دراسة في منهجية تفاعل الفقه الشيعي مع مخرجات الحداثة والتجدد
الفقه المعاصر وتحديات التنمية: دراسة في منهجية تفاعل الفقه الشيعي مع مخرجات الحداثة والتجدد
توطئة: تناولنا في الحوارات السابقة التأثيرات المتبادلة بين الحداثة (المدرنيتة) والحوزات العلمية من زوايا متعددة؛ وقرأنا لعدد من أصحاب الرأي تبييناً لتأثير الحداثة على المناهج والعلوم الحوزوية، وتأثيرها على نمط حياة الحوزويين، وتأثيرها على التدين العام للمواطنين.
وفي هذا الجزء، التقينا بمدير ومؤسس معهد أبحاث الفقه المعاصر وأستاذ خارج الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة، وأحد المجتهدين التجديديين الأفاضل -آية الله السيد مجتبى نورمفيدي- للوقوف على “التأثيرات المتبادلة بين الحداثة والفقه” لننقلها لقرائنا الكرام.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
مقاربات الفقه المعاصر حيال ظواهر الحداثة والتجدد
عصر إيران: منذ وفود الحداثة واستقرار معالمها في إيران، طرأت أحداث وتغيرات تركت آثارها الواضحة على الحوزات العلمية؛ سواء في نمط حياة الطلاب والروحانيين أم في أروقة فكرهم الحوزوي. ونود من سماحتكم الدخول إلى هذا البحث من زاوية: ما هي التأثيرات المتبادلة بين الحداثة والفقه؟ وما هو سهم وحدود كل منهما؟ تفضلوا ببيان وتنسيق هذه العناوين.
الأستاذ نورمفيدي: لكي يتسنى لنا دراسة التأثيرات المتبادلة بين ظاهرتين، يتحتم علينا أولاً تشخيص هويتهما، وتعريفهما بدقة، والأخذ بعين الاعتبار التعدد في قراءات وتصورات كلا المفهومين. وفيما يتعلق بعلم الفقه، بالرغم من إجماع الكافة الذين تصدوا لتعريفه على أنه: “العلم المتكفل ببيان الأحكام الشرعية المتعلقة بسلوك المكلفين في شتى الظروف”؛ غير أن هذا يمثل النواة والركيزة المشتركة الأولى للفقه؛ لكوننا نواجه اليوم اتجاهات ومشارب متباينة داخل الفقه وبين الفقهاء أنفسهم، وهو تمايز يلقي بظلاله مباشرة على بحثنا هذا ويحدد مساره وفقاً للاتجاه والمشرب الفقهي الذي سننطلق منه في التقييم.
الاتجاه الأول (الجمود والتحجر): تلتزم طائفة من الفقهاء بالرفض المطلق والنهي السائد لكل ما هو مستجد وحديث؛ وصحيح أن مساحة هذا اتجاه قد لا تكون واسعة جداً في الحوزات، إلا أنه يمثل مشرباً قائماً ولعلنا شهدنا بعض مصاديقه مؤخراً. وإذا أردنا إطلاق واصف على هذا الاتجاه، فيمكننا القول إنه “الجمود والتحجر الفكري”؛ وبمقتضى هذا المشرب، بما أن الفقه والشريعة والدين يمثل حقيقة خالدة، وثابتة، وغير متغيرة؛ فلا يمكنه مسايرة المتغيرات والتعايش مع المستجدات. ونحن نواجه هذا التحدي التصلبي لدى الشيعة وأهل السنة على حد سواء.
وحقيقةً، لو أردنا تقييماً وجيزاً لهذا الاتجاه، لتعين القول بأن مؤداه الختامي لا يعنيه سوى الانزلاق نحو الانعزال، والفرقة، والانقطاع التام عن المجتمع والدنيا، وهو ما يؤول بالنتيجة إلى إقصاء الدين وإلغائه بالكامل؛ لأن الحياة تصبح مستحيلة من جهة، والدين يواجه الهجر والنسيان من جهة أخرى. وبديهي أن هذا الاتجاه المتصلب والجامد لن يقوى يوماً على سوق المجتمع نحو التدين.
