The news is by your side.

الدرس الثاني المقدمات، المقدمة الثانية، المراحل الثلاث للأصول العملية

الدرس الثاني
المقدمات – المقدمة الثانية – المراحل الثلاث للأصول العملية – المرحلة الأولى – المرحلة الثانية – المرحلة الثالثة

22 ربيع الأول 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

عرضنا في الجلسة السابقة أنه قبل الورود في البحث عن الأصول العملية، يسترعينا بيان عدة مقدمات. والمقدمة الأولى التي أشرنا إليها بالأمس هي أن اصطلاح “الأصل العملي” إنما شق طريقه إلى متوننا الأصولية والفقهية في القرون المتأخرة، ولم يكن متداولاً في العصور المتقدمة؛ على الرغم من إمكانية تلمّس مضامين ومحتويات بعض الأصول العملية في ثنايا تلك المصنفات.

المقدمة الثانية

تدور المقدمة الثانية حول مسار تطور الأصول العملية؛ كيف طُرحت واستُنِد إليها منذ البداية، وما هو المسار التاريخي الذي سلكته بعد ذلك حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم؟

المراحل الثلاث

يمكننا إجمالاً ذكر ثلاث مراحل وثلاثة أدوار مرت بها الأصول العملية:

المرحلة الأولى

المرحلة الأولى وتختص بالمتقدمين، أي عصر السيد المرتضى، وابن زهرة، والشيخ الطوسي؛ وهناك عدة نقاط جديرة بالاهتمام في هذه المرحلة:

1. مضمون بعض هذه الأصول التي طُرحت بوصفها دليلاً عقلياً؛ حيث إنهم حصروا مصادر الفقه ومنابع الاستنباط في أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل؛ وأدرجوا “أصالة البراءة” تحت الدليل الرابع والمنبع الرابع، ثم ذكروا “الاستصحاب” في دائرة الدليل العقلي. بمعنى أن الاستصحاب، الذي كان مستنداً في نفسه إلى بعض الروايات، قد طُرح مع البراءة كدليل عقلي.

وكان المقصود بالبراءة في كلامهم هو “استصحاب البراءة”؛ أي إن ذمة الإنسان قبل تشريع الشريعة لم تكن مشغولة بالتكليف، والآن نشك في اشتغال ذمته بتكليف ما؛ فكانوا يجرون استصحاب براءة الذمة والبراءة من التكليف، وربما عبّروا عن ذلك تارة بـ “استصحاب حال العقل”. وهذا المقدار مشهود في كتب بعض الأعاظم كالسيد المرتضى وابن زهرة.

2. النقطة الأخرى الجديرة بالاهتمام في هذه المرحلة هي أنهم كانوا يقدّمون هذه الأدلة بوصفها أدلة قطعية؛ أي إن الكتاب والسنة والإجماع والعقل كانت تُقدّم كأدلة قطعية، وكان العمل بمقتضى البراءة يُعدّ عملاً بالدليل العقلي القطعي. وكان هذا في مواجهة العامة الذين كانوا يعملون ببعض الظنون والأمارات؛ حيث كان ادعاء علماء الشيعة في تلك الحقبة هو عدم حاجتنا إلى الظن، وأن جميع أدلتنا قطعية، وذكروا البراءة والاستصحاب من جملة تلك الأدلة القطعية.

بناءً على هذا، أُدرج الأصل العملي تحت الدليل العقلي إلى جانب الأدلة الثلاثة الأخرى: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل؛ فكان الاستصحاب والبراءة جزءاً أو مصداقاً للدليل العقلي.

وفي هذه المرحلة أيضاً، كانوا يجرون هذه الأدلة على نسق واحد بوصفها دليلاً على الحكم الواقعي؛ أي كأنها أدوات يمكن من خلالها الكشف عن الحكم الواقعي. ولم يكن لمبحث الحكم الظاهري والدليل الفقاهتي (الذي ظهر لاحقاً) أي عين أو أثر في ذلك الوقت. فكانوا يقولون بأدلتنا الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل؛ وكان شق من الدليل العقلي يتعلق بالملازمات، وشق آخر يتعلق بالبراءة والاستصحاب، وربما بالتخيير الواقعي في بعض الموارد. إذن، كانوا في هذه المرحلة يرون الدليل قطعياً وكاشفاً عن الحكم الواقعي.

