الدرس الحادي والأربعون، أصالة البراءة، البراءة العقلية
الدرس الحادي والأربعون
أصالة البراءة – البراءة العقلية – دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة – تبيين نظرية حق الطاعة
25 جمادى الأولى 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة: أشرنا سابقاً إلى الوجوه الأربعة المصورة لتوجيه قاعدة “قبح العقاب بلا بيان” كدليل على البراءة العقلية، وعرضنا لإشكالات الشهيد الصدر عليها المستندة بالأساس إلى مسلكه الخاص في “حق الطاعة”. ومن ثم، يتعين علينا التحقيق علمياً وصناعياً في مدى صحة البراءة العقلية؛ ويتوقف هذا التحقق على دراسة عقبة مسلك “حق الطاعة” النافي للبراءة والملتزم بالاحتياط كأصل أولي عقلي.
دراسة إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة
وقبل الخوض في تفصيل الإشكالات والاعتراضات الواردة على هذا المسلك الشريف، وتلبيةً لرغبة ثلة من الفضلاء، نعرض أولاً لتبيين ركائز نظرية “حق الطاعة” وتشريح معالمها، ثم نثني بالدخول في معترك الإشكالات والردود بمشيئة الله تعالى.
تبيين نظرية حق الطاعة
يرتكز منطلق الإشكال عند الشهيد الصدر (قدس سره) على أن المشهور من الأصوليين قد وقعوا في خطأ منهجي فاحش؛ حيث عمدوا للتفصيل والتفكيك بين مسألتين وحسبوا تباينهما بالتمام، والواقع خلاف ذلك. وهاتان المسألتان هما “الحجية” و”المولوية”. فالمشهور يفرغون من ثبوت ركيزة المولوية لله سبحانه في الرتبة السابقة ولا ينكرونها؛ غير أنهم في مسألة المنجزية والحجية يفصلون؛ فيرون التكليف منجزاً وحجة إذا كان واصلاً يقيناً، وأما إذا تخلف عن الوصول العلمي واليقين فلا يتصف بالحجية والمنجزية عندهم.
ويذهب الشهيد الصدر إلى أن هذا التفكيك خطأ فاحش قادهم للقول بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لكون هذا التفصيل والتقسيم في الحقيقة هو تصرف وتفصيل في مساحة مولوية المولى نفسه وحدود “حق الطاعة”؛ نظراً لكون الحجية والمنجزية من اللوازم الذاتية للمولوية الواقعية. وتوضيحه: أننا متى ما أذعنا لحق المولى وحق عبودية العباد، ولدت في ركاب ذلك مسألة الحجية والمنجزية بالتبع؛ ومن ثم يؤول التبعيض في موارد المنجزية إلى التبعيض والتفصيل في مساحة مولوية المولى نفسه؛ كأن المولى يتصف بالمولوية في مساحة القطع واليقين، ويُسلب هذا الوصف عنه في مساحة الشك والاحتمال.
وينشأ هذا الخطأ المنهجي الفاحش -برأي السيد الصدر- من قياس “المولوية الحقيقية الذاتية” لله سبحانه على “المولوية العقلائية” المجعولة. فالمولويات العرفية والعقلائية يصح فيها تفصيل المشهور بالتمام؛ لكون المنجزية والمولوية مقولتين متباينتين يصح التفكيك بينهما قانوناً؛ وأما في المولوية الذاتية الإلهية فيمتنع التفكيك والقياس بالوجدان.
وعليه، يتقرر محط النزاع الفعلي بين المشهور والشهيد الصدر في سعة وضيق دائرة المولوية ومدى تلازم الحجية معها؛ والمنشأ هو تسري أحكام المولوية العقلائية إلى المولوية الذاتية الحقيقية. ويذهب الشهيد الصدر إلى تصنيف المولوية إلى ثلاثة أقسام:
-
المولوية الذاتية: وهي المختصة بالذات القدسية للباري عز وجل؛ وهي مولوية حقيقية تكوينية لا تنالها يد الجعل والاعتبار بالكلية؛ بل يستحقها الله سبحانه حقيقةً بمقتضى خالقيته ومالكيته الحقيقية ومنعميته السابغة على سائر الموجودات ولا سيما الإنسان.