الاتجاه الثاني (الاتجاه الأدنى): ويسعى أصحابه لتثبيت ذلك الثابت الخالد في قوالب وظروف شتى؛ فالتبدلات والتحولات الحاصلة في الزمان والمكان والتي تمثل حاجة راهنة لحياة البشر، يجب صياغتها بما يتلاءم مع الثابت العقائدي والشرعي الذي يمثله الدين. وينقسم أصحاب هذا المنهج إلى مشارب متعددة؛ يرى بعضهم أن الدين يشتمل على ثوابت لا تتبدل مطلقاً، ولكنه لا يتدخل في القضايا المستجدة الناشئة عن رقي حياة البشر لكونها من “الشؤون العرفية” التي لا صلة للدين ببيان حكمها، فالشرع قد ترك البشر فيها أحراراً بغير قيود؛ ونصف هذا الاتجاه بـ “الفقه الأدنى (الحد الأدنى)”.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى انحصار الأحكام الشرعية في العبادات والتعبديات التي يجب صياغة حياة البشر وفقاً لضوابطها، أما بقية الحقول الحياتية فهي من الشؤون العرفية والمستجدة التي يسير البشر في تنظيمها بما يلائم ظروفهم. وبالرغم من وجود أنصار لهذا الفكر بين المثقفين وحتى داخل الحوزات، إلا أننا نراه طرحاً غير دقيق ومرفوض؛ لأنه -تماماً كالاتجاه الجامد الأول- يعجز عن سوق المجتمع للتدين وصيانة حياض الشريعة وحرمتها، فضلاً عن كونه يتنافى تماماً مع ثراء شمولية التعاليم الدينية. ويُضاف إلى ذلك تخوف حقيقي يكمن في إمكانية امتداد هذا التراجع المعرفي ليشمل العبادات ذاتها وتسييل حدودها، وهو ما انزلق إليه البعض للأسف.
الاتجاه الثالث (الانفعالي): ويرى أصحابه وجوب مسايرة الدين والشريعة للمستجدات والوقائع الحديثة؛ غير أن هذه المسايرة والتلاؤم يجب أن تصدر من جانب الدين عبر تغيير وتسييل أحكامه لتلائم تقلبات الزمان والمكان؛ وهو تعاطٍ انفعالي محض يؤول بالنتيجة إلى التضحية بالأصول والضوابط التأسيسية لصالح المتغيرات الخارجية، ويتطلب توضيح حدوده وقتاً طويلاً.
الاتجاه الرابع (الحيوي المتطور): ويذهب أصحابه إلى أن الدين والشريعة والفقه، بالرغم من اشتماله على ثوابت خالدة لا تتبدل إلى يوم القيامة، إلا أنه يملك طاقات وقدرات ذاتية فائقة تمكنه من مواجهة المسائل والموضوعات المستجدة وحسمها من دون التضحية بأصوله وثوابته؛ ومن هنا يكتسب تعريفنا للفقه والاجتهاد أهمية كبرى ومصيرية.
وأذكر تماماً ما أشار إليه الشهيد مرتضى مطهري (قدس سره) في كتاباته مبيناً أن للإنسان صنفين من المسؤوليات: صنف يتصف بكونه غير معلول بالنتائج الفورية (العبادات والعباديات قاطبة)، وصنف يتصف بكونه غائياً ونتيجة لـ (كالجهاد وصيانة حياض الأمة وعزتها وإعمار بلدانها)؛ فالغاية الختامية هنا (حفظ الإسلام وعزة المسلمين) تكتسب أهمية بالغة ورتبة كبرى، وتارة تتحقق هذه العزة عبر سلاح الحرب والقتال، وتارة يقتضي حفظ مصالح وعزة البلاد اعتماد مسار السلم والمصالحة.
وأود استلهام لفتة هامة من هذا المبحث؛ وهي أن المسلم يتعين عليه صياغة حياته واستثمار المستجدات والمخترعات بطريقة تضمن صيانة أصوله الفكرية وعقيدته وعزته، دون أن يشكل هذا الالتزام أي مانع أو عائق يحول دون انتفاعه بكافة منجزات التطور ورقي العلوم. فبمقتضى هذا المنظور، يمثل الإسلام شريعة جامعة وكاملة وصالحة لإدارة حياة البشر حتى يوم القيامة؛ ولا يمكن لهذا البرنامج الإلهي إهمال أي بعد من أبعاد الحياة، بل يحيط بتنظيم العلاقة ثلاثية الأبعاد: علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالطبيعة والبيئة المحيطة به.
