The news is by your side.

الدرس الحادي والثلاثون، المقدمات، المقدمة العاشرة

الدرس الحادي والثلاثون
المقدمات – المقدمة العاشرة: تقسيم الأصول العملية إلى محرزة وغير محرزة – الإبهامات والتحديات في كلام المحقق النائيني – الأول: الاختلاف في المجعول في الأصول المحرزة – الثاني: معنى الجري العملي

4 جمادى الأولى 1447 هـ

الإبهامات والتحديات في كلام المحقق النائيني

كان البحث في المقدمة العاشرة من مقدمات الأصول العملية. وتنعقد هذه المقدمة حول تقسيم الأصول العملية إلى أصول محرزة وغير محرزة. وبما أن هذا التقسيم وهذا الاصطلاح من إبداعات المحقق النائيني، فقد نقلنا كلامه بالأمس؛ غير أننا بيّنا أن هذا الكلام نفسه يكتنفه الإبهام والإجمال، كما أنه يختلف عما أورده المقررون، فضلاً عن وجود عبارات للمرحوم النائيني نفسه في بعض المواضع تتنافى مع هذه المطالب، ناهيك عن التفاسير المختلفة التي صيغت لهذه الأقوال. ولذا، فرغم أهمية أصل المطلب، إلا أنه قد غدا معقداً بسبب هذه المسائل. ومن هنا، قلنا إنه يتعين علينا معالجة هذه الاختلافات والتباينات.

الأول: الاختلاف في المجعول في الأصول المحرزة

ثمة تباين بين ما جاء في كتاب “فوائد الأصول” (وهو تقريرات المرحوم الكاظمي لدروس السيد النائيني) وبين ما ورد في “أجود التقريرات” (وهو تقريرات المرحوم السيد الخوئي لدروسه أيضاً، مضموماً إليها حواشي المرحوم الخوئي نفسه). وسأشير إلى بعض العبارات لتتعرفوا على هذه التباينات بدقة ووضوح.

1. الجري العملي على وفق مؤدى الأصل بناءً على أنه الواقع

أورد (قدس سره) في “الفوائد” هذه العبارة: «فالمجعول في الأصول التنزيلية ليس أمراً مغايراً للواقع، بل الجعل الشرعي تعلق بالجري العملي على مؤداه على أنه هو الواقع، كما يرشد إليه قوله (عليه السلام) في بعض أخبار قاعدة التجاوز…»

فهو يبيّن هاهنا فارقاً تقريبياً بين الأصول المحرزة وغير المحرزة. وبطبيعة الحال، يُعبّر عن الأصول المحرزة أحياناً بالأصول التنزيلية، كما هو الحال هاهنا. فهو يقول: إن المجعول في الأصول التنزيلية ليس أمراً مغايراً للواقع، بل الجعل الشرعي «إنما تعلق بالجري العملي على مؤداه على أنه هو الواقع». أي إن الجعل الشرعي قد تعلق بالجري العملي على وفق المؤدى بناءً على أنه هو الواقع. فبهذا البيان إذن، يكون للجري العملي قيد: «الجري العملي على أنه هو الواقع». فالمجعول في الأصول المحرزة والتنزيلية هو الجري وتطبيق العمل على مؤداه بناءً على أنه الواقع.

أما في الأصول غير المحرزة، فلا وجود لقيد «على أنه هو الواقع». ففي الأصول المحرزة «إنما تعلق بالجري العملي على مؤداه على أنه هو الواقع». وعليه، فكأن في الأصول العملية مجعولاً أولاً، وبحسب هذا البيان، فإن هذا المجعول هو الجري العملي على وفق المؤدى؛ غير أنه في الأصول العملية المحرزة، يوجد قيد «على أنه هو الواقع»؛ بينما يغيب هذا القيد عن الأصول العملية غير المحرزة، بل يقتصر الأمر فيها على أثر واحد وهو التعذير والتنجيز.

