الدرس السادس، المقدمات، المقدمة السادسة
الدرس السادس
المقدمات – المقدمة السادسة: مجاري الأصول العملية – كلام المحقق الخراساني – الإشكال الأول والثاني والثالث ودراستها – كلام المحقق الخوئي
28 ربيع الأول 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
دارت المقدمة السادسة حول مجاري الأصول العملية. وبيّنّا أن الأصوليين قد ذكروا مجاري متعددة للأصول العملية، وعرضنا في الجلسة السابقة ثلاثة بيانات للشيخ الأنصاري في هذا الشأن. وقد أورد المحقق الخراساني إشكالات عدة على هذه البيانات، ويمكننا الإشارة هنا إلى ثلاثة إشكالات منها على الأقل.
تمثّل الإشكال الأول في أن كلاً من البيانيْن الأول والثاني ينتقض بمورد الشك بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر. فبناءً على البيانيْن الأول والثاني للشيخ، يكون هذا الموضع مجرى للبراءة؛ نظراً لكون الشك فيهما شكاً في التكليف. فالبراءة في البيان الأول مشروطة بقيدين: أن يكون الشك في التكليف، وأن يمكن الاحتياط فيه. وأما في البيان الثاني، فلها شرط واحد وهو الشك في التكليف، سواء أكان الاحتياط ممكناً أم ممتنعاً.
والمشكلة تكمن في أن الشيخ الأنصاري نفسه يجري الاحتياط في هذه الموارد، في حين أنه بمقتضى البيانيْن الأول والثاني يتعين جريان البراءة، بيد أن الشيخ وغيره ذهبوا هنا إلى جريان الاحتياط.
الإشكال الثاني
يمثل الإشكال الثاني (وهو يرد على البيانيْن الأول والثالث معاً) نقضاً آخراً؛ فلو دار الشك مثلاً بين الوجوب والحرمة والإباحة، فبناءً على البيان الأول يكون التخيير في الموضع الذي يتعذر فيه الاحتياط. وكذلك في البيان الثالث يكون التخيير حيث يمتنع الاحتياط (سواء أكان الشك في التكليف أم لا، وسواء أكان في المكلف به أم لا). وحيث إن الاحتياط متعذر هنا، فيتعين أن يكون المجرى مجرى للتخيير. في حين أن هذا المورد هو مجرى للبراءة؛ لأن الشك بين الوجوب أو الحرمة أو الإباحة يرجع في الحقيقة إلى أصل التكليف، ومن ثم يتعين جريان البراءة فيه، غير أنه بناءً على البيانيْن الأول والثالث سيكون مجرى للتخيير.
الإشكال الثالث
وأورد المحقق الآخوند إشكالاً اختصاصياً على البيان الثالث، وهو ينطوي أيضاً على نقض يوجه للشيخ. ومثاله: ما لو شككنا في شيء هل هو واجب أم حرام؛ فبناءً على البيان الثالث يكون هذا مجرى للبراءة؛ لكون الشك شكاً في أصل التكليف، لعدم قيام أي دليل لدينا على الوجوب أو الحرمة، وبحسب القاعدة يتعين أن يكون الموضع مجرى للبراءة، في حين أن عامة الأصوليين ذهبوا إلى التخيير في مسألة الدوران بين المحذورين.
وعليه، فإن الإشكالات التي وُجهت إلى هذه البيانات الثلاثة دفعت الأصوليين إلى التفكير في مخرج واقتراح مجارٍ أخرى للأصول العملية.
وقد بيّنا سابقاً أن هذه البيانات الثلاثة تختلف عن بعضها تماماً، وتترتب على كل منها آثار متباينة. وإن كانت تشترك في بعض المحاور، إلا أن هناك فوارق قطعية بينها من حيث النتائج، وقد أشرنا إلى بعض هذه النتائج في طيات هذه الإشكالات، ولسنا بصدد الوقوف طويلاً عند هذه الجهة.
كلام المحقق الخوئي
يقرر المحقق الخوئي: أننا تارة يحصل لنا علم وجداني ويقين وجداني بالحكم الشرعي، وتارة أخرى لا يحصل لنا ذلك. فإذا حصل لنا العلم واليقين والقطع الوجداني، فحجيته بديهية غنية عن البحث والبيان، ولا صلة لها بالأصول العملية.
