الدرس التاسع والأربعون، المسألة 9، أدلة استحباب استئذان الأخ
الدرس التاسع والأربعون
المسألة 9 – أدلة استحباب استئذان الأخ – دراسة الدليل الأول – أدلة استحباب استئذان الأخ الأكبر في صورة التعدد – الدليل الأول ودراسته – الدليل الثاني ودراسته
6 صفر 1407 هـ
المسألة 9
كان بحثنا في الجلسة الماضية يدور في فلك الادعاء الثاني المطروح في المسألة التاسعة؛ ومفاد هذا الادعاء أنه يستحب للمرأة الثيب -وكذا البكر الرشيدة بناءً على بعض المباني- أن تستأذن أخاها في النكاح في حال فقد الأب والجد. وذكرنا أنه قد أُقيمت عدة أدلة لتثبيت هذا المدعى؛ والدليل الأول هو الروايات الواردة في ذيل الآية الشريفة: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) [البقرة: 237]؛ حيث تصدت هذه الروايات لتفسير هذا العنوان، وجعلت الأخ من جملة من بيده عقدة النكاح، حيث ذُکر إلى جانب الأب والجد؛ بيد أنه لما كنا على يقين بأن النوبة لا تصل إلى الأخ مع وجود الأب والجد، ولما كان لزوم الاستئذان منه غير ثابت أصلاً، تعين حمل هذه الروايات على الاستحباب. وهذا هو تقريب الاستدلال بتلك الروايات.
دراسة الدليل الأول
وقد سُجّل على هذا الدليل إشكال ربما يجعله محلاً للنظر والخدشة الصناعية.
إشكال
ومفاد الإشكال أن وجه التصريح بالأخ وذكره في هذه الروايات يحتمل وجهين؛ ولما كان الاستدلال غير مستقيم بناءً على أحد الاحتمالين، فلعله يُقال بإجمال الرواية من هذه الجهة.
الاحتمال الأول
أن يكون ذكر الأخ إلى جانب الأب والجد من باب تنزيل الأخ منزلة الأب؛ نظراً لورود هذا التعبير في بعض الروايات بخصوص الأخ الأكبر: «الأخ الأكبر بمنزلة الأب»؛ وحتى لو فرضنا عدم تعدد الإخوة وانحصار الأمر في أخ واحد، فإن هذا التنزيل يظل ثابتاً. فالأخ بحسب الروايات نازل منزلة الأب، وحيث إن استئذان الأب أو الجد واستحصال موافقتهما أمر مستحب، فكذلك يكون استئذان الأخ واستحصال موافقته مستحباً بالتبع. أو بصياغة أخرى كالتي أسسناها سابقاً: لما كان الأب أو الجد يتعين استئذانهما بموجب بعض الروايات، ثم رفعنا اليد عن اللزوم وحملناه على الاستحباب لوجود الروايات المعارضة، فقهراً يجري الحكم عينه في الأخ النازل منزلة الأب، فنحكم باستحباب استئذانه. وبناءً على هذا الاحتمال، يستقيم الاستدلال بالروايات لإثبات استحباب استئذان الأخ.
الاحتمال الثاني
وثمة احتمال آخر في المقام؛ وهو أن يكون ذكر الأخ ناشئاً من جهة أنه مأذون ومفوَّض إليه هذه الأمور من قِبل أخته بحسب المتعارف والعرف الدارج، وإن لم يقع بينهما توكيل حقيقي ورسمي بالمعنى الأصولي. ولأجل ذلك، عُدَّ إلى جانب الأب كأحد أولياء العقد. وعليه، فلا يكون الأمر من باب تنزيل الأخ منزلة الأب، وإنما هو إشارة إلى أمر عرفي تعارَف عليه الناس، من كون الأخ يملك نحواً من الاختيار والإذن في شؤون أخته، فكأن ثمة توكيلاً عرفياً غير رسمي في البين، وهو العلة في إدراج الأخ في زمرة أولياء العقد. ولو صرنا إلى هذا الاحتمال، فلا يمكن استكشاف استحباب الاستئذان شرعاً؛ إذ استحباب الاستئذان إنما يثبت إذا كان الأخ بمنزلة الأب أو الجد تعبداً. أما إذا قلنا إن الرواية ناظرة إلى تفويض عرفي، فلا صلاحية لها للاستدلال. وحيث إن كلا الاحتمالين قائم في المقام دون مرجّح لأحدهما، تصبح الرواية مجملةً من هذه الحيثية.
