The news is by your side.

الدرس العاشر، المقدمات، المقدمة الثامنة

الدرس العاشر
المقدمات – المقدمة الثامنة: الفرق بين الأمارات والأصول العملية – المبنى الأول والثاني والثالث – تمايز كلام الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني في المبنى الأول – إشكال المحقق الخوئي على المحقق النائيني

5 ربيع الآخر 1447 هـ

المقدمة الثامنة: الفرق بين الأمارات والأصول العملية

تختص المقدمة الثامنة من مقدمات هذا المبحث بالفرق بين الأصول العملية والأمارات، وهو مما يناسب تبيينه قبل الولوج في صلب مباحث الأصول العملية. وهناك بحثان يترتب أحدهما على الآخر بنحو ما؛ الأول: التفاوت والفرق بين الأمارات والأصول العملية، والثاني: وجه تقدم الأمارات على الأصول العملية.

وإنما قلنا إن البحث الثاني (الذي سنعرض له بالتفصيل في المقدمة التاسعة المقبلة بمشيئة الله) يرتبط بالبحث الأول ويتفرع عليه؛ لأن بعض الفروق المصورة بين الأمارات والأصول تشكل ركيزة ومبنى لتقدم الأمارة على الأصل. أي إن وجه تقديم الأمارة على الأصل يبتني بنحو ما على سنخ الفارق الذي نرتضيه بينهما، وسيتضح هذا المطلب بجلاء في طيات البحث المقبل.

وتعنى المقدمة الثامنة بالبحث عن الفارق بين الأمارة والأصل؛ ولعل المشهور بين الأصوليين يدور مدار ثلاثة فروق، أو بعبارة أدق، ثلاثة مسالك ومبانٍ أصولية في الباب، يعرض كل منها فارقاً وتمايزاً خاصاً. وتُصنف هذه الفروق الثلاثة بوصفها مباني مستقلة في وجه التمايز، وليست فروقاً مجتمعة يتبناها قائل واحد.

المبنى الأول

يمثل المسلك الأول طريق الشيخ الأنصاري؛ حيث يُستفاد من جملة كلماته وكذا من كلمات المحقق النائيني أن الفارق بين الأمارة والأصل يرجع إلى السنخ والمضمون المجعول في كل منهما. فالأمارة تنطوي على مجعول خاص، والأصل العملي ينطوي على مجعول آخر مغاير. والمجعول في باب الأمارات هو “الطريقية” و”العلمية” أو “الكاشفية”؛ فالأمارة طريق تلوح بالواقع وكاشف ينم عنه، وعبارة أخرى، تتسم بصفة إراءة الواقع والوصول إليه، وتدعي إيصال المكلف إلى غايته التي هي الواقع.

ببینما تخلو الأصول العملية من صفة الطريقية والكاشفية بالنظر إلى الواقع، بل تتكفل بـ “إيجاب الجري العملي” أو “تنزيل الأصل منزلة العلم في الجري العملي”. فوظيفة الأصل تقتصر على إلزام المكلف بجري عملي خاص، وتحديد ما يتعين عليه في مقام العمل والامتثال. وقد صِيغ هذا المضمون بتعبيرين: إما إيجاب الجري العملي، وإما تنزيل الأصل منزلة العلم في الجري العملي. فكما أن الإنسان يرتب الأثر على يقينه حال حصوله -كما لو تيقن بوجود خطر يتربص به في مسلك ما فإنه يعرض عنه بطبيعة الحال- فكذلك يجري الأمر عند الاستصحاب؛ حيث يُنزّل منزلة اليقين ليرتب المكلف عليه ذات الأثر العملي ويعرض عن ذلك المسلك، سواء أكان ثبوت الخطر باليقين الوجداني أم بالاستصحاب. فالجري العملي مستقر على نسق واحد في الحالين.

وهذا هو الفارق المستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني؛ ومفاده أن المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والكاشفية والعلمية، بينما ينأى المجعول في باب الأصول عن الطريقية بالكامل لينحصر في إيجاب الجري العملي أو تنزيل الأصل منزلة العلم في الجري العملي فحسب.

