The news is by your side.

إحاطة ورعاية إمام العصر (عج) بمسيرة الإنسان

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي خلال درس خارج الفقه: إحاطة ورعاية إمام العصر (عج) بمسيرة الإنسان

تزامناً مع قرب حلول ذكرى النصف من شعبان المعظم؛ قراءة استدلالية وأخلاقية في آفاق البشارة والإنذار لحديث صاحب العصر والزمان (أرواحنا فداه).إن رعاية الإمام وحمايته لشؤونه تتجلى كوالد رؤوف، وفي المقابل فإن أفعال الإنسان الجوارحية والجوانحية تقع تحت علمه وإشرافه التام.

تيمناً وتبركاً، وحيث جرت عادتنا في محاضرات يوم الأربعاء على قراءة رواية شريفة وتبيينها، وتزامناً مع قرب حلول ذكرى النصف من شعبان المعظم؛ نتشرف باستعراض وتأمل رواية شريفة مأثورة عن إمام العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف)؛ حيث يروى عنه (ع) أنه قال في توقيعه الشريف:

«إِنَّا غَيْرُ مُهْمَلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ، وَاصْطَلَمَكُمُ الْأَعْدَاءُ».

ومعنى هذا المضمون الشريف أننا لا نقصر أبداً في حمايتكم ورعايتكم وصيانة شؤونكم، ولا نغفل عن ذكركم والدعاء لكم؛ فلولا هذا اللطف والرعاية المستمرة من قِبلنا، لأحاطت بكم الكوارث، ولنزلت بكم الأزمات والخطوب والشدائد، ولاستأصلكم الأعداء واجتثوا وجودكم بالكامل من الجذور.

البهجة والسرور ببركة السعة الوجودية للإنسان الكامل

إن هذا البيان النبوي الشريف بالغ الأثر والنفع، وهو جامع ومشتمل في آن واحد على بعدي “البشارة والإنذار”؛ فهو يبث من جهة روح الأمل والرجاء والبهجة في قلب الإنسان؛ لكونه يثبت أن الحجة الغائب (ع) لا يترك أتباعه، ومحبيه، وشيعته مهملين في مهب الريح؛ بل يؤكد صراحة: “إننا لا ننسى ذكركم”. ومن الأهمية بمكان أن يستشعر كل منا في وجدانه ونفسه بأنه مذكور في دعاء وذهن صاحب العصر والزمان (عج).

وتأملوا معي؛ لو أن أستاذاً فاضلاً قال لأحدكم: “إنني لا أنساك أبداً”، لكم يمتلئ قلب المرء بالسرور والبهجة لمجرد علمه بأنه يحتل زاوية في ذهن أستاذه؛ فكيف الأمر إذا كان مرجع التقليد، أو زعيم البلاد، أو قطب عالم الإمكان وولي الأمر الإلهي بتمامه هو الذي يقرر صراحة: “إننا لا ننسى ذكركم”؟ ولا ينبغي لنا التساؤل بضيق معرفي: كيف يتسنى لشخص واحد الإحاطة بذكر هذا الحجم الهائل من العباد والمحبين والجنود من دون غفلة أو سهو؟

لكون هذا التساؤل ينبع بالأساس من “الضيق الوجودي” لعقولنا وأنفسنا المادية القاصرة عن الجمع والتركيز في أمور شتى في آن واحد؛ بينما يتصف “الإنسان الكامل” بسعة وجودية وملكوتية هائلة تمكنه من الإحاطة والإشراف؛ لكونه يمثل مظهر القدرة الإلهية الشاملة. فهل يغفل الباري جل وعلا عن أحوال عباده وخلقه؟ وهل يخرج طائر يطير أو جناح ذبابة عن إحاطة القدرة والعلم الإلهي؟ وكذا شأن الإنسان الكامل؛ فبمقتضى سعته الوجودية وإشرافه التكويني، يحيط بكافة الممكنات لكونه أشرفها وأعلاها رتبة بين يدي الله.

الأثر الأخلاقي للإنذار النبوي ورعاية الأفعال الجوانحية والقلبية

وبناءً على هذا، فإن قوله (ع): “إننا لا ننساكم” هو حقيقة واقعية لا ريب فيها؛ وهي تبعث على عظيم الأمل والرجاء في نفوسنا. وقوله: «إِنَّا غَيْرُ مُهْمَلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ» يبرهن على رعيته وحمايته المستمرة لشؤوننا كوالد رؤوف وبارّ يحدب على رعاية أطفاله وصيانة وجودهم على الدوام. غير أننا نتوهم أحياناً بتبسيط وقصور أن رعاية الإمام ولطفه تقتضي بالضرورة تلبية كافة رغباتنا ومآربنا الدنيوية الشخصية المحدودة.

وفي المقابل، ينطوي هذا الحديث الشريف على “إنذار وتنبيه بليغ”؛ ومفاده أنهم يحيطون علماً بإقبالنا وإدبارنا، ويشاهدون خطايانا وزلاتنا بوضوح؛ فإذا ارتكبنا ذنباً -لا قدر الله- أو تسببنا في ضياع حق للغير، أو نطقنا بكلمة جائرة وبذيئة، فإن ذلك لا يغيب عن أعينهم الشريفة؛ وهو ما يؤكده الإمام المنتظر (ع) صراحة في توقيعه المبارك بالقول:

«فَإِنَّا يُحِيطُ عِلْمُنَا بِأَنْبَائِكُمْ، وَلَا يَعْزُبُ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِكُمْ»

فمعرفتنا محيطة بكافة أحوالكم، ولا يغيب عن علمنا وإشرافنا شيء من شؤونكم وأخباركم.

وإذا ما توهمنا واهمين بأن مجرد إظهار العشق، والمحبة، والتوسل اللساني بولي العصر (عج) كافٍ للنجاة، فنحن في خطأ جسيم ومكشوف؛ وإذا ظننا -لا سمح الله- أن زلاتنا، وأخطاءنا، ورذائلنا الأخلاقية تخفى على الإمام وأن تلك المحبة الظاهرية كافية لتأمين رضاه، فنحن واهمون تماماً. كلا، بل إن تفاصيل أعمالنا وسلوكياتنا تقع بأكملها تحت مرأى وعلم وإشراف إمامنا وسيدنا (ع).

وعليه، يتحتم علينا الجمع بين صفتي السرور واليقظة؛ والبهجة والمسؤولية الحذرة؛ البهجة برعايته المستمرة ولطفه، والحذر والمسؤولية تجاه أقوالنا، وأعمالنا، وممارساتنا اليومية؛ ولا يقتصر هذا الإشراف على الأفعال الجوارحية الظاهرية فحسب، بل يمتد ليشمل الأفعال الجوانحية والقلبية للبشر؛ فالأفكار، والنيات، وما تضمره السرائر، وما يعتمل في الصدور من رذائل أخلاقية -كالحسد، والأحقاد الباطنية، وسوء الظن، والتباغض، والنيات الخبيثة- تبرز واضحة وجلية بتمامها في صفحة وجودنا ويشاهدها الإمام الشريف بيسر وعلمية.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يمنّ علينا بالتوفيق لتقويم سلوكنا وتزكية نفوسنا لتكون أعمالنا وأقوالنا وسرائرنا موضع رضا وسرور لذلك الوجود المقدس والطلع الرشيد (عج).