The news is by your side.

الدرس السادس عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس السادس عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – رأي المحقق الخراساني في الحكومة – رأي المحقق النائيني في الحكومة واختلافه مع الشيخ في موضعين – 5. الجمع العرفي

13 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

بيّنّا في الجلسة السابقة وجود أقوال متعددة في ملاك تقديم الأمارة على الأصل الأصولي؛ فذهب فريق إلى كونه الحكومة، وذهب فريق ثانٍ إلى أنه الورود، وذهب فريق ثالث إلى كونه الجمع العرفي المتأخر عن التعارض بين الأمارات والأصول، وتفصل طائفة رابعة في المسألة، بينما تذهب طائفة خامسة إلى تخصيص العام بالأصل. ورأينا أن من الأنسب التمهيد للبحث بعرض تبيين إجمالي وموجز لهذه المفاهيم الأصولية قبل الشروع في محاكمة هذه الأقوال ودراستها.

وعرضنا إجمالاً لما يتعلق بمفاهيم التخصص، والتخصيص، والورود. وأما ما يخص “الحكومة”، فقد بيّنّا تباين الأنظار وتعدد المسائل والآراء المحيطة بحقيقتها ومقوماتها، وهو ما يعدّ منشأ عريضاً للاختلاف العلمي؛ ولذلك سنعرض لهذا المطلب الأصولي بتفصيل وبسط أوسع.

فقد صاغ الشيخ الأنصاري للبحث تقريبين وتبيينين (لا تدافع بينهما بل يُعدّ أحدهما مكملاً للآخر وناظراً لزاوية مغايرة من حقيقتها)؛ ومفاد كلامه أن الحكومة تبتني على تعرض دليل لدليل آخر بالمدلول اللفظي والتوجه إليه نظارةً وتفسيراً؛ وهو تصرف يقع إما بنحو التوسعة وإما بنحو التضييق. واستخلصنا من كلمات الشيخ ضرورة توفر خصائص أربع في الحكومة.

وحيث تشترك الخصيصة الأولى مع التخصيص والورود لكونها ليست من مقومات الحكومة وحدها، وتتمثل في ضرورة توفر دليلين في البين لكي يتحقق التخصيص والورود والحكومة بالتبع؛ بخلاف التخصص الذي يستغني في تحققه عن الدليل الثاني. فهذه خصيصة مشتركة بين الأبواب الثلاثة.

وأما الخصائص الثلاث الأخرى المتمحورة حول الحكومة بالخصوص، فهي:

أولاً: كون الدليل الحاكم ناظراً للدليل المحكوم؛ ومعنى النظارة يؤول بالتبع إلى قيام الدليل الثاني بتفسير الدليل الأول أو تنزيله منزلة الواقع كما سنعرض له. فهو إما في مقام التفسير وإما في مقام التنزيل.

ثانياً: انحصار هذه النظارة ببركة الدلالة اللفظية للدليل الحاكم.

ثالثاً: لغوية الدليل الحاكم وانتفاء معناه لولا وجود الدليل المحكوم.

نظر المحقق الخراساني درباره حکومت

ويسير المحقق الآخوند الخراساني تقريباً على ذات المسلك الذي شيده الشيخ الأنصاري في تبيين كنه الحكومة، إلا أنه يختلف معه ويرد عليه الخصيصة الثالثة المذكورة؛ فحيث يرتضي الآخوند صياغة الحكومة بنظارة الدليل اللفظي وتوجهه للدليل اللفظي الآخر، إلا أنه يمنع من اشتراط تفرع الدليل الحاكم على الدليل المحكوم ولغويته دونه؛ وصيغت عبارته بلفظ: «لا يـُعتَبَرُ تَفَرُّعُ دَلِيلِ الحَاكِمِ عَلَى المَحْكُومِ»؛ والمقصود نفي الخصيصة الثالثة للشيخ القائلة بلغوية الدليل الحاكم لولا الدليل المحكوم. ومثاله: انتفاء دليل يقرر اشتراط الصلاة بالطهور؛ فقولهم حينئذٍ: «الطواف بالبيت صلاة» يؤول بالتبع إلى اللغوية والخلُو عن المعنى؛ لكون دليل اشتراط الصلاة بالطهور هو الموجب لترتيب آثار الطهارة والشرائط الفقهية الأخرى على الطواف. ومثاله الآخر: دليل «لا شك لكثير الشك» بالنظر لدليل: «إذا شككت بين الثلاث والأربع فابنِ على الأكثر»؛ فلولا وجود هذا الدليل المحكوم، لصار دليل نفي الشك عن كثير الشك لغواً وخالياً من الأثر. وهذه هي الخصيصة الثالثة التي قررها الشيخ الأنصاري للبحث.