-
المولوية المجعولة من لدن الشارع: وهي الولاية التي يفوضها ويجعلها المولى الحقيقي (الله سبحانه) لبعض خلقه؛ كجعل الولاية والمولوية للأنبياء والأوصياء والوالد والمجتهد الجامع للشرائط. وطبيعي أن تتحدد هذه المولوية سعة وضيقاً بحدود الجعل الإلهي؛ فولاية المعصومين (عليهم السلام) والفقهاء أوسع بكثير صناعة من ولاية الأب على ولده الصغير أو الزوج على زوجته.
-
المولوية المجعولة من قِبَل العقلاء: وهي المولوية والولاية التي يتوافق العقلاء على جعلها واعتبارها لبعض الشخوص أو المؤسسات تدبيراً لشؤونهم؛ فيثبت لهم حق الأمر والنهي ولزوم الإطاعة. وبديهي أن تتقيد هذه المولوية حدوداً وسعة بحدود الجعل والاعتبار العقلائي؛ فحيثما اعتبر العقلاء لزوم الطاعة استقر الأثر، وحيثما سلبوا الاعتبار انتفى الأثر بالكلية.
ثم يتطرق الشهيد الصدر بعد هذا التقسيم لبيان الفوارق الجوهرية الفاصلة بين المولوية الذاتية والمولوية المجعولة عقلائياً؛ فيرى أن المولوية الذاتية يستحيل سلبها أو إسقاطها من لدن المكلف، بخلاف المولوية العقلائية القابلة للسلب والإسقاط. كما أن المولوية الذاتية مطلقة خالية من القيود والمحددات، في حين تتقيد المولوية العقلائية بحدود ضيقة. والمولوية الذاتية يمتنع فيها التبعيض والتفصيل بل هي حقيقة ثابتة ومستقرة في كافة الأزمنة والأمكنة والأحوال، بخلاف المولوية العقلائية القابلة للتبعيض والتفصيل في الموارد.
وينتهي (قدس سره) من هذا المنظور إلى أن المولوية المطلقة متى ما ثبتت لله سبحانه في كافة الأحوال، غدت “الحجية” من اللوازم الذاتية غير المنفكة عن هذه المولوية الذاتية؛ فلا يستقيم القول باتصافه تعالى بالمولوية المطلقة مع سلب الحجية عن أوامره ونواهيه في بعض الفروض. فإطلاق المولوية يلازم إطلاق الحجية بالوجدان. وإذا كانت المولوية غير قابلة للسلب، غدت الحجية غير قابلة للسلب من لدن الغير أيضاً؛ نعم، يصح للمولى نفسه إسقاط حجيته أو الترخيص في تركه في رتبة لاحقة.
ثم يتناول الشهيد الصدر بحث المسألة عبر مسلكين: سلبي وإيجابي؛ فيتصدى في المسلك السلبي لإبطال البراءة العقلية ومصادرة وجوهها الأربعة المألوفة لدى الأصوليين، ويتجه في المسلك الإيجابي لتأسيس وإثبات قاعدة الاحتياط عقلاً بموجب تنجيز المولوية المطلقة.
وقد أشار (قدس سره) إلى أن الخطأ الأساسي للمشهور يكمن في الفصل المنهجي بين المولوية والحجية؛ فالمولوية وحق الطاعة حقيقة واحدة بسيطة لا تقبل الشدة والضعف أو الزيادة والنقصان برأيه. فحقيقة حق الطاعة تقتضي لزوم امتثال كل تكليف صادر من المولى قامت الحجة عليه. ولكن ما هو ملاك الحجية والمنجزية في المقام؟
في موارد القطع واليقين، تتقرر الحجية الذاتية للقطع؛ فالشيء المقطوع به حجة ومنجز تنجيزاً ذاتياً لا ينفك عنه. ولكن كيف الشأن في موارد عدم اليقين كفرض الظن أو الشك أو الوهم؟ فهل تُسلب الحجية عنها وتخرج بالكلية عن حيز التنجيز؟ أم يتسع حيز الحجية ليعم هذه الموارد أيضاً؟
يذهب الشهيد الصدر إلى تنجز وحجية كافة التكاليف في جميع الموارد؛ سواء اتصفت بالقطع واليقين، أم دارت في فلك الشك والظن والوهم. ووجه ذلك عنده: أن موضوع حق الطاعة هو “التكليف المحرز”، والمراد بالمحرز مطلق الإحراز والانكشاف؛ سواء كان الانكشاف تاماً وقاطعاً، أم كان انكشافاً ناقصاً وظنياً أو وهمياً. فالوجود الواقعي ونفس الأمري للتكليف ليس هو الموضوع لحق الطاعة، بل الموضوع هو “التكليف المحرز” بشتى مراتب الإحراز.