المرحلة الثانية

في المرحلة الثانية، طرأت بعض الفوارق والتغيرات التي ربما بدأت منذ عصر المحقق صاحب الشرائع. وهناك عدة نقاط جديرة بالاهتمام فيما يخص هذه المرحلة أيضاً:

  1. أولاً: أنهم كانوا يستدلون بالبراءة لإثبات الإباحة، ولكن ليس بوصفها دليلاً عقلياً قطعياً. وكانوا ينفون أحياناً التكاليف التي يُشك في تعلقها وتكون مجهولة، وذلك بالاستعانة بأصل البراءة فيحكمون بالإباحة؛ ولكن ليس بمعنى أن هذا الحكم هو الإباحة الواقعية، ولا على نحو قبول البراءة كدليل قطعي. بل كانوا يقولون: على أية حال، إن الأحكام قد وصلتنا قاطبة؛ فإذا لم نجد في مورد ما دليلاً على الحكم، يُعلم أنه لا حكم ثابت فيه، بناءً على قاعدة “عدم الدليل على الحكم، دليل على عدم الحكم”، ولكن ليس على نحو الكشف الواقعي. وكانوا يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لم يكلفنا بما لا يطاق؛ فكيف يمكن أن نكون مكلفين بشيء في موضع لا نعلمه فيه؟ وبناءً على ذلك، فإن حكم الإباحة ثابت في حقنا، ولكن ليس بوصفه حكماً واقعياً. ولم يكن اصطلاح وعنوان “الحكم الظاهري” قد ولد بعد؛ بل كانوا يثبتون الإباحة فحسب في الموارد التي لا يجدون فيها دليلاً على الحكم.

  2. النقطة الأخرى التي تم الالتفات إليها في هذه الحقبة وصرحوا بها في مصنفاتهم وعباراتهم، هي أن الأدلة الشرعية التي يُستند إليها في الفقه ليست قطعية، بل إن الكثير منها أدلة ظنية. فقد نظروا في مقالات المتقدمين وقالوا إن أدلتنا ليست قطعية بأسرها؛ بل إن بعضها أو الكثير منها ظني، ولكنه معتبر؛ فارتضوا الحجية والاعتبار الشرعي لهذه الأدلة، بيد أنهم قالوا إنها ليست قطعية بل تفيد الظن. من هنا، فُتح باب الالتفات إلى الظن وقبول العمل به تدريجياً بين الأصوليين، ولكن ليس كل ظن، بل الظن الذي يقوم عليه دليل شرعي معتبر.

ومنذ ذلك الوقت، افترق مسار الأصول العملية عن تلك الأدلة الثلاثة الأخرى. وفي هذه الحقبة قُبلت الأصول العملية بوصفها أدلة ظنية. وهذا الأمر أسهم إلى حد ما في انفساح آفاق المسائل الأصولية؛ فعلى سبيل المثال، رأى بعض علماء هذا العصر حجية الاستصحاب من باب إفادته الظن. وصرح صاحب المعالم بالبراءة بوصفها دليلاً ظنياً، واستمرت هذه الرؤية حتى عصر الشيخ الأنصاري. إذن، تباعدت البراءة والاستصحاب عن تلقيهما كدليل قطعي، وأُدرجا في زمرة الأدلة الظنية.

المرحلة الثالثة

في المرحلة الثالثة، التي تبدأ من عصر العلامة المجدد الوحيد البهبهاني، وكان لبعض تلامذته، لا سيما صاحب الحاشية على المعالم، دور فيها؛ شُيّد ما يشبه إطاراً جديداً للأصول العملية، وهو الإطار الذي لا يزال قائماً حتى يومنا هذا. وبطبيعة الحال، قام الشيخ الأنصاري بتثبيت هذا الإطار وإحكامه، وتناول جوانبه المختلفة بوضوح وجلاء تامين؛ إلا أن جذور جهوده تعود إلى الأعمال التي بدأت منذ عصر الوحيد البهبهاني. ويعبر البعض عن هذا بأنه فتح عظيم وانفراجة كبرى في علم الأصول، وربما يُنسب جلّه إلى الشيخ الأنصاري لكونه قد نقّح هذا الإطار تنقيحاً بليغاً، لا سيما في كتابه “فرائد الأصول” حيث تناول مبحث الأصول العملية وبيّنه بطريقة واضحة وجلية للغاية. واليوم، فإن الإطار العام للأصول العملية في الجملة (بصرف النظر عن الخلافات القائمة في كثير من الموارد الجزئية) هو عينه الإطار والموقع الذي رُسخت ركائزه في المرحلة الثالثة ونقّحه الشيخ الأنصاري. وهذا هو المنجز الذي تم في هذا العهد.

