The news is by your side.

الدرس الخامس والخمسون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الأول

الدرس الخامس والخمسون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الأول: الكتاب – الآية الثالثة – دراسة الآية الثالثة – الإشكال الثاني – الاحتمالات في الآية – دراسة الإشكال الثاني – مؤيد الاستدلال بالآية الثالثة

22 جمادى الآخرة 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان كلامنا في دلالة الآية 115 من سورة التوبة على البراءة، وقد مرّ تقريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) [التوبة: 115]. وذكرنا أن عبارة (وَمَا كَانَ اللَّـهُ) تشير -حسب رأي المستدل- إلى سُنّة الله الثابتة والمستمرة، وليست مختصة بالزمن الماضي. كما أن لفظ (لِیُضِلَّهُمْ) جاء بمعنى “ليعذبهم”، وعبارة (مَا یَتَّقُونَ) تعني الأوامر والنواهي الإلهية؛ وعليه يكون معنى الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب قوماً أبداً إلا بعد أن يبيّن لهم أوامره ونواهيه.

وفي متابعة البحث، ذكرنا ورود بعض الإشكالات على هذا الاستدلال.
حيث كان الإشكال الأول -الذي طرحه الشيخ الأنصاري (قدس سره)- نظير الإشكال الوارد على آية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15]؛ لكون (كُنَّا) ظاهرة في الزمان الماضي، مما يستدعي اختصاص الآية بالأمم السابقة، فضلاً عن كون المراد بالعذاب فيها هو العذاب الدنيوي. وقد أجبنا عن هذا الإشكال وصححنا المطلب في محله.

تتمة الإشكال الثاني

وحاصل الإشكال الثاني هو تطرّق احتمالات متعددة في تفسير الآية الكريمة؛ إذ ثمة ثلاثة احتمالات أخرى على الأقل -غير ما ارتضاه المستدل- يمكن تصويرها في المقام، خلافاً لحمل لفظ (لِیُضِلَّهُمْ) على معنى العذاب (أي ليعذب قوماً).
وقد ذكرنا في الجلسة السابقة الاحتمال الثاني (والذي ندرجه هنا كأول الاحتمالات المقابلة لقول المستدل) وهو أن يكون قوله (لِیُضِلَّهُمْ) بمعنى “لأن يجعلهم في الضالين”؛ أي يدرجهم في زمرة الضالين ومجموعتهم.
وإذا حُمل اللفظ على هذا المعنى، فسيكون مؤداه في حقيقته نوعاً من العذاب الدنيوي. وبموجب ذلك يؤول معنى الآية إلى أن الله سبحانه وتعالى لم يدرج قوماً في زمرة الضالين إلا بعد تبيين التكاليف والنواهي لهم وإعراضهم عنها؛ فلا يدخل أحد في زمرة الضالين -بموجب الآية- إلا بعد قيام البيان الإلهي وتماميته.

الاحتمال الثاني

والاحتمال الآخر هو حمل (لِیُضِلَّهُمْ) على معنى “ليعرض عنهم”؛ أي إن الله سبحانه وتعالى لا يعرض عن قوم ولا يكلهم إلى أنفسهم، إلا بعد بيان أوامره ونواهيه لهم وإعراضهم وتمردهم عنها، ليكونوا هم السبب في عروض الإعراض الإلهي عليهم. وعليه، فإن إعراض الله جل وعلا عن أي قوم منوط بسبق البيان وإيضاح سبل التقوى لهم وتفريطهم في جنب ذلك.
وحتى لو سُلّم بهذا الاحتمال، فإن إعراض الله سبحانه يختص بالدنيا كسابقه؛ إذ يمثل إعراض الباري جل وعلا عن قوم وإهمالهم ضرباً من العذاب والعقوبة الدنيوية التي تقع عليهم من قبله سبحانه.

الاحتمال الثالث

والاحتمال الثالث هو تفسير قوله: (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا) بمعنى “ما كان الله ليترك أمة”؛ أي إن الباري سبحانه وتعالى لا يترك أمة من الأمم وشأنها إلا بعد أن (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ)؛ فإذا أرسل الله نبياً لقوم وهداهم إلى التوحيد والإيمان، فلن يتركهم هكذا هملاً بعد هدايتهم، بل ينزل عليهم ويرسل إليهم منظومة من القوانين والتشريعات بوصفها شريعة هادية ليعملوا بها في حياتهم. وهذه هي السُنّة الإلهية؛ فليس من شأن الله الاكتفاء بإرسال الرسول فحسب، بل يبعثه مقترناً ببيان الأحكام والشرائع والأنظمة المكتوبة.
وهذا الاحتمال -كما هو جلي- أجنبي بالكامل عن مسألة البراءة؛ نظراً لكون عدم ترك الأمة لا يندرج في مفهوم العذاب أصلاً، لا الدنيوي منه ولا الأخروي. فالله سبحانه يخبر هنا بأنه لا يترك الخلق هملًا بلا شريعة تكمل هدايتهم، فلم يكن من ديدنه إرسال نبي ثم ترك الناس يفعلون ما يشاؤون، بل يتبع الرسالة بإنزال الشريعة والأحكام ليلتزموا بها. وعليه، لا يصح الاستدلال بالآية بموجب هذا الاحتمال بالمرة.
فالحاصل وجود هذه الاحتمالات المتعددة في فقه الآية الكريمة، ومع تطرّق هذه الاحتمالات وتعددها يسقط الاستدلال بها عن الحجية والاعتبار؛ تطبيقاً للقاعدة المعروفة: “إذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال”.
وهذه الاحتمالات الثلاثة مغايرة للوجه الذي ارتضاه المستدل؛ ليرتفع مجموع الاحتمالات في تفسير الآية الكريمة إلى أربعة أوجه. يثبت الاستدلال ويصح على وجه واحد منها، بينما يمتنع وينتفي على الوجوه الثلاثة الأخرى بالتمام.