ويقيم (قدس سره) الأدلة على نفي صلاحية التكاليف الواقعية بتمامها أو بجزئها لتكون موضوعاً لحق الطاعة؛ ليخلص عاقبة المطاف إلى حصر موضوع حق الطاعة في “التكليف المحرز”. ولا يراد بالإحراز هاهنا خصوص اليقين أو الظن الراجح، بل مطلق الانكشاف بأي نحو كان من الأنحاء؛ فما دام التكليف منجلاً في أفق المكلف بنسبة ما، لزم امتثاله ورعايته بموجب حق الطاعة.
السؤال: الانكشاف حاصل في المقام، غير أنه ليس انكشافاً تاماً بالكامل؛ فكيف يتصف التكليف بالمنجزية بموجبه؟
الأستاذ: نعم، هو انكشاف ناقص؛ ولكن العقل يحكم بمنجزية التكليف بموجب مطلق الانكشاف؛ فتارة يتصف الانكشاف بالتمام والكمال كفرض القطع واليقين، وتارة أخرى يقع الانكشاف ناقصاً كفرض الظن؛ حيث يرجح احتمال التكليف مع بقاء احتمال الخلاف مرجوحاً لعدم انبعاث الكشف التام؛ إذ لو انبعث الكشف التام لما بقي لاحتمال الخلاف مساحة في الذهن بالمرة. وفي فرض الشك، يتساوى الطرفان فيتحقق الانكشاف بنسبة خمسين بالمئة وجداناً.
السؤال: الكشف الناقص يتصور في فرض الظن؛ ولكن إذا علم المكلف بنسبة ثمانين بالمئة عدم ثبوت التكليف، ألا يعني ذلك إحرازه لانتفاء التكليف؟
الأستاذ: يرى الشهيد الصدر أن أي احتمال للتكليف -ولو بمرتبة ضعيفة وضئيلة كالوهم- كافٍ بحد ذاته لتحقيق الصلاحية للحجية والمنجزية ولزوم الإطاعة؛ والعقل يستقل بإدراك ذلك والحكم به. فلو احتمل المكلف التكليف بنسبة عشرين بالمئة مثلاً، كفت هذه المرتبة النازلة من الإحراز لتنجيز التكليف عقلاً. فالانكشاف مرتبتان: مرتبة عالية تامة بالقطع واليقين، ومرتبة نازلة ناقصة بالظن والشك والوهم؛ وكلاهما منجز بموجب حق الطاعة.
السؤال: …
الأستاذ: العقل في هذا المقام بمعزل عن دلالة النصوص والروايات الشرعية؛ بل حكمه مستقل وقاضٍ بلزوم رعاية التكليف المحتمل بموجب حق المولوية، ما لم يصدر ترخيص خاص بالترك من لدن المولى نفسه؛ وهذا القيد استثناء موضوعي ثابت عنده بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: كما أوضحنا سابقاً، فإن التزام الشهيد الصدر بحكم العقل بالاحتياط لا يلازم حث المكلفين على الاحتياط الفعلي في كافة الشبهات؛ لكونه يرتضي قيام الترخيص الشرعي بالترك ثبوتاً وإثباتاً بموجب أدلة البراءة الشرعية. فالنزاع متمحض في رتبة الحكم العقلي والأصل الأولي؛ حيث ينكر كون البراءة هي الأصل العقلي الأولي، ويذهب لأصالة الاحتياط عقلاً.
