The news is by your side.

الدرس الرابع، المقدمات، المقدمة الخامسة

الدرس الرابع
المقدمات – المقدمة الخامسة: تطبيق ضابطة المسألة الأصولية على الأصول العملية – شرح رسالة الحقوق – مرور بالبحوث السابقة – مقومات الخضوع القلبي

24 ربيع الأول 1447 هـ

المقدمة الخامسة: تطبيق ضابطة المسألة الأصولية على الأصول العملية

ذكرنا حتى الآن أربع مقدمات من مقدمات بحث الأصول العملية. وتأتي المقدمة الخامسة لتجيب عن تساؤل مفاده: هل يُعدّ بحث الأصول العملية من مسائل علم الأصول أم لا؟ وهو بحث طرحناه سابقاً وبصورة عامة تقريباً في سائر المسائل، لمعرفة ما إذا كانت تُصنَّف ضمن مسائل علم الأصول أم لا.

1. إن بعض المباحث التي تُطرح تحت عنوان “مباحث الألفاظ”، من قبيل كون صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب أم لا؟ وكون النهي ظاهراً في الحرمة أم لا؟ قد بيّنّا أنها من مسائل علم الأصول؛ نظراً لانطباق ضابطة المسألة الأصولية عليها. والضابطة إجمالاً هي: أن المسألة الأصولية هي تلك التي تقع نتيجتها كبرى في قياس الاستنباط وتنتج حكماً شرعياً. وبناءً على هذا، فإن البحث في ظهور الأمر والنهي في الوجوب والحرمة يُعدّ من مسائل علم الأصول؛ لأننا في قياس الاستنباط عندما نقول مثلاً: “أأمرٌ” أمرٌ، والأمر ظاهر في الوجوب، نخلص إلى نتيجة مفادها أن صيغة “أقيموا” ظاهرة في الوجوب، وعبارة “أقيموا الصلاة” تدل على وجوب الصلاة (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ).

السؤال: للقياس مقدمات، وهناك قياس آخر أيضاً…

الأستاذ: فيما يخص مباحث الألفاظ، لدينا بحث صغروي، وهو ما كنت أشير إليه الآن في هذا البحث الصغروي بأنه من مسائل علم الأصول. والمقصود هو شق من مباحث الألفاظ لا جلّها.

وعلى أية حال، فإن شقاً من مباحث الألفاظ -كالنماذج التي سقتها- يُعدّ مسلماً من مسائل علم الأصول. وتقريباً فإن سائر الأبحاث الصغروية المتعلقة بالظهورات تُصنف ضمن مسائل علم الأصول.

2. وكذلك الأبحاث الكبروية المتعلقة بالحجية، كـ “حجية الخبر”، هي من مسائل علم الأصول. وبطبيعة الحال، فإن حجية الظواهر بوصفها أمراً عقلائياً لا ينبغي البحث عنها في علم الأصول. وهناك فرق بين حجية الإجماع المنقول، وحجية الشهرة، وحجية الظن الانسدادي بناءً على الكشف؛ فكل هذه المباحث تُعدّ من مسائل علم الأصول لوقوعها كبرى في قياس الاستنباط.

أما حجية مطلق الظواهر فليست من مسائل علم الأصول، وإن كنا نستعين بها في علم الأصول؛ إذ إن العقلاء يرون الظواهر قاطبة حجة، وعندما يواجهون ظاهر كلام ما يأخذون به بطبيعة الحال (وإن اختلفت المباني في هذا الموضع).

بينما تُعدّ حجية ظواهر القرآن بحثاً أصولياً (بمعنى ما)، وإن كانت قابلة للطرح في غير علم الأصول أيضاً. فهذه الموارد ينطبق عليها الضابط المذكور.

3. وهناك شق من مباحث الألفاظ، مثل المشتق، واستعمال اللفظ في أكثر من معنى، والصحيح والأعم -وهي الأبحاث الثلاثة عشر أو الأربعة عشر التي طرحها المحقق الخراساني في صدر “الكفاية”- لا تُعدّ من مسائل علم الأصول؛ لعدم انطباق الضابط المذكور عليها. وقد بيّنا في موضعه وجه البحث عنها في علم الأصول.

4. وأما الأبحاث المتعلقة بالملازمات، والتي طُرحت في الكتب الأصولية -لا سيما حتى العقود الأخيرة- ضمن مباحث الألفاظ، فهي من مسائل علم الأصول؛ سواء أكانت في ناحية المستقلات العقلية أم في غير المستقلات، كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته، والملازمة بين وجوب الشيء وحرمة ضده، ومسألة اجتماع الأمر والنهي.