ولكننا قد لا ننال العلم واليقين الوجداني، بل يحصل لنا علم تعبدي. والمقصود بالعلم التعبدي هو ما يحتمل الخلاف واقعاً، غير أنه نُزّل منزلة العلم شرعاً؛ حيث أُمِرنا بقبوله والتعامل معه كالعلم. فالأمارات والظنون الخاصة تفيد بأجمعها علماً تعبدياً؛ لأنها لا تشبه القطع من جهة انتفاء احتمال الخلاف فيها، غير أن الشارع ألغى احتمال الخلاف في هذه الموارد جرياً على مسلك العقلاء؛ ومن ثم عُدّت منزّلة منزلة العلم وخليفة له، أو عبّر عنها بالعلم التعبدي. ونحن لا شأن لنا بهذا أيضاً؛ أي لا بالشق الأول ولا بالشق الثاني؛ علماً بأن عمدة أبحاث علم الأصول تندرج تحت هذا الفرض الثاني.
وتارة ثالثة لا ينتهي بنا المطاف إلى العلم الوجداني ولا إلى العلم التعبدي؛ أي لا يحصل لنا قطع ولا ظن قام الدليل على اعتباره، بل يعترينا الشك.
ثم يضيف قائلاً: إذا تعذر علينا نيل العلم الوجداني والتعبدي، فإن وظيفتنا تتحدد تارة بالأصول العملية العقلية، وتارة أخرى بالأصول العملية الشرعية. وتلك القواعد المستقاة من الشرع في فرض الشك في الحكم الواقعي تثبت لنا حكماً ظاهرياً وتحدد وظيفتنا العملية في مواردها الخاصة. ويُعرف الدليل الذي يدل على الحكم الظاهري المستفاد من تلك الأدلة بـ “الدليل الفقاهتي” في مقابل “الأدلة الاجتهادية”.
وعليه، فالأصول الشرعية تبين حكماً ظاهرياً ووظيفة عملية لنا في موارد الشك. وفي بعض الحالات التي نشك فيها في حكم الشيء، يرشدنا العقل صوب وظيفة عملية معينة؛ وهنا لا يثبت حكم ظاهري، بل يستقل العقل في بعض الموارد بإثبات البراءة، وفي موارد أخرى بإثبات الاحتياط، وفي غيرها بإثبات التخيير.
وأما في أي مجرى تثبت هذه الأصول العملية العقلية والشرعية، فيرى المحقق الخوئي أن الشك إما أن تكون له حالة سابقة اعتبرها الشارع، وإما ألا تكون له حالة سابقة أو تكون له حالة سابقة غير معتبرة شرعاً. فإن كانت له حالة سابقة واعتبرها الشارع، فهذا مجرى “الاستصحاب”؛ سواء أكان الشك في التكليف أم في المكلف به، وسواء أكان الاحتياط ممكناً أم متعذراً.
وأما في الموضع الذي لا تلاحظ فيه الحالة السابقة (سواء لعدم وجودها أصلاً أو لعدم اعتبارها شرعاً)، فإن كان الشك في أصل التكليف، فهذا مجرى “البراءة”. وإن كان الشك في المكلف به (بمعنى أن أصل التكليف معلوم ولكن المكلف به مجهول)، فله صورتان: إما أن يكون الاحتياط ممكناً فهو مجرى “قاعدة الاشتغال”، وإما أن يتعذر الاحتياط فهو مجرى “التخيير”.
والآن يطرح السؤال نفسه: مع أي من البيانات الثلاثة للشيخ الأنصاري يتطابق هذا البيان للمحقق الخوئي؟ أمع البيان الأول، أم الثاني، أم الثالث؟
لقد عرضنا بيان المحقق الخوئي كما أسلفنا بيانات الشيخ الثلاثة؛ وهذا التبيين يتطابق مع البيان الثاني للشيخ. وإذا كان الأمر كذلك، فإن ذات الإشكالات التي توجهت للبيان الثاني للشيخ ترد على هذا المجرى أيضاً؛ سواء أكانت مشتركة مع البيان الأول أم مع الثالث، أم كانت إشكالات اختصاصية تتوجه إليه بالذات، ومن ثم فإن هذا المجرى لا يمكن ارتضاؤه وقبوله بطبيعة الحال.