وعلى كل حال، يتقرر موضوع حق الطاعة في “التكليف المحرز” بأي نحو من أنحاء الإحراز؛ سواء كان تاماً أم ناقصاً في أدنى مراتبه. ومصطلح الإحراز أو الانكشاف يكثر استعماله في الفرض التام أو الراجح بالصناعة، ويقل استعماله في موارد الشك والوهم؛ غير أن الملاك يدور مدار قيام الاحتمال الفعلي للتكليف ولو ضعيفاً؛ لكون انتفاء احتمال التكليف بالكامل يسقط موضوع حق الطاعة والمولوية سالبة بانتفاء الموضوع.
وفي بيان مساحة وقلمرو حق الطاعة، يعرض الشهيد الصدر لبعض التفريعات والفوارق بين القطع وغيره من الحجج؛ فيسجل فروقاً متعددة، منها: عدم إمكان تفكيك القطع عن المنجزية صيانة للقانون العقلي، بخلاف الظن والشك والوهم القابل للتفكيك والتجريد عن المنجزية؛ إذ يمتنع على المولى عقلاً أن يأمر عبده بمخالفة قطعه ويقينه لاستلزامه المحال، بينما يسوغ له الترخيص بمخالفة الظن والشك والوهم لانتفاء المحذور فيه. ومنها: أن منجزية القطع مطلقة غير معلقة، في حين تتقيد منجزية غيره بشرط عدم إثبات الترخيص الظاهري بالترك. ومنها: أن القطع حجة في كلا جانبي التعذير والتنجيز، بخلاف الظن والشك والوهم؛ فإن حجيتها تقتصر على جانب التنجيز دون التعذير بالمرة.
وهذه نكتة صناعية مهمة؛ فالقطع منجز ومعذر على السواء بالمعنى الأصولي المقر؛ بينما التكليف المظنون أو المشكوك أو الموهوم يتصف بالمنجزية فحسب دون المعذرية. فلو حصل للمكلف ظن أو شك أو وهم بعدم التكليف، فأهمل العمل وترك الامتثال اعتماداً على ذلك، ثم انكشف له في الواقع ثبوت التكليف وقيامه، لم يكن معذوراً في الترك واستحق العقاب؛ لكون التكليف منجزاً عليه بمجرد قيام احتمال ثبوته في الرتبة السابقة.
هذا مجمل تصوير محل النزاع وتبيين أركان وموضوع نظرية “حق الطاعة” وسعة دائرتها وقلمروها في قبال مسلك المشهور؛ وبذلك اتضح موضوع حق الطاعة مدعوماً بقيوده وركائزه وصيرورته معلقاً على انتفاء الترخيص الشرعي؛ فالأصل الأولي العقلي عند انتفاء الدليل المرخص هو لزوم إتيان المكلف للتكاليف المحرزة بشتى مراتب الإحراز.
السؤال: …
الأستاذ: العقل يوجب العمل بكافة التكاليف المحرزة (يقينية، ظنية، مشكوكة، موهومة)… فالأصل الأولي عقلاً عند غياب الأمارة المرخصة أو الدليل الشرعي المعذر هو لزوم الامتثال والاحتياط.
بحث الجلسة المقبلة
إن لنظرية حق الطاعة آثاراً جلية تنعكس على مسألة الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري، والتعبد بالظن، وحجية خبر الواحد، وباب التجري، وتنجيز العلم الإجمالي؛ وسنعرض لبيان هذه الآثار ونقدها وصياغة الإشكالات البنيوية الواردة عليها بمشيئة الله تبارك وتعالى في الجلسة المقبلة.
السؤال: …
الأستاذ: كلاً، فاحتمال عدم التكليف لا يتصف بالمعذرية بالصناعة؛ فالاحتمال منجز وليس بمعذر. فمن ترك العمل بناءً على احتمال عدم ثبوته ثم تبين ثبوته واقعاً، لم يكن معذوراً عقلاً ولا يُقبل عذره في مقام الحساب والمؤاخذة.