قَبْلِ أَنْفُسِکُمْ)… ونحن نقول: لا، إنه ليس كناية؛ ولو كان كناية، فهو قابل للجواب أيضاً؛ أريد أن أقول إنه حتى حين يقول النبي هذا كناية، فإنه يريد أن يقول: كناية عن ماذا؟ عن أنكم حرّمتموه من عند أنفسكم، وأنه لم يكن محرّماً… أنا أردّ هذا… لا، هذا يقول: أنتم حرّمتموه من عند أنفسكم؛ فما معنى ذلك؟ هذا كناية. إنه كناية حقاً، أي أنكم حرّمتم هذا من عند أنفسكم؛ لكن ما معنى أنكم حرّمتموه من عند أنفسكم؟ معناه أن الشيء لم يكن في الواقع محرّماً، وأنتم حرّمتموه… هذا كلامي. يقول السيد: حين يكون كناية عن هذا، فلا دلالة له على البراءة. ونحن نقول: بل له دلالة؛ نقول إن هذا المعنى يُستفاد منه…