وبناءً على هذا، فإن ادعاء خلو الشريعة من برنامج يحكم أحد أضلاع هذه العلاقة الثلاثية هو قول يرمي الدين بالنقص والإهمال. وصحيح أن الشريعة قد تبادر بإمضاء وإقرار ما رَجح بين الناس من عادات وشؤون (المواقف الإمضائية)، غير أن هذا الإمضاء يظل حكماً شرعياً يكتسب مشروعيته بعد إحراز عدم ممانعة الشارع ورفضه له.
ومن هنا، فإن نوع رؤية الفقيه للمسائل المستجدة -سواء أكانت رؤية تلتزم بالجمود والتحجر، أم رؤية تنطوي على التساهل الفقهي والإباحية المعرفية، أم رؤية تقتصر على الفقه الأدنى- يمثل المحك الحاسم في تسيير الشؤون، ويتطلب بحثاً وتأصيلاً جاداً.
كما يتطلب الولوج لهذا الحقل تأصيل بعض الافتراضات المسبقة؛ ومنها: هل يقر الدين بإقامة السلطة والحكومة أم يرفضها؟ لكون هذا الافتراض يلقي بظلاله مباشرة على بحوثنا؛ فإذا كنا نقر بمشروعية ووجوب إقامة الحكومة الإسلامية، فإن الكثير من معضلات عدم تلاؤم الشريعة مع تحديات العصر والتحولات المعاصرة يسهل علاجها من خلال تفعيل صلاحيات الحاكم الإسلامي وإدارته المستندة إلى المصلحة؛ والأمر ذاته ينسحب على دراسة البعد الاجتماعي للفقه.
أما الحداثة (المدرنيتة) أو التجدد، فمفهومها يتصف بالتعدد أيضاً ويفتقر للتعريف الأحادي؛ لكون تبيين التجدد يختلف باختلاف الساحات المعرفية؛ وهل ننظر للحداثة من خلال منشئها الاقتصادي المترتب على الثورة الصناعية، أم ننظر إليها بوصفها ظاهرة تشتمل على ساحات سياسية، واجتماعية، وثقافية متعددة؟ فالحديث اليوم عن الحداثة قد اتسع ليلج شؤون علم الاجتماع وعلم النفس، وتوسعت عناصرها ومقوماتها بمراتب كثيرة مقارنة ببدايات نشوئها.
ومن هنا تبرز الخطوة الأولى المتمثلة في وجوب صياغة تعريف دقيق وتأصيل علمي شامل لكلا الظاهرتين؛ فيُعرّف الفقه وموقف الفقهاء من المسائل المستجدة بوضوح، تزامناً مع دراسة الحداثة وعناصرها ومقوماتها الأساسية في الساحات المختلفة وتجنب القراءات البسيطة لهذا الصراع المعقد.
تاريخ مواجهة الفقه الشيعي للتطور والتنمية
عصر إيران: هل تُمثّل مواجهة الفقه للمسائل المستحدثة والموضوعات الجديدة ظاهرةً طارئة، أم أنها تملك سوابق في تاريخ الفقه؟
الأستاذ نورمفيدي: لم تكن مواجهة الفقه للمسائل المستجدة وتطلعات التنمية والتطور يوماً ظاهرة طارئة أو حديثة العهد بالفقه؛ فالحداثة أو التطور يرتكز في أساسه على مفهوم التنمية؛ وصحيح أن التنمية كانت تنحصر قديماً في شؤون الاقتصاد والإنتاج، بينما توسعت اليوم لتشمل السياسة والاجتماع والثقافة؛ إلا أن أصل التنمية وفود الظواهر والمخترعات المستجدة كان حاضراً طوال التاريخ الإنساني، وإن تباينت صوره وآلياته. فإذا تصفحنا تاريخ المسلمين وعصر الرسالة والأئمة الأطهار (عليهم السلام) وعهدي الغيبتين الصغرى والكبرى واستقرار الفقهاء في مسند الإفتاء وتبيين الأحكام، لوجدنا مواجهة مستمرة مع ظواهر لم تكن مألوفة سابقاً.
لقد تطور الفقه واكتسب رشده وعمقه من خلال هذه المواجهة والتفاعل المستمر مع التحديات والمستجدات؛ فالتحول والتطور البشري، والمخترعات التي تلج حياة الناس، والاحتياجات المعاصرة، كانت تنتج باستمرار تساؤلات ومسائل جديدة تفرض وقوع هذه المواجهة والوقوف عليها فقهياً.