دراسة كلام المحقق الخوئي
وعلاوة على ذلك، فإن الإشكال الأساس الذي يرد على ما أفاده المحقق الخوئي يكمن في أمرين:
الأمر الأول: أن المحقق الخوئي قد تحدث عن “الحكم الظاهري”؛ حيث يرى أن الأصول العملية الشرعية تدل على حكم ظاهري. وعبارته في هذا الشأن هي: «القسم الرابع: ما لا يوصلنا إلى الحكم الواقعي بالقطع الوجداني ولا بالتعبد الشرعي، بل يبحث فيه عن القواعد المتكفلة لبيان الأحكام الظاهرية في فرض الشك في الحكم الواقعي وتسمى هذه القواعد بالأصول العمليات الشرعية». فهو يصرح -ككثير من الأصوليين- بأن الأصل العملي الشرعي مبين للحكم الظاهري. وبطبيعة الحال، يقول في الأصول العملية العقلية إنها لا تبين حكماً ظاهرياً بل تحدد مجرد وظيفة عملية. وهاكم شقاً من عبارته في هذا الصدد: «القسم الخامس: ما يبحث في القواعد المتكفلة لتعيين الوظيفة الفعلية عقلاً عند العجز عن جميع ما تقدم. فإن المكلف إذا لم يصل إلى الحكم الواقعي بالقطع الوجداني ولا بالتعبد الشرعي وعجز أيضاً عن الحكم الظاهري، تعيّن عليه الرجوع إلى ما يستقل به العقل من البراءة أو الاحتياط أو التخيير على اختلاف الموارد» وتسمى هذه القواعد بالأصول العملية العقلية. فالمحقق الخوئي يرى أنه لا يسعنا كشف حكم ظاهري في الأصول العملية العقلية، بخلاف الأصول العملية الشرعية.
الإشكال الأول
يمثل الإشكال الأول عقبة مبنائية؛ وهي انتفاء وجود شيء اسمه “الحكم الظاهري” أساساً؛ إذ إن هذا الموضع محل بحث وخلاف عريض. وقد أنكرنا أصل وجود الحكم الظاهري في مباحث “الحكم” التي تناولناها بالتفصيل في السنوات الأولى؛ حيث بيّنا أنه لا يوجد لدينا شيء باسم الحكم الظاهري أصلاً. ورددنا القول بأن لله تبارك وتعالى جعلين مستقلين، أحدهما للحكم الواقعي والآخر للحكم الظاهري؛ إذ ذهبنا إلى أنه في حال عدم انكشاف الحكم، يرى العقلاء ما يتعين عليهم من وظيفة عملية، دون أن يعدّوا ذلك قانوناً وتشريعاً شرعياً.
وحيث إن مسألة الحكم الظاهري محل خلاف وتحقيق، وقد أنكرنا وجوده، فإن كثيراً من الأبحاث ستتغير تبعاً لذلك. ومنها البحث الطويل نسبياً الذي تناولناه سابقاً حول “الجمع بين الحكم الواقعي والظاهري”؛ إذ إن الجمع بينهما يبتني أساساً على القول بوجود حكم واقعي وآخر ظاهري؛ فإذا ذهبنا إلى عدم وجود أكثر من حكم واحد نصل إليه تارة ونعجز عنه تارة أخرى، فلن يستقيم القول بوجود حكم ظاهري مجعول بشكل مستقل.
وبناءً على هذا، فإن الإشكال الأول على كلام المحقق الخوئي هو التزامه بوجود الحكم الظاهري، مع كون أصل وجوده محل إنكار وخدشة. وهذا الإشكال يُعدّ إشكالاً مبنائياً بالنظر إلى ما قررناه.
الإشكال الثاني
ويتلخص الإشكال الثاني في قوله: إن العلم ينقسم إلى واقعي وجداني وتعبدي. ونحن نرى أنه لا يوجد شيء يُدعى “العلم التعبدي”؛ إذ لا يتحقق تنزيل بعض الأمور منزلة العلم واقعاً. فليس لدينا انقسام للقطع واليقين والعلم إلى طائفتين: وجدانية وتعبدية، على نحو يكون التعبدي منها منزلاً منزلة الوجداني. وهذا المبحث في حد ذاته محل نظر وبحث.
السؤال: عبارة «ما لم تعلم» تشمل هذا المورد أيضاً وهو علم، أي إن البينة علم؟
الأستاذ: لا خلاف في اعتبار البينة وحجيتها في الموضوعات. ولكن لكي تشملها عبارة «مَا لَمْ تَعْلَمُ»، يتعين القول بأن المقصود بالعلم ليس خصوص القطع واليقين، بل العلم أو الدليل العلمي؛ أي الشيء الذي يستند إلى ركيزة علمية… وليست كذلك بالضرورة… فهل أُطلق العلم هنا مجازاً، أم أنها منزّلة منزلة العلم؟ وهذا ما ذهب إليه المحقق النائيني وأضرابه ورتبوا عليه هذه الاستفادة. ولكن الأمر ليس كذلك حقيقةً؛ إذ إن العلم المتبادر هو اليقين والقطع، ولم يأتِ الشارع ليشرّع لنا علماً آخر مجعولاً يعتبره كالعلم… لا، بل إن العرف لا يرتضي هذا المسلك أبداً؛ فلا أحد يطلق لفظ “العلم” على الدليل الظني وإن كان معتبراً شرعاً.
وهناك بيان ومجرى للأصول العملية أفاده الإمام الخميني (قدس سره)، وسنتعرض له ونبحثه إن شاء الله تعالى.