دراسة الإشكال الثاني

يتعين علينا الآن محاكمة هذا الإشكال وبيان مدى وروده وصحته فقهياً وصناعياً. لقد طرح المستشكل احتمالات متعددة، ولكن يلزمه لإثباتها إقامة القرائن والشواهد الصالحة؛ لكون بعض هذه الاحتمالات تقع في مصادم ومخالفة لظاهر الآية الكريمة بالوجدان. فمثلاً في الاحتمال الثالث القاضي بحمل (لِیُضِلَّهُمْ) على معنى “ليعرض عنهم”، بأي مسوغ وقرينة يحمل لفظ الإضلال على الإعراض؟ فهذا تفسير يجافي الظاهر العرفي واللغوي للآية بالكلية. وكذا الشأن في حمل (لِیُضِلَّهُمْ) على معنى “لأن يجعلهم في الضالين”، فهو مضافاً إلى حاجته لتقدير محذوف، يتنافى مع السياق العام للآية الكريمة ومساقها الإجمالي.

وعلاوة على ذلك، لو تنزلنا وسلمنا بالاحتمال الأول (المقابل للمستدل)، فإنه يسعنا حينئذٍ تشييد الاستدلال وتثبيته عبر مسلك آخر؛ وحاصله: أن غاية ما يقال في وجه حمل (لِيَجْعَلَهُمْ فِي الضَّالِّينَ) هو دلالته على العقوبة الدنيوية بالخصوص، غير أنه يسعنا الانتقال منها لإثبات العقوبة الأخروية من باب “الأولية العرفية”؛ فنقول: إذا كان الباري سبحانه وتعالى يمتنع عن إنزال عقابه الدنيوي (المتمثل في الإضلال وجعل المرء في زمرة الضالين) على من لم تبلغه الأوامر والنواهي الإلهية، فامتناعه عن إنزال العقاب الأخروي أحرى وأولى بطريق الأولوية القطعية. وعليه، يكون ثبوت العقاب الأخروي مشروطاً بالبيان بطريق الأولوية، ويدور مدار وصول التكليف؛ فإذا انتفى البيان قبح العقاب وامتنع العقاب الأخروي تلازماً. فالأولوية تقتضي من هذا الوجه توقف العقاب الأخروي على البيان بالتمام؛ فما دام العقاب الدنيوي متوقفاً على سبق البيان والتعليم، فالأخروي أولى بهذا التوقف والاشتراط بلا ريب.

السؤال: …

الأستاذ: ليس البحث هنا يدور مدار فعلية عذاب هذا القوم وتحققه، بل النكتة تكمن في كون العقاب دائراً مدار البيان؛ أي إن العذاب يدور مدار البيان وجوداً وعدماً، وهذه الأولوية مستقرة وصحيحة في المقام. … غير أن الإشكال الحقيقي يرتد إلى أمر آخر؛ فلو أثبتنا اختصاص الآية بالعذاب الدنيوي لتعين اندراجه في شأن الأمم السابقة حصراً، وعندئذٍ يتعذر استخلاص قاعدة كلية عامة مطردة تجري إلى آخر الدهر. وغاية ما ترومون إثباته من هذا الطريق هو تلازم العقاب الدنيوي مع العقاب الأخروي في حق من عُذّب… وهنا مسألتان متباينتان؛ الأولى: قولكم بوقوعهم في زمرة الضالين يستدعي بطريق الأولوية عذابهم في الآخرة، لكن توقف العذاب على البيان مسألة أخرى مغايرة بالكامل. والبراءة لا تهدف لإثبات أن الأمم السابقة من الضالين سيعذبون في القيامة أم لا، فليعذبوا إن كانوا ضالين، بل البراءة تسعى لإثبات نفي العقاب مع عدم البيان ابتداءً. فلو تمخضت الآية في شأن الأمم السابقة وعقابها الدنيوي بالخصوص، لم تعد ناهضة للاستدلال في المقام. وقد أسلفنا أن إشكال الشيخ الأول ينطوي على جهتين؛ الأولى: قيد (كُنَّا) الدال على الماضي، والثانية: دلالتها على خصوص العذاب الدنيوي. فلو أثبتنا عذاباً دنيوياً للأمم السابقة فحسب، وحتى لو استلزم عذابهم الأخروي تلازماً وعبّر الإخبار الإلهي عن عذابهم الأخروي تلازماً؛ فهل ينهض ذلك لإثبات أصل البراءة في حقنا؟ … نحن نبحث في تأسيس قاعدة البراءة الشرعية… وعليه، فإن مجرد جعلهم في زمرة الضالين وعذابهم الأخروي المترتب لا يكفي وحده لتأسيس البراءة في المقام. وهذا هو جوهر ما تدعون إليه… بعبارة أخرى: كأنكم تسلّمون بدلالة (كُنَّا) على الزمان… وتحملون (لِيُضِلَّ قَوْمًا) على معنى (لِيَجْعَلَهُمْ فِي الضَّالِّينَ)، وتغضون الطرف عن تلك الجهة باعتبار أن الكون في زمرة الضالين يستتبع عقاباً أخروياً بحد ذاته. حسناً، فهذا يعني أن الله تبارك وتعالى لا يجعل قوماً (أي ليس من شأنه وسيرته) في زمرة الضالين في الدنيا ابتداءً وبلا بيان سابق.