ومن هنا نرى في كافة العصور والظروف الحوزوية المتعاقبة تزايداً في دخول المسائل الحديثة لأروقة البحث الفقهي؛ فالظاهرة قديمة، كما أن المواقف والمشارب الأربعة التي أسلفت ذكرها كانت حاضرة تاريخياً في مواجهة الجديد؛ فكان هناك من يرفض كل جديد خشية الفتنة والبدعة صيانةً للشريعة، وكان هناك من يعجز عن التقييم العلمي والموضوعي للموضوعات فيسارع للنفي والإنكار، وفي المقابل حفل تاريخنا الفقهي بفقهاء مبرزين واجهوا هذه المستجدات برحابة صدر وسعة أفق علمية بالغة وقدموا لها إجابات فقهية رصينة ومتقنة؛ غير أن عصرنا الراهن ينطوي على تعقيدات تقنية وموضوعية تباين تبايناً كبيراً تعقيدات الماضي البسيطة.
ملامح الدولة الحديثة والعقلانية الأدواتية الحداثية
عصر إيران: تفضلوا بالإشارة إلى بعض نماذج هذا التمايز بين تعقيدات الماضي وتعقيدات الحاضر.
الأستاذ نورمفيدي: فعلى سبيل المثال، إذا كانت للقبيلة أو للحاكم أو للدولة معالم وبساطة تقليدية في الماضي، فإن مفهوم “الدولة” اليوم قد اكتسى بالصبغة الحديثة؛ وباتت الدولة الحديثة تباين في جوهرها وماهيتها ومسؤولياتها الدولة التقليدية بمراتب كثيرة، وتتحمل الدولة الحديثة مسؤوليات لم تكن مطروحة قديماً في أروقة الحكم والسياسة.
وبناءً على هذا، فإن الحداثة تمثل ظاهرة معقدة وحديثة النشأة؛ وتبيين موقف الشريعة منها يتطلب يقيناً دراسات وبحوثاً كلامية وفلسفية رصينة؛ فمقومات الحداثة ترتكز على عناصر متعددة: كعقلنة الشؤون وسيادة العقل، تفريد الأبعاد الإنسانية وتقوية الفردانية، وحرية التعبير بطرق مفرطة أحياناً بغير ضوابط، وتوفير الرفاه والراحة المادية المطلقة مع إهمال الاحتياجات الروحية والمعنوية للإنسان.
إن هذه العناصر ترسم ركائز الحداثة؛ ومناقشتها وعلاجها يتطلب عملاً علمياً في ساحة العقائد وعلم الكلام والفلسفة؛ فهل نقر بمحورية وسلطان هذه العقلانية المفرطة؟ والواقع أن العقلانية التي ترتكز عليها الحداثة هي “العقلانية الأدواتية” والذرائعية التي تقتصر على حساب الربح والخسارة المادية المحضة؛ فهل يقر مبدؤنا المعرفي هذه العقلانية الضيقة؟ وهل يسوغ الفقه تحول حياة البشر وجهودهم بالكامل لتأمين الرفاه والترفيه واللذات المادية مع إقصاء ذكر الله والعبودية والبركات الروحية من ساحة التفاعل الاجتماعي والأسري؟
إن هذه التحديات تقتضي أبحاثاً كلامية وفلسفية جادة؛ والسر وراء إشارتي لها يكمن في أن طائفة من دعاة النفي يسارعون لرفض الحداثة ومخرجاتها بالكامل لابتناء ركائزها وفلسفتها على مبانٍ مادية منقوضة ومرفوضة لدينا، فيقودهم هذا الرفض العقدي لمقاطعة كافة منتجات الحضارة المعاصرة وعزل أنفسهم عنها، وهو مسلك خاطئ تماماً وعاجز عن تسيير الشؤون؛ إذ يتعين علينا نقد المباني الكلامية والفلسفية للحداثة في ساحتها التخصصية، ومناقشة نظرياتها المعرفية بعمق، وتأصيل الموقف الفقهي الملتزم حيال الواقع والظواهر التي يعيشها إنسان العصر الراهن بمرونة وعلمية وبلا انقطاع عن العالم.