المبنى الثاني

ويقوم المسلك الثاني في تبيين الفارق بين الأمارة والأصل على معيار أخذ الشك في موضوع الأصل؛ وهو ما صِيغ بعبارة: «مَا أُخِذَ فِي مَوْضُوعِهِ الشَّكُّ»، بخلاف موضوع الأمارة الذي يخلو من الشك؛ وهو ما عُبِّر عنه بقولهم: «وَلَمْ يُؤْخَذْ فِيهِ إِلَّا نَفْسُ قِيَامِ الْأَمَارَةِ». فحيثما أُخذ الشك قيداً في موضوع الدليل، كان الموضع مجرى للأصل وموطناً له. وحيثما لم يُؤخذ الشك في الموضوع -مع فرض انتفاء اليقين والقطع الوجداني- كان الموضع مجرى وموطناً للأمارة.

المبنى الثالث

ويذهب المسلك الثالث في تبيين الفارق بين الأمارة والأصل إلى لسان الدليل؛ فإذا اشتمل لسان الدليل على عنوان الشك ورتب عليه حكماً ظاهرياً يبتني على الشك، فهذا أصل عملي. وأما إذا خلا لسان الدليل ومقام الإثبات من هذا القيد، فهذا أمارة. وعليه، فإن وجه التمايز بينهما بناءً على هذا المسلك ينتقل من مقام الإنشاء والجعْل إلى مقام الإثبات والدلالة.

تمايز المباني الثلاثة

يتضح مما تقدم أن المسلك الأول يذهب بالفارق إلى دائرة الجعل (وبالأخص مضمون المجعول). بينما يذهب المسلك الثاني بالفارق إلى مقام الإنشاء؛ نظراً لقوله إن أخذ الشك في موضوع الحكم يوجب صيرورة الدليل أصلاً، وإن انتفاءه يوجب صيرورته أمارة؛ وأخذ الشك في موضوع الدليل يُعدّ من شؤون مقام الإنشاء دون أن يرتبط بمقام الإثبات ولسان الدليل.

وأما المسلك الثالث فيتجاوز مقامي الجعل والإنشاء ليحصر الفارق بين الأصل والأمارة في مقام الإثبات ولسان الدليل في مقام الدلالة.

وبطبيعة الحال، هناك مبانٍ ومسالك أخرى مصورة في تبيين هذا الفارق، غير أن أهم المسالك وأشهرها بين الأصوليين هي هذه المسالك الثلاثة التي بيّناها.

والتساؤل المطروح: أيٌّ من هذه المسالك يُعدّ الأليق والأرجح بالقبول؟ وما هي الإيرادات والإشكالات المتوجهة إليها؟

تمايز كلام الشيخ الأنصاري والمحقق النائيني في المبنى الأول

على الرغم من اشتراك المحقق النائيني والشيخ الأنصاري في إرجاع الفارق بين الأمارة والأصل إلى مضمون المجعول، إلا أن هناك تمايزاً بين تقريبهما يبتني على إضافة أضافها المحقق النائيني وتفصيل صاغه في المقام. وتوضيح ذلك:

لقد استقرت الكلمة على حجية لوازم الأمارات العادية والعقلية والشرعية بالوساطة، وهو ما يُعبّر عنه بحجية “الأصل المثبت” أو بعبارة أخرى “مثبتات الأمارات”. بينما استقرت الكلمة في الأصول العملية على انتفاء حجية لوازمها العادية والعقلية والشرعية بالوساطة؛ فقولهم إن هذا اصل مثبت ولا حجية له يعني أنه من لوازم الأصل العملي عقلاً أو عادة أو بالوساطة الشرعية، ومن ثم لا أثر له؛ بخلاف لوازم الأمارات التي تحظى بالحجية والاعتبار. فما هو منشأ انتفاء حجية مثبتات الأصول وحجية مثبتات الأمارات؟

السؤال: …

الأستاذ: لقد بيّنت آنفاً أن المحقق النائيني والشيخ الأنصاري وإن اتفقا في جوهر الفارق بين الأصل والأمارة، إلا أن بينهما تمايزاً في التفريع والصياغة. ولم أقل إن هذا فارق مغاير بالكامل، بل هو تفريع يدور في فلك المجعول نفسه.