والملازمات على قسمين: طائفة تُعدّ من المستقلات العقلية، وطائفة أخرى لا تُعدّ منها. وإن إدراج هذه المباحث نوعاً في مباحث الألفاظ يثير إشكالاً في حد ذاته. ولسنا الآن في مقام المحاكمة والتحقيق؛ إذ بيّنا في موضعه أن هذه المباحث لا تندرج أساساً ضمن مباحث الألفاظ. ولكن بغض النظر عن دخولها في مباحث الألفاظ من عدمه، فإنها في حد ذاتها تُعدّ من مسائل علم الأصول؛ لأن الضابط ينطبق عليها، والنتائج والقواعد التي ننتهي إليها في هذه الأبحاث تقع كبرى في قياس الاستنباط. ولذا لا إشكال من هذه الجهة.

وهذه الملازمات إذا قُبلت (لأن بعض هذه الملازمات لم يرتضها البعض وهي محل خلاف؛ كالملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته حيث أنكرها الكثيرون وقالوا بعدم وجود ملازمة بين الوجوب الشرعي للشيء والوجوب الشرعي لمقدمته)، فإنها تُصنف ضمن مسائل علم الأصول لانطباق الضابط عليها.

أما مباحث القطع فليست من مسائل علم الأصول، ولا ينطبق عليها الضابط المذكور، وبغض النظر عن الطريق الذي حصل منه هذا القطع؛ لأن حجيته ذاتية. ولذات الدليل الذي يخرج حجية الظواهر كبروياً عن مسائل علم الأصول، يخرج هذا البحث أيضاً عن كونه مسألة أصولية.

وهذه هي عمدة الأبحاث التي تكلمنا عنها حتى الآن، وكما لاحظتم، فإن جلّها يُعدّ من مسائل علم الأصول.

5. فهل تُعدّ الأصول العملية -البراءة والاستصحاب والتخيير والاحتياط- من مسائل علم الأصول أم لا؟ إن المقدمة الخامسة ناظرة إلى هذه الجهة تظليلاً وتوضيحاً.

يبدو أن الضابط الذي ذكرناه للمسألة الأصولية ينطبق على الأصول العملية أيضاً، سواء أكانت أصولاً عملية عقلية أم شرعية؛ إذ لدينا قسمان من الأصول العملية:

القسم الأول هو الأصول العملية العقلية؛ حيث يحكم العقل مستقلاً بالبراءة بناءً على قاعدة “قبح العقاب بلا بيان”. ويختار العقل مستقلاً الاحتياط في بعض الموارد (الاحتياط العقلي)، وكذلك التخيير (التخيير العقلي)، بينما لا ينقسم الاستصحاب إلى عقلي وشرعي. إلا أن هذه الأصول الثلاثة تندرج ضمن الأصول العقلية.

والأصول العملية العقلية هي من مسائل علم الأصول؛ لأنها تحدد الوظيفة العملية للمكلف حال عجزه عن الوصول إلى الحكم الشرعي. فحينما لا يمتلك المكلف سبيلاً للوصول إلى الأحكام الشرعية على نحو اليقين، ولا يسعه ذلك عبر الطرق المعتبرة والتعبدية، فإن هذا يمثل مسلكاً طريقياً يبين وظيفته العملية، ومن ثم يمكن أن يقع كبرى في قياس الاستنباط.

وكذلك الحال في الأصول العملية الشرعية؛ فالاستصحاب، والاحتياط الشرعي، والبراءة الشرعية، والتخيير الشرعي، تقع بأجمعها كبرى في قياس الاستنباط، ولذا تُعرف بوصفها مسألة أصولية.

السؤال: استنباط الحكم الشرعي؟…

الأستاذ: الفارق هو أن الأصول العملية الشرعية، وإن كانت تحدد في نهاية المطاف وظيفتنا الفعلية والعملية، إلا أنها تمنحنا حكماً ظاهرياً. ومعنى ذلك أنه إذا شككنا في مورد ما في الحكم الواقعي، وكان مقتضى الحكم الشرعي هو الاحتياط أو الاستصحاب فإننا نستصحب ذات الحكم ونستمر عليه، وهذا حكم ظاهري. أما الأصول العملية العقلية فلا تمنحنا حكماً ظاهرياً؛ نعم، هذا الفارق موجود. فهي تحدد لنا وظيفة عملية ولكنها ليست حكماً، وليست حكماً ظاهرياً. وسواء أكانت أصولاً عملية شرعية تبين حكماً ظاهرياً، أم أصولاً عملية عقلية لا تتكفل ببيان حكم ظاهري، فإن كليْهما يشمله ضابط المسألة الأصولية.