فعلى سبيل المثال، تقر القوانين المعاصرة اليوم بحقوق لشتى الشرائح والطبقات الاجتماعية؛ فهل تلتزم الدولة أو الحكومة الإسلامية -بمعزل عن البعد العقائدي والإيديولوجي- بتأمين ورعاية هذه الحقوق وتلبيتها للمواطنين؟ ويذهب البعض هنا لإنكار أصل ثبوت هذه الحقوق تخلصاً من وجوب تلبيتها. وهل يمكن الجمع بين النظام والنموذج الإيديولوجي للدولة وبين واجباتها ومسؤولياتها المعاصرة حيال المجتمع الدولي والحدود الدولية ومفاهيم الأمن والمصالح الوطنية؟
إن الحكومة الإسلامية تملك يقيناً أهدافاً وغايات كبرى لا تخرج عن غاية الخلق وتأمين سعادة الإنسان الأبدية؛ وعليه فلا يمكن للحاكم الإسلامي إهمال هذه الغايات وصرف النظر عنها؛ وصحيح أن صياغة المناهج وتسيير الشؤون لتأمين هذه الغاية يتطلب بحثاً ودراسة علمية، غير أن الأهداف المتوسطة للحكومة كإقامة العدل والإنصاف، والعدالة الاجتماعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة تظل واجباً ومسؤولية حتمية للحكومة الإسلامية؛ وهو ما تنطق به صراحة الآية الشريفة: «الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ»؛ وما يقرره القرآن في غاية الرسالة الإلهية للأنبياء: «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».
وهذه الأهداف والرسائل الإلهية تفرض صبغة إيديولوجية شرعية على الحكومة لا يمكن للحاكم الإسلامي التجرد منها لإرضاء مفاهيم الحداثة وعلمنة السياسة، وتفصيل آليات الجمع بين هذا الالتزام العقائدي وبين المسؤوليات المعاصرة للدولة تقتضي عملاً علمياً رصيناً وبحثاً تخصصياً مستفيضاً.
تفعيل دور عنصري الزمان والمكان في مدرسة الإمام الخميني
عصر إيران: بالعودة لجوهر بحثنا حول العلاقة والنسبة بين الفقه والحداثة، ما هي الأدوات والآليات الفقهية المطلوبة لمواجهة هذه الظاهرة؟
الأستاذ نورمفيدي: ثمة محاور كبرى تجب مناقشتها وتأصيلها في علم الكلام والاجتهاد؛ وبصفة عامة نواجه اليوم سيلاً عارماً من الظواهر التي دخلت حياة الناس وتفرض تبیین حكم الشريعة وموقفها التكليفي حيالها؛ ونحن نرى أن مسار الفقه والاجتهاد لا يرتضي الرفض المطلق للحداثة ولا التسليم الأعمى لها؛ بل نلتزم يقيناً بامتلاك الفقه لقواعد وأدوات غنية وقابلة للاستثمار لتعاطٍ حكيم وإيجابي مع مخرجات الحداثة، فما أنتجته الحضارة المعاصرة ليس مرفوضاً بالكامل ولا مقبولاً بالكامل. وكما نبه الإمام الخميني بدقة بالغة؛ فإن “الاجتهاد المصطلح والمتعارف عليه في الحوزات لا يفي بمفرده بعلاج هذه المسائل وحسم التحديات المعاصرة”.
لقد كرر الإمام الخميني هذا التنبيه في مواقف ومناسبات شتى؛ مؤكداً وجوب التمسك بالفقه الجواهري التقليدي وطرقه الاستدلالية المعهودة لتربية الطلاب وتأهيلهم وصيانة رصانتهم العلمية، ومع ذلك صرح بأن “الاجتهاد المصطلح لا يكفي بمفرده”؛ ومغزى كلامه يكمن في أن المجتهد الحوزوي بالرغم من تضلعه وتفوقه في الفروع والعلوم المعهودة بالحوزة، يظل قاصراً وعاجزاً عن صياغة إجابة شرعية وافية وصائبة ما لم يملك وعياً سياسياً واجتماعياً عميقاً وإدراكاً حقيقياً لمعادلات وديناميكيات العالم المعاصر وتحدياته.
إن عدم كفاية الاجتهاد المصطلح تفرض تفعيل وإدخال عنصري “الزمان” و”المكان” في عملية الاستنباط الفقهي؛ وصياغة مواجهة إيجابية وفاعلة وحكيمة مع كافة مخرجات الحداثة وتحديات التنمية.