ويمنع المحقق الآخوند من اشتراط تفرع الدليل الحاكم على المحكوم بالمعنى المذكور؛ فبينما يرتضي كون الحكومة نظارة دليل على آخر ببركة دليل لفظي، إلا أنه يرى انتفاء اشتراط كون هذه النظارة نظارة فعلية بالضرورة؛ بل يكفي توفر شأنية النظارة وصلاحيتها الكامنة في الدليل الحاكم؛ ويلزم من هذا القول انتفاء معنى التفرع بالكلية؛ فلا يشترط بلوغ الدليل الحاكم مرتبة اللغوية لولا الدليل المحكوم بعد ثبوت كفاية النظارة الشأنية؛ وحيث يستقر بالدليل الحاكم صلاحية النظارة، فإنه يستغني عن الدليل المحكوم ولا يقع في لغوية دونه.

ولسنا بصدد تفصيل مدى صحة كلام المحقق الآخوند وتماميته من عدمها؛ لكونه خارجاً عن محل بحثنا الفعلي؛ وإنما سقناه لعرض تبيين إجمالي للآراء والأنظار القائمة في حقيقة الحكومة.

نظر محقق نایینی در مورد حکومت

وعرض المحقق النائيني صياغة وتوجيهاً للحكومة يفترق بنحو ما عما شيده الشيخ الأنصاري والمحقق الآخوند؛ وتجدر الإشارة والالتفات بدقة إلى موضعين وقعا محلاً للاختلاف والافتراق بين المحقق النائيني والشيخ الأنصاري:

الموضع الأول

يرتكز مبنى الشيخ والآخوند على انحصار تحقق الحكومة بالتصرف في موضوع الدليل المحكوم؛ ومقتضى تقريبهما قيام الدليل الحاكم بالتصرف في عقد الوضع للدليل المحكوم نظارةً وتفسيراً، ويقع هذا التصرف تارة بنحو التوسعة وتارة أخرى بنحو التضييق. كأن يقول المولى مثلاً: «أكرم العلماء»، ثم يردف بدليل مستقل يقرر فيه: «العالم هو الفقيه»؛ وهذا تصرف يؤول للتضييق والتفسير لكون الحكومة تنطوي على بعدين يتعين الاعتناء بهما بدقة:

البعد الأول: يتعلق بسعة الموضوع وضيقه؛ ومقتضاه قيام الدليل الحاكم ببسط وتوسعة دائرة موضوع الدليل المحكوم، أو تضييق دائرته واقتطاعها. فمثال التضييق هو دليل «لا شك لكثير الشك»؛ فحيث يتصف كثير الشك بكونه شاكاً حقيقةً ووجداناً، إلا أن الدليل الحاكم يتولى إخراجه عن دائرة الشاكين تعبداً، وهذا هو التضييق. ومثال التوسعة: «أكرم العلماء»، ثم يردف بدليل: «الهاشمي عالم»؛ فيبسط دائرة موضوع العلماء ليدخل فيها من ليس من مصاديقها حقيقةً بل تعبداً. وهذا هو البعد الأول للحكومة.

البعد الثاني: يتعلق بكيفية النظارة والتفسير؛ والمقصود جودة ونوع نظارة الدليل الحاكم للدليل المحكوم وتوجيهه إليه؛ وهي نظارة تتعلق تارة بنطاق الدليل المحكوم وتارة بنوع هذه النظارة؛ وحيث تقع النظارة في النطاق لتوسعة موضوع المحكوم أو تضييقه، تقع الكيفية والنوع تارة بنحو التفسير وتارة أخرى بنحو التنزيل. فبينما يفسر الدليل الحاكم موضوع الدليل المحكوم تارة مبيناً المراد الواقعي منه؛ يتولى تارة أخرى تنزيل الفرد منزلة الآخر كما في تنزيل الطواف منزلة الصلاة بعبارة: «الطواف بالبيت صلاة»؛ وهذا التنزيل ليس تفسيراً بل تنزيل موضوعي يرتب به الشارع آثار الصلاة على الطواف تعبداً، وهو سنخ مستقل من النظارة.

السؤال: …

الأستاذ: هذا أمر مسلم لا شأن لنا به، وإنما سقت كلامي من زاوية مغايرة؛ فبيّنت توفر زاويتين في الباب: التفسير والتنزيل؛ وهذا لا يعني انفصالهما وخروجهما عن دائرة التوسعة والتضييق بالمرة، بل يتقيد التنزيل والتفسير بلزوم احتوائهما على التوسعة والتضييق يقيناً. غير أنني أشرت إلى رجوع أحدهما لنطاق الدليل والآخر لكيفية النظارة وجودتها كمياً وكيفياً بالتبع، ويلزم توفر الأمرين معاً بالضرورة؛ فمتى ما قامت نظارة دليل على آخر، تعين بيان نطاق النظارة وكيفيتها معاً.

وقد شيد الشيخ الأنصاري وأتباعه حقيقة الحكومة على ركيزة انحصار النظارة في حيز موضوع الدليل المحكوم؛ فالعالم لا يمتلك الصلاحية عندهم للتصرف إلا في موضوع الدليل المحكوم توسعةً وتضييقاً. ولعل المتبادر لأذهان عامتكم هو انحصار تصرف الدليل الحاكم وتدخله في عقد الوضع للدليل المحكوم تفسيراً وتوسعة وتضييقاً.

غير أن المحقق النائيني يتجاوز هذا الحد ويقرر عدم انحصار هذا التصرف والنظارة الصادرة عن الدليل الحاكم في حيز موضوع الدليل المحكوم؛ بل يرى صلاحية الدليل الحاكم للتصرف في حكم الدليل المحكوم وتفسيره والنظارة عليه بالتبع.

وصرح المحقق العراقي أيضاً بوقوع نظارة الحكومة في حيز الحكم تارة دون الموضوع؛ وصيغت عبارته بلفظ: «المُعتَبَرُ فِي الحُكُومَةِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ نَاظِراً إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ… بِوَجْهٍ مَا». فهذه النظارة معتبرة في الجملة وبأية صياغة كانت: «وَلَوْ إِلَى حُكْمِهِ»؛ وقوله بالتعميم للحكم يقع في شق مقابل لتوجيه الموضوع؛ ليفيد جريان النظارة تارة في حيز الموضوع وتارة أخرى في حيز الحكم. وهذا تمايز علمي ظاهر.

ثم يردف المحقق العراقي قائلاً: «وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ نَاظِراً إِلَى مَوْضُوعِهِ بِتَوْسِيعِهِ أَوْ تَضْيِيقِهِ»؛ فنظارته للموضوع اختيارية وليست لازمة؛ مع بقاء جنبة التوسعة والتضييق جارية في الحالين، سواء أعلقت بالحكم أم بالموضوع. وهذا وجه أول للاختلاف والافتراق بين مبنى المحققين النائيني والعراقي ومبنى الشيخ الأنصاري وأتباعه.

الموضع الثاني

ويتمثل الموضع الثاني للاختلاف في ذهاب الشيخ والآخوند إلى اشتراط اتصاف الدليل الحاكم بالصفة اللفظية؛ ومقتضى كلامهما انحصار نظارة الدليل الحاكم للدليل المحكوم في الدلالة اللفظية. ومثاله عامة الوجوه التي سقناها؛ كدليل «لا شك لكثير الشك» بالنظر لدليل «إذا شككت بين الثلاث والأربع فابنِ على الأكثر»؛ فلغة الدليل لفظية مفسرة لفظياً للدليل الآخر ومبينة لمقداره؛ وهذا مستقر كلمات الشيخ والآخوند الخراساني.

بينما يرى المحقق النائيني انتفاء اشتراط اتصاف الدليل الحاكم باللفظية؛ فيجيز جريان حكومة الدليل غير اللفظي كالإجماع أو العقل على الدليل اللفظي المحكوم. ومثاله الفقهي: ما لو ثبت وجوب إكرام العلماء بدلالة لفظية عامة، واستقل عقلنا في المقابل بأن علماً خاصاً مشوباً بالفساد والانحطاط والضلال خارج عن حقيقة العلم موضوعاً؛ أو قام إجماع أصولي على نفي صفة العلم عنه؛ فهنا نرى العقل أو الإجماع -مع كونهما دليلين غير لفظيين- حاکمين على ذلك الدليل اللفظي المحكوم ونظيرين له؛ ولم تكن هذه النظارة ببركة اللفظ، بل استندت للوساطة العقلية أو الإجماعية بالتبع.

وهذان هما موضعا الاختلاف بين المحققين النائيني والعراقي وبين الشيخ الأنصاري؛ فالنائيني يرى تصرف الدليل الحاكم تارة في “عقد الوضع” وتارة أخرى في “عقد الحمل” للدليل المحكوم؛ وعقد الوضع ناظر للموضوع، بينما ينأى عقد الحمل ليتعلق بالمحمول والحكم.

ومع قيام هذه الخلافات والتباينات بين مقالات المحقق النائيني والمحقق العراقي وبين نظرية الشيخ الأنصاري، إلا أنهم يلتقون في شأن الحكومة في شواهد وأركان مشتركة؛ كأصل نظارة دليل على آخر، وقيام الثاني بتفسير الأول أو تنزيله، وجريان هذا التصرف توسعةً وتضييقاً؛ فهذه جوامع مشتركة في الباب.

ولسنا بصدد محاكمة هذه الآراء والوجوه لترجیح بعضها على بعض بين الشيخ والنائيني والعراقي؛ لكون ذلك خارجاً عن محل كلامنا الحالي بالمرة.

5. الجمع العرفي

ويبرز في المقام مسلك خامس يُعرف بـ “القرينية العرفية” أو بعبارة أخرى “الجمع العرفي”؛ وهو مسلك يتعلق بفرض وقوع التعارض والتماثل بين الدليلين؛ فحين يعترض التعارض دليلين في ساحة الاستنباط، يقع البحث حول مدى صلاحية الجمع العرفي بينهما وتخريجه.

وحيث يؤول الجمع العرفي والقرينية العرفية بالتبع إلى صيرورة أحد الدليلين مخصصاً للآخر أو حاملاً له على وجه مغاير، فإنه لا يُعدّ عنواناً مستقلاً بالذات في تبيين وجه التقدم؛ بل يندرج تحت فروع التخصيص وغيره بالتبع.