السؤال: لا يستنتج من ذلك حكم شرعي، فالاحتياط العقلي لا ينتج حكماً شرعياً؟

الأستاذ: ولكنه يحدد الوظيفة العملية… يبدو أنك لا تنتبه لما أقول. أقول إن الأصول العملية الشرعية تمنحنا حكماً ظاهرياً، بينما لا تعطينا الأصول العملية العقلية حكماً ظاهرياً ولكنها تحدد وظيفتنا وتوضحها. ألا تفعل ذلك؟ بلى، حسناً إذن. إن ضابط المسألة الأصولية -كما بيّنا آنذاك- لا ينحصر في كون قياس الاستنباط مخصصاً لاستحصال الحكم الشرعي فحسب، بل يمكننا أيضاً نيل الوظيفة العملية عبر قياس الاستنباط. ونحن قد بحثنا هذه المسألة بالتفصيل في تعريف علم الأصول؛ وحين أشكلنا على تعريف المحقق الخراساني، طرحنا تعريفاً يستوعب هذه الجهة أيضاً. فليس من المقرر أن نكشف الحكم الشرعي فقط بواسطة قياس الاستنباط. بل إن قياس الاستنباط -وبغض النظر عن الخلاف القائم في تعريف علم الأصول- يهدف إجمالاً إلى منحنا حكماً شرعياً أو تبيين وظيفتنا العملية. والأصول العملية العقلية تبين هذه الوظيفة على الأقل، وإن لم تكن حكماً شرعياً ظاهرياً. وبذلك ينطبق عليها ضابط المسألة الأصولية.

فتلخص مما ذكرناه بأكمله: أن البحث في الأصول العملية يُعدّ من مسائل علم الأصول.

السؤال: قواعد مثل “قاعدة التجاوز” وأشباهها، لماذا لا يمكن اعتبارها من مسائل علم الأصول؟

الأستاذ: هذا هو الفارق عينه بين القواعد الأصولية والفقهية. وإن كنتم تذكرون، فقد طرح المحقق الخراساني في مستهل هذا المبحث إشكالاً حول “أصل الطهارة” متسائلاً عن سبب عدم البحث عنه هنا، مع أنه يشبه الأصل العملي. وهناك شبهة مطروحة حول أصل الطهارة. أما قاعدة الفراغ والتجاوز وأمثالها، فليست لها شباهة بهذه الأصول. بينما يمكن أن يُطرح هذا الإشكال وهذه الشبهة بنحو ما حول “أصالة الطهارة” و”أصالة الحلية”. وقد ذُكر وجه في ذلك سنعرضه لاحقاً عند البحث في كون حصر الأصول العملية في الأصول الأربعة استقرائياً أم عقلياً. وسنتناول هذا بالتفصيل إن شاء الله.

شرح رسالة الحقوق

مرور بالبحوث السابقة

لم ينتهِ بحثنا حول “حق الصلاة” في العام الماضي. فقد كان هناك فراز من “رسالة الحقوق” للإمام السجاد (عليه السلام) يتعلق بالصلاة. وبيّنا إجمالاً أن الإمام ذكر في طليعة كلامه حقين للصلاة. وللتذكير، سأقرأ هذا النص؛ وقد يكون في ذلك تكرار، ولكن لا مناص من قراءته للعودة إلى هذا المبحث بعد انقطاع دام عدة أشهر:

«و حَقُّ الصَّلاةِ أن تَعلَمَ أنّها وِفادَةٌ إلى اللّهِ عَزَّ و جلَّ، و أنّكَ فيها قائمٌ بينَ يَدَيِ اللّه». فحق الصلاة يكمن في أمرين:

أحدهما: أن تعلم أن الصلاة في الحقيقة هي وفادة وبوابة نحو الله عز وجل؛ أي تَعَرَّفْ على الصلاة نفسها واعرف كنهها.

والثاني: «و أنّكَ فيها قائمٌ بينَ يَدَيِ اللّه»؛ أي أن تدرك الموقع الذي تتبوأه في الصلاة وبأيدي مَن تقف. وقد شرحنا هذين الحقين بالتفصيل سابقاً.