ووفقاً لهذا البيان، فكأن التنزيل موجود في الأصول المحرزة؛ ومنتفٍ في الأصول غير المحرزة. فـ «بناءً على أنه هو الواقع» يعني أنها تنزّل منزلة الواقع. ولكن هذا التنزيل منتفٍ في الأصول غير المحرزة، بل هي مجرد مؤثر ومنجّز. وفي عبارة أخرى في “فوائد الأصول”، يقرر (قدس سره) في الفارق بين الأمارات والأصول العملية: «نعم، المجعول في باب الأصول العملية مطلقاً هو مجرد تطبيق العمل على مؤدى الأصل». أي إن المجعول في كافة الأصول العملية هو تطبيق العمل على مؤدى الأصل. وهذا قدر متيقن مشترك فيها جميعاً. «إذ ليس في الأصول العملية ما يقتضي الكشف والإحراز»؛ فليس في الأصول العملية ما يقتضي الكشف والإحراز. وفي الوقت عينه، يورد توضيحاً بشأن الأصول المحرزة ثم يقول: «فإنه ليس معنى الأصل المحرز كونه طريقاً إلى المؤدى». أي ليس معنى الأصول المحرزة أنها طريق إلى المؤدى (تحرز الواقع). «بل معناه هو البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر». فمعنى الإحراز في هذه الأصول العملية هو البناء العملي على أن أحد طرفي الشك «هو الواقع». أي البناء العملي على أن هذا الطرف مثلاً هو الواقع عينه، وإلغاء الطرف الآخر. «فالمجعول في الأصل المحض هو القوة الثالثة من قوى العلم وهي الحركة والجري العملي نحو المعلوم».

فهو يقول: إن المجعول في الأصل المحض هو الحركة والجري العملي نحو المعلوم؛ أي ذات الخصيصة الثالثة التي ذكرناها بالأمس.

ويقرر (قدس سره) نفسه: إن الإحراز في باب الأصول المحرزة يغاير الإحراز في باب الأمارات. فيقول هاهنا: إن الإحراز في الأصول المحرزة يعني: الجري العملي أو تطبيق العمل على مؤدى الأصل بناءً على أنه هو الواقع؛ أي بناءً على افتراض أن مؤدى الأصل هو الواقع.

وفي عبارة أخرى يقول: «فإن الإحراز في باب الأمارات هو إحراز الواقع مع قطع النظر عن مقام العمل»؛ فالإحراز في باب الأمارات هو إحراز الواقع، بقطع النظر عن مقام العمل. «وأما الإحراز في باب الأصول المحضة فهو الإحراز العملي في مقام تطبيق العمل على المؤدى، فالفرق بين الإحرازين مما لا يكاد يخفى».

إذن، فإحدى المسائل هي: ما هو المجعول في باب الأصول العملية أساساً؟ هل المجعول في باب الأصول العملية هو الجري العملي الذي ذكرتموه؟ لقد كانت عبارة المحقق النائيني: «بل الجعل الشرعي إنما تعلق بالجري العملي على المؤدى على أنه هو الواقع».

2. الوسطية في الإثبات

ولكنه يقول في “أجود التقريرات” إن المجعول في باب الأصول العملية أمر آخر، وهو أشبه بما يقوله في الأمارات. انظروا لقوله: «لكن الصحيح كما عرفت أن المجعول فيها أيضاً هي الوسطية في الإثبات»؛ فالصحيح أن المجعول في باب الأصول هو ذات الوسطية في الإثبات و«وكون الأصل محرزاً للواقع من حيث الجري العملي»؛ فقد ذكر الأصل هاهنا بوصفه محرزاً للواقع، ولكن من حيث الجري العملي، ولم يقل: “بناءً على أنه هو الواقع”. وهناك فرق بين قولنا: الأصل محرز للواقع، وبين قولنا: ابنِ على أن هذا هو الواقع.

فالبحث يدور حول “المجعول”؛ فهل المجعول في الأصول العملية عاقبة المطاف هو تطبيق العمل أو الجري العملي، أم الوسطية في الإثبات (ذات مسألة الإحراز والكشف)؟ فحينما نقول “الوسطية في الإثبات”، فكأن المجعول هو الإحراز، وهو الكاشفية… فالوسطية في الإثبات تعني أنه يمتلك كاشفية، وأنه يُحرز؛ وهذان أمران متباينان تماماً.

فلو قبلنا بفرضية أن المجعول في الأصول المحرزة، وبعبارة أخرى في كافة الأصول العملية، هو كما قال (قدس سره): «لتطبيق الجري العملي على المؤدى»؛ غاية ما هنالك أن قيد «بناءً على أنه الواقع» يلحظ في الأصول المحرزة، وينتفي في الأصول غير المحرزة؛ فإنه يقول هاهنا إن المجعول في باب الأمارات هو «الوسطية في مقام الإثبات»، وبينهما بون شاسع.

السؤال: …

الأستاذ: إن المراد من “الوسطية في الإثبات” واضح، ولا سيما بملاحظة أنهم ذكروا هذا المطلب في مباحث الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري.

السؤال: …

الأستاذ: نعم، الأصول العملية نفسها حجة أيضاً، ولكن البحث في أن المجعول في الأصول العملية ما هو؟ فتارة يقول إن المجعول هو التطبيق، وأخرى يقول إنه الوسطية في الإثبات. وبينهما تباين.