وهناك أيضاً في هذه المرحلة نقاط تستحق الالتفات، وتُلاحظ تغيرات تنطوي على بون شاسع وفوارق عميقة مقارنة بالدورة الأولى:

  1. طرح مسألة “الأدلة الفقاهتية” و”الأدلة الاجتهادية”، والتي نقلها الشيخ الأنصاري عن الوحيد البهبهاني وتعرّض لها؛ حيث قدّم الأمارات باسم “الأدلة الاجتهادية” والأصول بوصفها “الأدلة الفقاهتية”. وبيّن وجه تسمية الأمارات بالأدلة الاجتهادية وتسمية الأصول العملية بالأدلة الفقاهتية؛ إذ يعود جذر هذا التقسيم إلى تعريف الاجتهاد والفقاهة؛ حيث عرّفوا الاجتهاد بأنه تحصيل الظن بالحكم الشرعي، والفقاهة بأنها تحصيل العلم بالحكم الشرعي. وقد حمل الوحيد البهبهاني الحكم الشرعي في تعريف الاجتهاد على الحكم الواقعي، فكأن الاجتهاد هو “تحصيل الظن بالحكم الشرعي الواقعي”، بينما جعل التكليف الشرعي والحكم الشرعي في تعريف الفقاهة أعم من الواقعي والظاهري، ليشمل الوظائف العملية أيضاً.

السؤال: هل هو ظاهري فقط؟

الجواب: نعم، الأعم هو بهذا المعنى؛ لا أنه يشمله أيضاً. بمعنى أن ما يتيقن به الإنسان من الحكم الظاهري عن طريق الأصول العملية، لو أردنا أن نعتبر الفقه بمعنى ما يوجب العلم بالحكم الشرعي الواقعي، لما كان ذلك صحيحاً؛ إذ لا يمكننا قطعاً ادعاء العلم بالحكم الشرعي الواقعي إلا في بعض الضروريات، وإلا فلا سبيل لنا إلى مثل هذا الادعاء في سائر الموارد.

السؤال: …

الجواب: لا، ذلك محل خلاف. إذ إن “التنزيل منزلة العلم” مبنى من المباني في المسألة؛ وهناك كثيرون لا يرتضون تنزيل الأمارات منزلة العلم.

وعلى أي حال، لم يعد الأصل العملي في هذه المرحلة دليلاً قطعياً على الحكم الشرعي، وإن كان معتبراً وحجة شرعية معتبرة. بيد أنه ليس دليلاً قطعياً (وهذا بالطبع ما قد حدث في المرحلة الثانية أيضاً)؛ أي إننا لا يسعنا القول بأنها عُدّت أدلة قطعية على الحكم الشرعي. غاية ما في الأمر أنه لما لم يكن هناك تفكيك بين الحكم الواقعي والظاهري في المرحلتين الأولى والثانية، قالوا في هذه المرحلة: إنه ليس دليلاً قطعياً على الحكم الشرعي الواقعي؛ بل هو دليل قطعي على الحكم الشرعي الظاهري، وهو بالتأكيد دليل معتبر لثبوت اعتباره وحجيته. ونحن لا ننال الحكم الشرعي الواقعي قطعاً بالاستعانة بالأصول العملية. إذن:

أولاً: ليس دليلاً قطعياً.

ثانياً: ليست له كاشفية عن الحكم الشرعي الواقعي، بل يقرر لنا مجرد وظيفة عملية إلى حين انكشاف الحكم الشرعي الواقعي أو قيام أمارة ظنية عليه، غير أنه يثبت الحكم الظاهري لنا على نحو القطع. من هنا، لم يعد يُنظر إليه كأحد المصادر الأربعة للحكم الشرعي؛ فهو ليس في عرض المصادر الفقهية الأربعة، بل في طولها. فقد خرج من كونه في عرضها ليستقر في الرتبة الطولية المتأخرة عنها. ولم يعودوا يرتضون له الكاشفية عن الحكم الشرعي، في حين كانوا يرتضون له سابقاً -لا سيما في البراءة والاستصحاب- جنبة الكاشفية في بعض الحدود على الأقل.