فعلى سبيل المثال، تبلور في الحوزة العلمية في الآونة الأخيرة حقل معرفي معاصر تحت مسمى “الفقه المعاصر”؛ ونحن في معهد أبحاث الفقه المعاصر نهدف لإعداد الطلاب والباحثين وتحديث أدوات الفقه لتمكينهم من مواجهة التحديات والموضوعات المستجدة بأسلوب علمي رصين؛ والفقه المعاصر من منظورنا يعني “الفقه الحيوي المتطور والمواكب للعصر”، وليس مجرد فقه مرتبط بحقبة تاريخية معينة.
ويرتكز الفقه الحيوي والمواكب للعصر على عنصري الزمان والمكان؛ مما يستلزم إدخال العلوم الإنسانية المعاصرة والخبرات البشرية لأروقة الدرس الحوزوي ومباحثه الفقهية؛ وهو التوجيه التجديدي البليغ الذي خطه الإمام الخميني بوجوب إلمام المجتهد بالعلوم الإنسانية والمعادلات المعقدة التي تحكم حياة البشر في عصرنا الراهن لكي يقوى على صياغة اجتهاد فقهي متين وصائب.
واليوم، تذخر مجتمعاتنا بالعديد من العلوم المنهجية والعلوم التجريبية والتخصصية القيمة التي يمكننا توظيفها واستثمار مناهجها في فقهنا المعاصر. ولتوضيح هذا التقدم العملي، بادر معهد أبحاث الفقه المعاصر باستخراج وتصنيف ثمانية وعشرين باباً فقهياً تحت مسمى “الفقه المضاف والمعاصر”؛ ولو تصفحتم موضوعات هذه الأبواب لوجدتم من بينها: فقه الأمن (وصحيح أن الأمن قضية قديمة، إلا أن مقومات الأمن في العصر الرقمي والمعاصر قد تباينت بالكامل وتطورت تكنولوجياً مما يستلزم إلماماً تخصصياً بمقومات الأمن المعاصرة لصياغة فقه الأمن بأسلوب علمي)، وفقه التكنولوجيا، وفقه الإدارة (حيث تباينت مناهج الإدارة الحديثة تبياناً كبيراً عن الإدارة التقليدية)، وفقه البيئة، وفقه الاقتصاد، وفقه حقوق وواجبات المواطنة (والذي استخرجنا شبكة مسائله في المعهد لتشتمل على ما يقرب من 400 إلى 500 مسألة فقهية مستحدثة لم تكن مطروحة في الماضي بالرغم من سوابق بعض الحقوق العامة في تراثنا الفقهي). ونحن بأمس الحاجة لإجراء بحوث علمية وتطبيق المناهج الحديثة لصياغة هذه الأبواب وحسم مسائلها المعاصرة.
وبناءً على هذه المقاربة، وبما أننا نلتزم بتعريف متطور للفقه ونرى فيه طاقات وقدرات ذاتية عالية جداً لعلاج هذه المسائل وصيانة كرامة الأمة واستقلالها، تزامناً مع صيانة ثوابتنا ومقدساتنا ونبذ الانحراف والابتذال؛ يمكننا القول إن الفقه لا ينتهج مسار الرفض المطلق للحداثة ولا القبول المطلق لها؛ بل يسعى لتوظيف منجزاتها التقنية والعلمية لخدمة الأمة وبناء صروح الفقه الحيوي المتطور.
تجليات التأثير الحداثي في مناهج الحوزة العلمية
عصر إيران: هل تتفضلون بالإشارة إلى بعض النماذج لتجليات هذا التأثير الحداثي في مناهج الحوزة؟
الأستاذ نورمفيدي: نعم، إن مناهج البحث العلمي وقواعد التدوين والتحقيق المعاصرة تمثل نموذجاً حياً يسود اليوم أروقة المباحث والدرس الحوزوي؛ وصحيح أن مناهج البحث العلمي تختلف باختلاف العلوم وموضوعاتها، إلا أن صياغتها وفقاً للمقاييس الأكاديمية والمنهجية الحديثة قد دخلت صلب النشاطات الحوزوية؛ ويُضاف إلى ذلك الأدوات والتقنيات التقنية المعاصرة.