السؤال: …

الأستاذ: يمكننا تصحيح ذلك بتوجيه يُدرج عنوان “الوسطية في الإثبات” نفسه تحته أيضاً؛ وسنعرض لذلك لاحقاً.

إذن، فهذا أحد التباينات؛ فما هو المجعول في باب الأصول العملية المحرزة عاقبة المطاف؟ بل ما هو المجعول في باب الأصول العملية أساساً؟

وبطبيعة الحال، ذهب بعض الأكابر كالمرحوم الشيخ حسين الحلي في كتاب “أصول الفقه” للقول بعدول المرحوم النائيني في دورته الأخيرة عن نظريته الأولى. فقد أورد بداية عبارة “الفوائد” القائلة: «لأن المجعول فيها هو البناء العملي على أحد طرفي الشك على أنه هو الواقع وإلغاء الطرف الآخر»؛ وهي ذات العبارة التي بيّناها آنفاً. ثم قال: «لا يخفى أنه (قدس سره) في دورته الأخيرة قد عدل عن ذلك». عدل عن ماذا؟ «أعني كونه مفاد الأصول التنزيلية هو لزوم البناء العملي بل جعل…»؛ فيقول إنه عدل عن ذلك، فقد قال سابقاً إن مفاد الأصول المحرزة والتنزيلية هو البناء العملي على أن أحد طرفي الشك هو الواقع عينه، وإلغاء الطرف الآخر. ويقول (الحلي) إنه عدل عن ذلك في دورته الأخيرة وقال: «بل جعل مفاد دليل حجيتها هو نفس مفاد دليل حجية الأمارة من الوسطية في الإثبات، لكنه في خصوص الأصول التنزيلية من حيث الجري العملي». فحينما يقول في دورته الأخيرة إن المجعول في الأصول المحرزة هو الوسطية في الإحراز، بعد أن كان قد قال بغير ذلك سابقاً؛ فيتعين عدّ هذا عدولاً عن كلامه المتقدم.

والآن يُطرح هذا التساؤل: هل وقع “عدول” حقاً، أم يمكن الجمع بين هذين التعبيرين بنحو من الأنحاء؟

وخلاصة القول أن إحدى المشاكل تكمن في تباين عبارات المحقق النائيني نفسه في مختلف الكتب -كـ “الفوائد” و”التقريرات”- في تعريف المجعول. ففي “الفوائد”، اعتبر المجعول في الأصول العملية المحرزة هو «تطبيق الجري العملي بناءً على أنه الواقع على المؤدى»؛ في حين اعتبر المجعول في موضع آخر هو “الوسطية في باب الإثبات”.

والمشكلة الأخرى هي أن أحد تلامذته (الحاج الشيخ حسين الحلي؛ والمرحوم الخوئي والكاظمي كانوا من تلامذة المحقق النائيني أيضاً) قد اعتبر هذا التغيير عدولاً، وهو ما زاد من تعقيد الموضوع وإبهامه.

السؤال: …

الأستاذ: سنبيّن لاحقاً الإشكالات التي يثيرها هذا الأمر؛ فلو قلنا إن المجعول في الأصول العملية هو الوسطية في الإثبات، فيلزمنا دراسة ذلك لنرى ما الذي سيؤول إليه أمر الأمارات؟

الثاني: معنى الجري العملي

المسألة الأخرى تتعلق بمفهوم «الجري العملي» نفسه. فما هو معناه؟ لا بد من تحليل هذه المفاهيم بدقة. وينبغي أولاً إيضاح هذه التباينات بجلاء، ثم تقييم إمكانية تقديم حل لها.

فما معنى «تطبيق العمل على المؤدى» أو «الجري العملي على المؤدى» بدقة؟ هل تطبيق العمل نفسه هو المجعول، أم أن المجعول أمر آخر؟ فتطبيق العمل على المؤدى -والذي هو عمل المكلف عينه- يعني أن يطبق المكلف عمله وفقاً للمؤدى؛ فهل يصح أن نقول إن المجعول هو تطبيق العمل على المؤدى؛ أي إن الشارع جعل فعل المكلف هو “المجعول”؟ أم نقول إن المراد ليس التطبيق نفسه بوصفه فعل المكلف، بل لزوم هذا التطبيق ووجوبه هو ما وقع متعلقاً للجعل الشرعي. ففي عبارات المرحوم النائيني، يُطرح التطبيق، والتطبيق يُعد فعل المكلف.