الجواب
بيد أن الظاهر عدم ورود هذا الإشكال؛ لكون المستفاد من ظاهر الروايات الواردة في ذيل الآية الشريفة: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) [البقرة: 237] هو مسألة التنزيل؛ ويشهد لذلك ويؤيده الروايات الأخرى الواردة في هذا الباب والدالة على تنزيل الأخ منزلة الأب أو الجد. وعليه، فلا يبعد جواز الاستدلال بهذه الروايات.
الدليل الثاني
والدليل الثاني هو عينه ما أسسناه في الادعاء الأول؛ وبيانه أن احترام الأب والأم والأخ مستحب شرعاً على وجه الإطلاق، ويُعدّ استئذان الأخ عند فقد الأب والجد من أظهر مصاديق الاحترام والتبجيل، لا سيما في أمر خطير كالزواج. ولذا يمكننا تشكيل قياس من صغرى وكبرى لإنتاج الاستحباب؛ فالصغرى: استئذان الأخ يُعدّ احتراماً له؛ والكبرى: احترام الأخ مستحب؛ فالنتيجة: استئذان الأخ مستحب. ويسوغ لنا الاستناد إلى هذا الدليل لا بعنوانه الخاص، بل بالعنوان العام وهو استحباب احترام الأخ. ومن الواضح أن الاستحباب هنا لا يثبت بخصوص الأخ، بل يثبت في حق الأم أيضاً، ولعله يستوعب العم والخال كذلك. مضافاً إلى أنه لا يختص بالبنت، بل قد يتوجه هذا الواجب الأخلاقي إلى الابن (الرجل) أيضاً تجاه أخيه الأكبر فيستحب له احترامه واستئذانه.
أدلة استحباب استئذان الأخ الأكبر في صورة التعدد
والادعاء الثالث المسطور في متن المسألة التاسعة هو قوله: «و إن تعدد الأخ قدمت الأكبر»؛ أي إذا تعدد الإخوة، تعين على البنت تقديم الأخ الأكبر واستئذانه؛ ومفاده استحباب استئذان الأخ الأكبر. ولهذا الادعاء أدلة أيضاً.
الدليل الأول
ومن جملة الأدلة التي يمكن إقامتها لتثبيت هذا المدعى هي الروايات؛ ومنها:
الرواية الأولى
-
مرسله حسن بن علي: «عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: الْأَخُ الْأَكْبَرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ». فالإمام الرضا (ع) يقرر أن الأخ الأكبر بمنزلة الأب. وإذا كان الأخ الأكبر بمنزلة الأب، فقهراً يكون ذكر الأخ في جملة من بيده عقدة النکاح متجهاً نحو إثبات صلاحية الأخ الأكبر وقيامه مقام الأب؛ وإن كنا لا نقول بلزوم أخذ رأيه واستئذانه لوجود الروايات المعارضة؛ ولكن على كل حال، متى ما أثبتنا استحباب استئذان الأب، ثبت استحباب استئذان الأخ الأكبر بعين التنزيل المذكور في قوله: «الأخ الأكبر بمنزلة الأب». فهذا التنزيل يدل على ثبوت الاستحباب في حق الأخ كالأب تماماً.
السؤال: …
الأستاذ: عنوان (الذي بيدهم عقدة النكاح) موجود في البين؛ وفي واقع الأمر فإن هذا الاستدلال مركب، ومع قيام هذه الرواية -بشرط صحة سندها عاقبة المطاف- لا يبقى مجال للاحتمال الثاني الذي أوردناه في ذيل الروايات المفسِّرة لقوله تعالى: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) [البقرة: 237]؛ إذ الآية قد سمّت أشخاصاً بيدهم أمر النكاح وذكرت الأخ من بينهم، وقلنا هناك إن أحد الاحتمالين هو تنزيله منزلة الأب. وأما هنا وبموجب هذه الرواية، فقد صُرِّح بتنزيل الأخ الأكبر منزلة الأب بالخصوص؛ فقهراً يندرج في زمرة من بيده عقدة النكاح، وحينئذٍ يثبت استحباب استئذان الأخ الأكبر بذات التقريب الصناعي الذي أثبتنا به الاستحباب للأخ مطلقاً.
إشكال
والإشكال المتوجه إلى هذه الرواية هو ضعفها السندي الناشئ من الإرسال، فهي رواية مرسلة.