واليوم نرى بدايات دخول “الذكاء الاصطناعي” في حقل العلوم الإسلامية والتحقيق الفقهي؛ وبغض النظر عن حدوده الشرعية ومستوى الاعتماد عليه فقهياً (وهو مبحث تخصصي آخر)، إلا أن توظيف هذه التقنيات يمثل وجهاً من وجوه التعاطي الإيجابي مع مخرجات العصر. وهناك بحوث ودراسات مشتركة وبينية بدأت تنشط بوضوح في الحوزة العلمية لتفصيل المعارف والعلوم وربط مسائل الفقه والعلوم الإنسانية المعاصرة ودراستها دراسة تكاملية، وهي خطوات علمية رصينة لتحديث الحوزة.
معوقات تفعيل الفقه وعلاج آفة “السطحية والتبسيط”
عصر إيران: لقد أشرتم إلى لفتة هامة؛ فالحياة المعاصرة تفرض متطلبات خاصة، وبالمقابل يملك الفقه طاقة وقدرة على التطور ومواكبة العصر؛ فما هي التحديات الحقيقية التي تعيق تفعيل هذه القدرة الفقهية؟ ولماذا يتهم البعض الفقه بالقصور عن تلبية متطلبات العصر والتأخر عن ركب الحداثة والتنمية؟
الأستاذ نورمفيدي: يعود جزء من هذا القصور والتأخر المنسوب للفقه إلى “شحة القصور العلمي والتقصير والكم کاری” لدينا؛ فإذا تصفحنا تاريخ علمائنا الأفاضل وسيرتهم العطرة، لوجدناهم مواكبين لعصورهم وربما متقدمين عليها، لا في علم الفقه والاجتهاد فحسب بل في التفسير، والفلسفة، وعلم الكلام وعموم المعارف المعاصرة لعصورهم. وكما نبه الإمام الخميني؛ يتعين على الفقه والفقيه صياغة استشراف علمي للمستقبل وتوقع المسائل والأزمات قبل وقوعها لرسم الحلول الفقهية لها؛ وصحيح أن بعض فترات تاريخنا الحوزوي حفل بنماذج من الفطاحل والعلماء الذين تقدموا عصورهم بمراتب كالمرحوم الشيخ الطوسي (قدس سره الشريف)، إلا أن فترات أخرى واجهت ركوداً وشحة في البحوث والنشاط العلمي.
والشق الآخر يعود إلى “الجهل وعدم المعرفة والاطلاع الحقيقي بظواهر ومستجدات العصر”؛ فعدم الاطلاع والافتقار للتشخيص الموضوعي الصائب للتحولات المعاصرة يمنع الفقيه من تقييم الظاهرة وتحديد حكمها الفقهي بدقة، فيسارع لإصدار فتاوى جافة مبنية على النفي والإنكار والإغلاق هرباً من تعقيدات الملف البيئي أو التقني المعقد.
ويتحتم علينا صيانة وعينا وعقولنا لتشخيص التحولات والظواهر كما هي بواقعية وعلمية بعيداً عن الصخب والهياج الإعلامي الذي يرافق وفود تلك الظواهر ويهول من أخطارها ومفاسدها؛ (وهي الحساسية التي رافقت وفود تقنية الراديو ومكبر الصوت قديماً في بيئتنا الحوزوية والاجتماعية بسبب الهياج والصعب الذي رافقها وحال دون تقييم فاعليتها الإيجابية المصلحة لتبليغ الدين). فمسؤوليتنا تقتضي دراسة الظواهر بدقة وموضوعية ووعي تخصصي عميق لتشخيص جوهرها ومخرجاتها بعيداً عن الجلبة والفرقة.
والشق الثالث يعود إلى آفة “السطحية والتبسيط” التي نبه إليها الإمام الخميني وحذر منها المفكر الشهيد مطهري مراراً واصفين إياها بكونها واحدة من أعظم الآفات المعرفية التي واجهت الفكر الديني والحوزوي طوال التاريخ. ويتعين علينا تجاوز القشور والغوص في عمق القضايا والمسائل الاجتماعية، وتأصيل منزلة الشريعة الغراء بوصفها رسالة إلهية تضمن سعادة العباد في حاضرهم الدنيوي ومآلهم الأخروي على حد سواء؛ وصياغة السعادة الدنيوية تفرض علينا يقيناً تعزيز تفعيل الفقه وعلمائه لعلاج معدل العصر وتحديث أدوات الاستنباط وقراءته.
آفاق المنجزات الحوزوية المعاصرة وصياغة “شبكة المسائل”
عصر إيران: أين تبرز مواضع القصور والتأخر الفقهي لدينا؟ تفضلوا بالإشارة إلى بعض النماذج التي واجهت التقصير الفقهي حيال معالجة تحدياتها.
الأستاذ نورمفيدي: إن تفصيل مواضع القصور والتأخر يتطلب وقتاً طويلاً ومستفيضاً نرجئه لمناسبة أخرى؛ غير أنني أؤكد صراحة أن الحوزة العلمية بعد انتصار الثورة الإسلامية قد بذلت جهوداً جبارة وحققت خطوات ممتازة جداً في حقل الفقه والدراسات المعاصرة؛ والادعاء بخلو الحوزة من المنجزات والنشاط العلمي المعاصر هو جفاء وظلم صارخ بحق تاريخ وجهود الحوزة وعلمائها.
ويكفي المرء تصفح مخرجات ومصنفات المراكز البحثية والأقسام التخصصية والجهود العلمية المستقلة للفضلاء في هذه الأبواب والمسائل المستحدثة للوقوف على جلالة وعمق هذه البحوث؛ وصحيح أننا لا ندعي بلوغ الكمال والاكتفاء التام بهذه المخرجات، بل نرى ضرورة مضاعفة الطاقات وشحذ الهمم؛ ولكن لا يسوغ جفاء تلك المنجزات وإنكارها بدعوى القصور، وغالبية النافين لهذه المنجزات يفتقرون للاطلاع والمعرفة الحقيقية بالنشاط العلمي والجهود البحثية الحية في الحوزة العلمية اليوم. ومع ذلك، لا نزال نواجه ثغرات ومواضع تأخر في حقول الفقه والكلام والفلسفة والعلوم الإنسانية تقتضي علاجاً بنيوياً وتأصيلاً حاسماً للمسائل؛ ومنها على سبيل المثال: “فقه حقوق وواجبات المواطنة” الذي أشرت إليه سابقاً.
فنحن في معهد أبحاث الفقه المعاصر نقوم منذ ثلاث سنوات بجهود جبارة وصياغة متكاملة لدراسة وبحث هذا الملف الفقهي الشاسع المشتمل على ما يقرب من 500 مسألة فقهية مستحدثة، ورغم ذلك لا نزال في مطلع الطريق ولم ننجز سوى مباحث محدودة منه نظراً لتشعبه وتعقيد موضوعاته. وإن الخطوة التأسيسية الأهم التي بادر إليها المعهد تكمن في “صياغة وتدوين شبكة تنظيمية متكاملة لنظام المسائل” للأبواب الفقهية الثمانية والعشرين؛ وهي خطوة بالغة الريادة تتيح للباحث والمفسر تشخيص حجم المسائل المطروحة ومستوى ما أُنجز من بحوث حولها وما واجه الإهمال والغفلة لتركيز الجهود العلمية صوبه.
وفي جميع هذه الأبواب التخصصية -كفقه الفن، وفقه الإعلام، وفقه الأخلاق- تحققت خطوات علمية ممتازة، ورغم ذلك تظل المساحات البكر والمسائل غير المبحوثة شاسعة جداً؛ فالطريق طويل والوقت شحيح ومحدود.
وأود اختتام حديثي بتوجيه التماس ورجاء مخلص لكافة النخب والباحثين والمؤسسات التخصصية الحریصة والغيورة على رفعة شأن الفقه والحوزة العلمية وتحديث أدواتها؛ بأن نوحد جهودنا وطاقاتنا ونتكاتف يداً واحدة بقلوب صميمية يملؤها الود والإخلاص لتجاوز مواضع القصور، ورفع وتيرة هذا الحراك التكاملي والنشاط البحثي؛ لكون تشتت الطاقات وهدرها في السجالات الهامشية والمنافسات غير السليمة سيبدد الوقت الشحيح المتاح لنا؛ فلنعمل معاً ويسهم كل منا بقدر استطاعته ومسؤوليته الحوزوية في حمل هذا الحمل الثقيل والارتقاء بالفقه الإسلامي الشامخ لعلاج قضايا إنسان العصر الراهن ورفعة شأن الأمة.