وإذا أردنا ذكر الفوارق على وجه المقارنة، فيمكننا الإشارة إلى عدة أمور على الأقل، من قبيل:

  • أن الأصول العملية تبين وظيفة عملية تُستخدم لمجرد رفع الحيرة والتحير لكي لا يبقى المكلف متخلياً وبلا تكليف.

  • إذا قصرت يد المكلف عن الدليل الاجتهادي، أمكنه الرجوع إلى الدليل الفقاهتي.

  • لا كاشفية له عن الحكم الشرعي، ولكنه معتبر في الوقت ذاته، ويسعنا القول على نحو القطع بأنه دليل معتبر.

وبهذه التوضيحات التي عرضتها إجمالاً، يتضح ما طرأ على الأصول العملية من تغيرات منذ البداية وحتى يومنا هذا، كما أنها أصبحت أكثر تنقيحاً وتعدداً من حيث العدد.

ونحن نقول اليوم: البراءة العقلية، والبراءة الشرعية؛ والتخيير العقلي، والتخيير الشرعي؛ والاحتياط العقلي، والاحتياط الشرعي؛ وهذه هي شعب هذه الأصول وفروعها، وكلها تصب في مقام بيان الوظيفة العملية، وسنتناولها بالتفصيل إن شاء الله تعالى في مواضعها.

إن هذه الفوارق هي في واقع الأمر ثمرة تكامل علم الأصول. فقد كانت بعض الجوانب مغفولاً عنها في المرحلة الأولى، أو لم تكن موضع التفات، أو كانت تكتنفها الضبابية والإبهام. فمثلاً طرحهم للبراءة في عرض الكتاب والسنة، أو ذكرهم للاستصحاب إلى جانب الكتاب والسنة والإجماع كدليل عقلي، لم يكن المقصود به البراءة أو الاستصحاب بالمعنى الذي نبحثه نحن اليوم.

السؤال: …

الأستاذ: لا… بل كانوا يجرون هذا مجرى الرواية عينها… لا، لم يكن هذا مطروحاً بالمرة. انظروا، على سبيل المثال، إذا كانوا يعملون بالاستصحاب، فباعتبار أن الإمام المعصوم قال في رواية: «لا تنقض اليقين بالشك». وهذا المقدار في واقع الأمر كان يُطرح عند وقوع التعارضات بين الروايات نفسها، حيث كانوا يذكرون وجوهاً لترجيح بعضها على بعض، ولم يكن مبحث الطولية مطروحاً بهذا العنوان أصلاً. بل كانوا يقولون: في الموضع الذي لم يُبيَّن فيه حكم، نعمل بالبراءة، أو إذا كان لدينا يقين ثم شككنا، فلا ننقض ذلك اليقين بالشك، وكانوا يعملون بمقتضى ذلك بوصفه رواية صادرة عن المعصوم؛ لا، لمَ؟ راجعوا المصنفات، لم يكن هذا الاصطلاح -أعني “الاستصحاب”- متداولاً آنذاك. وإذا شككت مثلاً في ثبوت تكليف ما في حقي، كانوا يقولون بـ “البراءة الأصلية”، ويقولون: قبل الشريعة لم يكن هناك تكليف، والأحكام قد وصلتنا كلها، ولم يرد في هذا الشأن شيء، فيحكمون بالإباحة (علماً بأن الحكم بالإباحة إنما ظهر في المرحلة الثانية)، وكانوا يقولون: لا تكليف ثابتاً، ويطرحون براءة الذمة من التكليف ويرونها قطعية. ولم تكن الطولية مطروحة أبداً، بل كانوا يرون هذا في عرض الأدلة الأخرى، والمقصود من كونه في عرضها هو أنهم في بعض المواضع لم يكونوا ينقضون يقينهم بالشك لأنه كان أمراً صادراً عن الإمام المعصوم؛ فكانوا يقولون: إذا كان لدينا يقين في موضع ما, فلا ننقضه بالشك، وهذا دستور كبقية الدساتير التي أصدرها الأئمة ووردت في الروايات، ولم يكونوا يرون فرقاً بينها من هذه الجهة مطلقاً.

السؤال: …

الأستاذ: لا، لم يكونوا ملتفتين إلى هذا الأمر بالمرة، غاية ما في الأمر أنه اتضحت حدود هذه المسائل وتخومها وتم التفصيل بينها لاحقاً.