لقد التفت المحقق النائيني إلى جهة دقيقة صاغ بها استدلالاً متكاملاً في الباب؛ حيث يرى حجية لوازم الأمارات استناداً إلى أن العلم بالشيء يلازم العلم بجميع لوازمه ومستلزماته. فإذا كان المجعول في باب الأمارات هو الطريقية والعلمية والكاشفية، فإن العلم بالشيء يثبت لوازم هذا الشيء ومستلزماته بالتبعية؛ وبذلك يثبت اعتبار مثبتات الأمارات وحجيتها. بخلاف الأصل العملي الذي يخلو مجعوله من العلم والطريقية والكاشفية، لينحصر في إيجاب الجري العملي، وهو أمر لا يقتضي الالتزام بلوازم الشيء ومستلزماته؛ إذ لا تلازم في الأصول بين إيجاب الجري العملي بمقتضى الشيء وبين إيجاب الجري العملي بمقتضى لوازمه. وهذا المطلب جلي يتضح بأدنى تحليل للبيانين؛ فللمولى تبارك وتعالى أن يكلفنا بالعمل بمقتضى الشيء دون أن يلزمنا بالعمل بمقتضى لوازمه، ويسعنا التفكيك بين العمل بالشيء والعمل بلوازمه.

فلو قال الشارع مثلاً: استصحب حياة زيد واحكم ببقائها؛ وحيث يترتب على بقاء حياته أثر شرعي مباشر وهو وجوب الإنفاق عليه؛ فللشارع إلزامنا بالعمل بمقتضى هذا الأصل، فهل يستلزم هذا إلزامنا بالعمل بمقتضى لوازمه العادية والعقلية؟ إن حياة زيد لازمه العادي والبديهي بعد مرور عشرین عاماً -وكان عمره آنذاك اثني عشر عاماً دون محاسن- أن يكون اليوم ذا محاسن؛ فهل يلزمنا الشارع بترتيب هذا الأثر العادي؟ الظاهر انتفاء الإلزام بترتيب هذا اللازم. بخلاف الأمارة؛ فحين تتسم الطريقية بصفة الكشف عن الواقع وإرائته، فإن انكشاف الواقع يقتضي بالتبعية انكشاف لوازمه ومستلزماته العقلية والعادية دون إمكان للتفكيك بينهما؛ فمتى ما حضر العلم والكشف والطريقية امتنع التفكيك بين الشيء ولوازمه العادية والعقلية؛ ولذلك ذهبوا إلى حجية مثبتات الأمارات دون مثبتات الأصول العملية.

وهذا هو المطلب الذي صاغه المحقق النائيني في تبيين الفارق بين الأصل والأمارة ورتب عليه هذا الأثر الأصولي المهم.

إشكال المحقق الخوئي على المحقق النائيني

أورد المحقق الخوئي إشكالاً على ما أفاده المحقق النائيني في تبيين المسلك الأول؛ وقد سقنا هذا التقريب لنبين التمايز والفرق بين صياغة المحقق النائيني وتقريب الشيخ الأنصاري في هذا الفارق.

يقرر المحقق الخوئي: أن مجرد القول بأن المجعول في باب الأمارات هو العلمية والطريقية والكاشفية لا يقتضي بالضرورة حجية مثبتاتها بحجة أن العلم بالشيء يلازم العلم بلوازمه؛ لأن الملازمة بين العلم بالشيء والعلم بلوازمه تثبت وتستقر فيما إذا كان العلم علماً وجدانياً وحقيقياً. فمتى ما حصل العلم الحقيقي واليقين الوجداني بالشيء، تلازم معه العلم بلوازمه ومثبتاته بالتبعية. وأما إذا كان العلم علماً تعبدياً -كما هو الحال في باب الأمارات- فإن الأمر ينحصر في حدود التعبد الشرعي؛ فهو علم تعبدي محض، ومن ثم يتعين تتبع حدود التعبد التي رسمها الشارع ومقدارها؛ إذ لا تلازم بين اعتبار الشارع للأمارة واعتباره للوازمها بالتبعية؛ بل يسع الشارع اعتبار الشيء وحده دون اعتبار لوازمه ومثبتاته بالوساطة العقلية والعادية؛ لخضوع الباب برُمته لجهة التعبد والإنشاء التشريعي.

ولذلك يخلص المحقق الخوئي إلى أن حجية مثبتات الأمارات ليست على طبق القاعدة؛ بل يفتقر القول بحجيتها ومثبتاتها بالوساطة العقلية والعادية إلى مؤونة زائدة ودليل خاص مستقل؛ وإلا فإن الدليل المتكفل بجعل الحجية للأمارة لا يمتلك الصلاحية الذاتية لإثبات حجية لوازمها ومثبتاتها في حقنا.