مقومات الخضوع القلبي

عقب ذلك، قال (عليه السلام): يجب أن تكون بين يدي الله كذلك؛ وهي إشارة إلى الخضوع القلبي، والجوانحي، والجوارحي. وإذا أردنا تلخيص العبارة التالية للإمام السجاد (عليه السلام) في عنوانين بعد ذكره لهذين الحقين، فهي: أنه بعد معرفة هذين الحقين، يتعين أن يخشع ويخضع قلبك وبدنك وأعضاؤك. ثم بيّنا مقومات الخضوع القلبي التي أحصاها الإمام السجاد (عليه السلام) في كلامه:

«فإذا عَلِمتَ ذلكَ قُمتَ مَقامَ الذَّليلِ الحَقيرِ، الرّاغِبِ الرّاهِبِ، الرّاجِي الخائفِ». فبعد علمك بهذين الحقين، يجب أن تكون في صلاتك كمن يقف موقف الذليل، والراغب، والراهب، والخائف. وهذا ما بيّناه سابقاً.

فأولاً: الشعور بالذلة والحقارة؛ وهي حقيقة أن الإنسان عدمٌ محض بين يدي الله تبارك وتعالى. ولكنه في الوقت ذاته راغب؛ وانتبهوا كيف جُمع هنا بين الفناء والعدمية وبين الرغبة والتوجه إليه سبحانه. وقوله: «الرَّاهِبِ الخَائِفِ»؛ وقد ذكرنا وجود فرق بين الرهبة والخوف، فكلاهما يفيد معنى الخوف، ولكن بينهما فرقاً رغماً عن وجود خلافات أنظار في هذا الموضع.

فقد ذهب علماء اللغة إلى أن “الرهب” هو الخوف الطويل والمستمر؛ أي الخوف الدائم. فالراهب هو من يقع في خوف دائم. بينما ذهب الراغب الأصفهاني إلى أن “الرهب” هو الخوف المشوب بالاضطراب. وهناك بون بين الخوف والاضطراب.

وذهب بعضهم إلى أن الرهب يعني “الخشية”، ويبدو أن هذا الرأي هو الصواب. وقد ذهب العلامة الطباطبائي في الميزان أيضاً إلى أن “الرهبانية” مشتقة من ذات الجذر “رهب” بمعنى الخشية.

وإذا حملنا الرهب على معنى الخشية، فإن الخشية هي خوف خاص ينطوي على التعظيم والإجلال. فالإنسان عندما يواجه عظيماً من العظماء، يعتريه خوف خاص يختلف تماماً عن الخوف الذي يشعر به عند رؤية سبع ضارٍ؛ فرغم كونهما خوفاً في الحالتين، إلا أن خوف الإنسان من ظلمة الليل أو هجوم الحيوان خالٍ من أي تعظيم وإجلال للمصدر المخيف. أما الخشية فهي الخوف المقترن بالتعظيم؛ فحين يقف المرء بين يدي عظيم، يداخله خوف من سنخ مغاير تماماً.

والإمام السجاد (عليه السلام) يبين هنا وجوب حضور المصلي بين يدي ربه بهذه الحالة؛ أي أن يجمع بين الخوف والخشية معاً.

ثم يقول (عليه السلام) في المقطع التالي: «الرَّاجِي المِسْكِينِ المُتَضَرِّعِ المُعَظِّمِ مَنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ». وهذه الأوصاف تندرج قاطبة ضمن الأمور التي عُدّت من مقومات الخشوع القلبي، والتضرع الجوانحي، والتسليم الداخلي:

6. أن يكون راجياً مؤملاً؛ أي يمتلك هذه الحالة.

7. المسكين (العاجز؛ فالمسكين هو الإنسان المستكين العاجز).

8. المتضرع (حالة التباكي والأنين؛ فكيف تكون حالة المتضرع؟ إنها حالة الالتماس والرجاء الحار).

9. المعظم مَن قام بين يديه (أن يعظم ويُجلّ مَن يقف أمامه؛ وهو تعظيم الله عز وجل وإجلاله). وهذه الأمور مستقرها القلب بأسرها.

فتأملوا إذن كيف أن العبارة من قوله: «أَنْ تَقُومَ فِيهَا» إلى قوله: «المُعَظِّمِ مَنْ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ» تصب بأكملها في مساق بيان الخضوع القلبي وتبيين مقوماته، والوقوف على ما يتحقق به الخضوع القلبي. فلو قال (عليه السلام) مقتصراً: “يجب أن تخضعوا قلوبكم لله”، لتساءلنا كيف السبيل إلى ذلك؟ غير أن الإمام يوضح لنا معنى الخضوع القلبي بأنه حالة الذلة، والرغبة، والرهبة، والخوف، والاستكانة، والتضرع، وتعظيم الله تبارك وتعالى وتكبيره في النفس.

ومن هذا الموضع، يشرع الإمام (عليه السلام) في تبيين خضوع البدن من الناحية الظاهرية، وهو ما يُعرف بالخضوع الجوارحي، وسنتعرض له في الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى.