The news is by your side.

الدرس الثالث والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الثالث والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثاني: الورود – محصل التقريب الثالث – دراسة التقريب الثالث – الإشكال الأول – الإشكال الثاني

22 ربيع الآخر 1447 هـ

محصل التقريب الثالث

بيّنّا سابقاً صياغة ثلاثة تقارير وتوجيهات لورود الأمارات على الأصول العملية؛ وعرضنا لنقل ودراسة التقريبين الأول والثاني بالتفصيل. وأما مجمل وتحصيل التقريب الثالث -الذي عرضنا لبيانه بالأمس- فمقتضاه حمل العلم واليقين المأخوذين غاية في أدلة الأصول العملية على معنى “الإحراز والكاشفية”؛ فقولهم مثلاً: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» يؤول بالتبع لمعنى: كل شيء حلال في حقك حتى تحرز حرمته، أو حتى ينكشف لك كنه التحريم ويظهر.

والسبب والعلة في حمل العلم واليقين على معنى الإحراز والكاشفية يرجع إلى اتسامهما بصفة الطريقية إلى الواقع والكاشفية عنه تماماً كاليقين والقطع الوجداني؛ مع وجود فارق وحيد يتمثل في اتصاف اليقين والقطع بصفة الكاشفية التامة بالذات، بينما تخلو الأمارات من الكاشفية التامة وإن اتصفت بالكاشفية والإحراز في الجملة.

إن قلت: فما هي صلة هذه المسألة وعلاقتها بالبحث في القطع الموضوعي على وجه الطريقية؟ لكوننا أوضحنا في التمهيد انقسام القطع الموضوعي إلى قسمين متباينين: القطع الموضوعي على وجه الصفتية، والقطع الموضوعي على وجه الطريقية؛ فبأي مسوغ يُربط مبدأ الإحراز المذكور بهذا القسم بالخصوص؟

قلت: إن لغة الغاية في دليل أصالة الحلية الموصوفة بعبارة: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تُحْرِزَ أَنَّهُ حَرَامٌ» تفيد صراحة انتفاء إرادة الإحراز بوصفه صفة نفسانية قائمة بوجدان المكلف بالذات؛ بل إن الغاية المأخوذة في الدليل هي مطلق جهة الكشف والإحراز، لتقع غاية فاصلة لاعتبار الأصول العملية ومجرى لها. ومتى ما ثبت تمام دليل حجية الأمارة واعتباره كخبر الواحد مثلاً؛ لصار مؤداه صيرورة خبر الواحد محرزاً شرعاً وكاشفاً معتبراً بالنيابة، ومن ثم يزول موضوع الأصل العملي ويرتفع بمجرد قيام خبر الواحد على الخلاف بالتمام؛ لكون دليل أصالة الحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تُحْرِزَ أَنَّهُ حَرَامٌ») يثبت أخذ صفة الإحراز في موضوعه على وجه الطريقية المحضة بالذات، دون أخذها بوصفها حالة وصفة نفسانية مستقرة في الوجدان.

فمن أجل أخذ القطع قيداً في موضوع دليل الأصل، وملاحظة جهة الإحراز فيه بما هو طريق موصل للواقع تكويناً، يترتب عليه قيام الأمارة المعتبرة (خبر الواحد) مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية بالنيابة والتعبد فور تمامية دليل حجتها واعتبارها.

وبناءً على هذا التقريب، يثبت ورود دليل خبر الواحد على دليل الأصل العملي بالورود؛ نظراً لكونه مزيلاً ومذهباً لموضوعه بالكامل؛ فلغة دليل الأصل العملي تقرر حلية الأشياء المشكوكة قاطبة حتى يتحقق إحراز التحريم في المورد؛ وحين يرد خبر الواحد المعتبر ليفيد إحراز التحريم وتبيينه، يرتفع موضوع دليل الأصل تلقائياً بالتبع؛ لكون موضوع الأصل يتقيد بالقطع واليقين على وجه الطريقية، وقد بيّنا أن اليقين يؤول في واقعه لمعنى الإحراز على وجه الطريقية لا الصفتية؛ ومن ثم يثبت ورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية بالبیان المذكور.

وهذا هو خلاصة وتحصيل التقريب الثالث للورود الأصولي؛ وهو التقريب الذي يراه المحقق النائيني الأرجح والأليق بالقبول من بين التقارير الثلاثة المعروضة.

دراسة التقريب الثالث

ومع ذهاب المحقق النائيني لرجحان هذا التقريب، إلا أنه يعود ليورد عليه إشكالاً دقيقاً صناعياً؛ يمهد من خلاله لإثبات مدعاه اللاحق القائل بـ “الحكومة”؛ حيث يرى أن أدلة الأمارات حاطة وحاكمة على أدلة الأصول العملية كافة بالضرورة. ويتعين علينا أولاً تتبع إشكالاته ومناقشتها، لننتقل بعدها إلى تبيين معنى الحكومة وكيفية تفسيرها وصياغتها الأصولية الراجحة.

الإشكال الأول

شيد بنيان التقريب الثالث وركيزته الأساسية على فرض صلاحية الأمارة للقيام مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية؛ حيث ادعوا أخذ قيد العلم واليقين في موضوع الأصول العملية على وجه الطريقية لا الصفتية النفسانية. فصياغة الغاية في دليل أصالة الحلية («حَتَّى تَعْلَمَ») تؤول بالتبع لهذا المعنى؛ ومقتضاها الفقهي: «إذا علمت بحرمة شيء لم يكن لك حلالاً»؛ فمفاد أصالة الحلية يقرر حلية كل مورد اعترضه الشك والتردد ما لم يقم القطع واليقين بحرمته في الشريعة بالتمام.

وحُمل العلم في التقريب الثالث على معنى الإحراز؛ وبما أن القطع مأخوذ في موضوع الدليل على نحو الطريقية، غدا الإحراز أيضاً مأخوذاً فيه على نحو الطريقية بالتبعية؛ فإذا تحقق إحراز التحريم (بمطلق الإحراز الموصوف)، ارتفع موضوع دليل الإباحة والحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ») وزال بالتبع. فعليه، يستقر بنيان التقريب الثالث بالكامل على القول بقيام الأمارة مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية بالتمام بالنيابة والتعبد.

ويكمن جوهر الإشكال والخدشة في تساؤل أصولي مفاده: على فرض أخذ القطع قيداً وركناً في موضوع الدليل على وجه الطريقية الكاشفة، فبأي ملاك ومسوغ أصولي تقررون استبدال القطع بصفة الإحراز وإقامته مقامه بالتبعية؟ وبعبارة أخرى، بأي دليل تسوغون حمل اليقين على الإحراز ونيابة الأمارة عن القطع الوجداني بالتمام؟

السؤال: …

الأستاذ: يتمحور البحث العلمي بأكمله حول هذا الموضع بالذات؛ حيث يقرر المحقق النائيني في التقريب الثالث استنباط عنوان كلي وجامع يحمل عنوان “مطلق الكاشف والمحرز” ليضعه بديلاً ونائباً عن العلم واليقين بالكامل ليشمل الأمارة بالتبع. والسؤال والاعتراض يتوجه بدقة: بأي مسوغ تصوغون استبدال القطع واليقين بهذا العنوان الكلی لترتيب النيابة والقيام مقام القطع؟… والقطع لا يتصف بالصفة الطريقية، إلا مع فرض كونه موضوعياً طريقياً… ومراده تبيين امتثال الأمارة وعجزها عن النيابة عن القطع بالمعنى المذكور؛ لكونه لا يرتضي هذا المبنى لنيابة الأمارة بالكامل؛ ومن ثم تنهار هذه الركيزة ويسقط التقريب الثالث في نظره.

ومما يزيد هذا الإيراد قوة ووضوحاً بالوجدان العلمي، انتفاء الشاهد العرفي واللغوي المساعد على هذا الاستبدال والنيابة؛ فبأي ملاك وبناءً على أية قرينة تصاغ تنحية لفظ القطع واليقين والعلم لنضع بديلاً عنها لفظ الإحراز والكاشفية؟ وما هي الصلة والتماثل الرابط بين اليقين الوجداني وبين الإحراز الناقص والكاشفية للأمارة؟

وقد أوردنا إشكالاً شبيهاً في التقريب الأول؛ مفاده أن حمل العلم والقطع واليقين على الحجة وحمل الشك على اللا حجة هو تصرف ظاهر الخلاف لظاهر الأدلة بالتبادر اللغوي والعرفي؛ ويسير الأمر على ذات النسق في الإحراز أيضاً؛ فحمل القطع واليقين والعلم على معنى المحرز والكاشف خلاف الظاهر بالكلية بالوجدان، ولا يرتضيه لسان العرف واللغة بالمرة.

أضف إلى ذلك، أننا لو سلمنا بكون القطع مأخوذاً في موضوع الدلیل کجزء منه، لصار المتبادر للأذهان هو رجوع القطع للقسم الآخر؛ أي صيرورته قطعاً موضوعياً على وجه الصفتية النفسية، لا على وجه الطريقية الكاشفة. فقوله: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» ظاهر في وجوب حصول العلم واليقين المستقر في وجدان المكلف ونفسه ليرتب الأثر؛ فالمعلق عليه ثبوت الحكم هو تلك الحالة والصفة النفسانية بظاهر اللفظ والتبادر، دون الأخذ به بما هو طريق موصل للواقع تكويناً. وهذا مسلك ظاهر القوة والقبول في صياغة لغة الأدلة.

السؤال: متى ما حملنا اللفظ على القطع الطريقي والموضوعي انقطع دور العرف واللغة بالتبعية، وتعين التماس القرينة والدليل؟

الأستاذ: يتكفل المحقق النائيني بصياغة هذا التوجيه على مرحلتين متتاليتين:

المرحلة الأولى: يقرر فيها اشتمال غاية دليل الأصول العملية على القطع واليقين باللفظ والصياغة؛ ويزعم ورود هذا القطع بوصفه قطعاً موضوعياً على وجه الطريقية بالدقة والتعبد. وهذا هو ادعاؤه الأول.

المرحلة دوم: يقرر فيها صيرورة الإحراز عين القطع في المآل.

فهو يثبت أولاً ورود اليقين والعلم في لسان الدليل غايةً بوصفه قطعاً موضوعياً على وجه الطريقية الكاشفة بالصناعة اللفظية؛ لينتهي في الخطوة اللاحقة لحمل هذا العلم على معنى الإحراز بالتمام؛ وبذلك يستقيم لديه قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي بالنيابة.

السؤال: لو سلمنا بالفرض الثاني لانتفت الحاجة لفرض النيابة والقيام مقام القطع بالكلية؟

الأستاذ: المقصود مطلق الإحراز؛ وإن اتصف بالصفة الناقصة بالوجدان. والبحث يدور حول هذه الركيزة بالذات؛ فمن ذا الذي يسلم بكون هذا الشمول قهرياً؟ وهل يصح ادعاء امتناع النيابة في ذلك الموضع؟ والحق أن المحقق النائيني يروم تبيين استنباط عنوان كلي وجامع في البين يطلق عليه “مطلق الإحراز ومطلق الكاشف” ليستوعب الأمارة ويشملها بالتبع؛ وهو مخرج صناعي ينطوي على العناية والتكلف بالوجدان لتبيين المسألة فقهياً؛ ولو كان جريان الأمارة وشمولها شمولاً قهرياً حقيقياً في البين، لما استدعى الأمر خوض الأعلام في هذه الأبحاث والدراسات المفصلة قاطبة بالتمام.

الإشكال الثاني

ويستند الإشكال الثاني إلى مبنى أصولي يلتزم به المحقق النائيني نفسه في مصنفاته؛ ومفاده امتناع القول بالورود وصياغته في المقام حتى بالاستناد إلى تحليل ذات هذا التقريب وتفكيكه؛ بل يؤول الأمر بالدقة العلمية الحقيقية إلى مسلك “الحكومة” بالاصطلاح. فلماذا نصير إلى الحكومة دون الورود؟

فحين قرر النائيني قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية بالنيابة؛ امتنع مع ذلك استبدال القطع بلفظ الإحراز وحمله عليه باللفظ والصياغة. فكيف نجمع بين هذين المقالين المتباينين حكماً وتشريعاً؟ بيّنا تفصيل مسلك الورود بموجب التقريب الثالث على مرحلتين متتاليتين سابقاً.

ففي الخطوة الأولى، ثبت أخذ القطع موضوعياً طريقياً في موضوع الأصل؛ وفي الخطوة اللاحقة فُسر القطع بمعنى الإحراز بالتمام. غیر أن المحقق النائيني يقرر في نقد هذا التبيين: نعم، نحن نرتضي قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي بالنيابة والتعبد، ولكن بأي صفة وحيثية تتبوأ هذا المقام؟ إن حيثية النيابة والقيام مقام القطع تكتسي أهمية علمية بالغة في المقام؛ ويذهب النائيني لتحديد المجعول في باب الأمارات بأنه “الإحراز والكاشفية”؛ فالشارع يتولى تعبداً جعل الأمارة كاشفاً عن الواقع ومحرزاً له؛ ليرتب عليها بالتعبد حكم العلم واليقين الوجداني بالتمام، وينزلها منزلتها تشريعاً.

وإذا شيدنا مبنى الأمارات على ركيزة جعل الكاشفية، والإحراز، والتنزيل منزلة العلم تعبداً؛ فصارت الأمارة علماً ببركة الجعل التعبدي الشرعي بالنيابة؛ استغنينا بالكامل عن التكلف والتصرف في مدلول لفظ اليقين والعلم في أدلة الأصول؛ بل نكتفي بالقول بأن الأمارة علم حقيقةً بالتعبد الشرعي؛ وكأن الشارع يقرر في دليل الأصل: «کل شیء لک حلال حتی تعلم انه حرام»، ليردف بدليل آخر مستقل يقرر فيه: «خبر الواحد علم» بالنيابة والتعبد؛ وبذلك ينتفي بالكامل وجه التدخل في دلالة لفظ اليقين والعلم لغوياً وتغييره؛ نظراً لكون الدليل الثاني يتكفل برفع موضوع الدليل الأول وإزالته ببركة التعبد والإنشاء بالتمام. ومتى ما ثبت هذا التنزيل والتشريع التعبدي بصيرورة الأمارة علماً بالنيابة، غدا الدليل حاکماً بالاصطلاح دون الورود. ومثاله الفقهي المعروف: تشريع اشتراط الصلاة بالطهور بالدليل العام، ليردف الشارع بدلیل حاکم مستقل يقرر فيه تعبداً: «الطواف بالبیت صلاة»؛ فيرتب آثار الصلاة وأحكامها على الطواف تعبداً وإنشاءً، وهذا هو جوهر الحكومة وحقيقتها بالاصطلاح؛ ويسير الأمر على ذات النسق في مقامنا بالتمام؛ فحين يقرر دليل الأصل: «حتی تعلم انه حرام»، ويقيد موضوع الأصول العملية بحصول اليقين والعلم والقطع على وجه الطريقية؛ يرد خبر الواحد ليتبوأ ذات المقام ويقوم فيه بالنيابة، ليس ببركة زوال موضوع الدلیل المورود ذاتاً، بل لأن أدلة اعتبار الأمارات تفيد صيرورة الأمارة علماً ويقيناً بالتعمل والتنزيل التعبدي الشرعي. وعليه، يخرج الدليل عن الورود ليندرج تحت مسلك الحكومة بالاصطلاح بالضرورة.

السؤال: فما هي الثمرة العملية والفوائد المترتبة على هذا التمييز الأصولي؟

الأستاذ: بيّنّا سابقاً ترتب ثمرات أصولية جمة على هذا التمييز سنعرض لتفصيلها وتبيين آثارها الفقهية في مواضعها من البحث بمشيئة الله.

ويرتب المحقق النائيني في كلماته خطوة للأمام؛ فبعد إيراده هذه الإشكالات الدقيقة على التقريب الثالث (وهي إشكالات صناعية متينة وقوية بالوجدان)، يقرر جازماً امتناع تحقق الورود وصياغته في المقام بالكلية؛ فالورود ممتنع الورود والتحقق هاهنا ذاتاً وعقلاً. فبينما يرى تارة إمكان صياغة الورود مع تعذره لوجود المعوقات والموانع الصارفة عنه لامتناع الالتزام به؛ يذهب تارة أخرى لمنع أصل إمكانية ورود الأمارات على الأصول في هذا الموضع عقلاً وامتناعه ذاتاً. فما هو الدليل والوجه العقلي المانع من إمكانية الورود في المقام؟ هذا ما سنعرض لدراسته وتفصيله في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى.

وعليه، يتوجب الوقوف على هذا المدعى للمحقق النائيني المنكر لإمكانية الورود ذاتاً وعقلاً، ليتسنى لنا الانتقال بعده لدراسة مسلك الحكومة والتحقيق فيه؛ نظراً لوقوع الخلاف والنزاع الأصولي العريض في ذات حقيقة الحكومة وتفصيلاتها ومجاريها بالتبع.

وهذا ما سنتابعه في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.