أما الاحتمال الثالث فهو احتمال يخالف ظاهر الآية الكريمة صراحة؛ إذ تفسير قوله تعالى (بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) بمعنى أنه لا يتركهم بعد إرسال الرسل بل يأتي بالشرائع والأحكام، يجافي السياق؛ لكون ظاهر الآية يقضي بأن إرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع هو بعينه مصداق الهداية ومن شؤونها، وليس المعنى أنه يهدي ثم يرسل شريعة أخرى مغايرة لهدايته. وبناءً على ذلك، يسقط الاحتمالان الثاني والثالث لمخالفتهما الصريحة لظاهر الدليل والتبادر العرفي. ويبقى الاحتمال الأول المذكور في كلام المستشكل، وهو احتمال يسعنا من خلاله إثبات البراءة وصحتها بالتقريب المذكور آنفاً. وعليه، فسواء صرنا للاحتمال الأول أو الثاني، فإن الآية تظل ناهضة لإثبات البراءة وصلاحيتها للاستدلال.

مؤيد الاستدلال بالآية الثالثة

وممّا يؤيد هذا الاستدلال ويقويه، ما ورد في شأن نزول هذه الآية الكريمة؛ حيث نُقل في أسباب النزول وجهان وأثران:

  1. إن ثلة من المسلمين قد وافاهم الأجل وانتقلوا إلى جوار ربهم قبل بيان الفرائض والواجبات والمحرمات وتشريعها بالكامل؛ فجاء بعض الصحابة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسألوه: يا رسول الله، ما حال إخواننا هؤلاء الذين قضوا نحبهم قبل نزول الفرائض وتبيين التكاليف؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة: (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ)، ومفادها: «ما كان الله ليعذب قوماً بعد إذ هداهم»؛ فهؤلاء الإخوة قد استقروا على الهداية والإيمان وماتوا قبل تبيين الفرائض، فلا ينالهم عذاب الله لعدم البيان والتكليف في حقهم.

  2. إن بعض الواجبات والأحكام كانت تُنسخ بمرور الوقت وتتبدل بتشريع جديد، وكان إبلاغ هذه التكاليف الجديدة ووصولها إلى المسلمين في المناطق النائية يستغرق وقتاً طويلاً، فربما مات بعضهم قبل أن يبلغه حكم النسخ والتكليف الجديد. فجاء المسلمون يسألون النبي عن منزلتهم ومصيرهم، فنزل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُم…) تطميناً لهم وبياناً لعدم مؤاخذتهم بالتكليف غير البالغ.

وهذان الشأنان في النزول يتعلقان صراحة بأمة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) ومسلمي صدر الإسلام؛ وعليه، فالآية الكريمة لا صلة لها بخصوص الأمم الغابرة وسيرتها التاريخية المحضة، بل تؤسس حكماً وقاعدة شرعية عامة مطردة تجري في حق هذه الأمة بالخصوص.

وبناءً على هذا المجموع، وبالنظر إلى هذا المؤيد الجلي ومعالجة الإشكالين الأول والثاني وتفنيدهما، يترجح بالصناعة دلالة هذه الآية الكريمة على أصل البراءة الشرعية، لتجري على حد آية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) في إثبات المطلوب ونفي المؤاخذة بلا بيان.

بحث الجلسة القادمة

وقد بقيت في المقام آيتان أو ثلاث آيات أخرى استُدل بها على البراءة، وسنعرض لتفصيل القول فيها ومحاكمتها بمشيئة الله تبارك وتعالى في الجلسات القادمة