الرواية الثانية
-
وهناك رواية أخرى نُقلت في هذا الباب استند إليها المحقق الحكيم (قُدّس سرّه) قائلاً بأن مقتضاها هو استحباب استئذان الأخ الأكبر وموافقة رأيه، بشرط أن نُفسّر عبارةً مسطورةً فيها بنحو خاص؛ والرواية هي: «عَنْ وَلِيدٍ بَيَّاعِ الْأَسْفَاطِ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ أَنَا عِنْدَهُ عَنْ جَارِيَةٍ كَانَ لَهَا أَخَوَانِ زَوَّجَهَا الْأَكْبَرُ بِالْكُوفَةِ وَ زَوَّجَهَا الْأَصْغَرُ بِأَرْضٍ أُخْرَى»؛ حيث ينقل الوليد أنه كان عند الإمام الصادق (ع) وسُئل الإمام عن بنت لها أخوان؛ فزوجها الأخ الأكبر في الكوفة، وزوجها الأخ الأصغر في أرض أخرى. وبيانه أن الزوج الذي زوجها إياه الأخ الأكبر كان من أهل الكوفة، والزوج الآخر من أرض أخرى. «قَالَ (ع) الْأَوَّلُ بِهَا أَوْلَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَ نِكَاحُهُ جَائِزٌ». فلو فُسِّرت كلمة «الأول» الواردة في العبارة -كما ذهب إليه المحقق الحكيم- بأن المنظور منها هو الأخ الأكبر، لكان معناه أنه أولى بالجارية؛ أي إن الأولوية تكون لعقد الأخ الأكبر؛ إلا أن يكون الزوج الثاني قد دخل بها، فحينئذٍ ينفذ النكاح الثاني وتكون المرأة زوجته. وظاهر الرواية بناءً على هذا الوجه أن الأخوين قد زوّجا البنت فضولاً؛ لكون الأخ لا يملك الولاية قطعاً ويختلف حاله عن الأب؛ إذ لو زوّج الأب لم يكن العقد فضولياً لثبوت ولايته. وحيث إن الأخ لا ولاية له، فإن تزويجه أخته يكون فضولياً يتوقف على إجازة البنت وإمضائها؛ فالخيار لها وتملك إجازة أيهما شاءت. ولكن بناءً على هذا الاحتمال، أفاد الإمام (ع) بأن الأولى هو إمضاء نكاح الرجل الأول (عقد الأخ الأكبر)، إلا أن يمتنع الإمضاء بالكلية؛ والاستثناء بناءً على هذا الاحتمال يعني أن تكون المرأة قد ضاجعت الرجل الذي زوجها إياه الأخ الأصغر ودخل بها قبل أن تصدر منها إجازة لفظية؛ فيكون الدخول بمثابة إمضاء عملي منها للعقد الثاني وهو سائغ لها؛ وحينما تقبل بالمضاجعة ينفذ العقد الثاني ويستقر، ولا يبقى مورد لإمضاء عقد الأخ الأكبر. نعم، لو لم يقع الدخول بعد، فالأولوية للأخ الأكبر. فلو صرنا إلى تفسير الرواية بهذا النحو الذي ارتضاه المحقق الحكيم (بأن يكون المراد من الأول هو عقد الأخ الأكبر)، لصح الاستدلال بها في المقام.
إشكال
بيد أنه قد سُجّل إشكال على هذا التقريب؛ ومفاده أن المنظور من لفظ «الأول» هو الزوج الأول لا الأخ الأول؛ أي (الزوج الأول بها أولى)؛ ومما يقوي هذا الاحتمال هو ورود لفظ «الآخر» في ذيل العبارة: «الْأَوَّلُ بِهَا أَوْلَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ قَدْ دَخَلَ بِهَا». وحيث إن المراد من «الآخر» هو الزوج الثاني قطعاً لوقوعه في مقابله، تعين أن يكون المراد من «الأول» هو الزوج الأول. ومعنى الزوج الأول هو الذي وقع عقده زمناً قبل الآخر. وعليه يكون المعنى: أن العقد الذي سبَق زماناً هو الأولى والنافذ، سواءً عقده الأخ الأكبر أم الأصغر. ومتى ما التفتنا إلى هذا الاحتمال في الرواية، سقطت صلاحيتها للاستدلال على مدعانا.
الجواب
والظاهر أن مفاد «الْأَوَّلُ بِهَا أَوْلَى» هو الأخ الأكبر؛ وذِكرُ كلمة «الآخر» في ذيل العبارة إنما جاء لاستثناء صورة خاصة؛ ولما كان المقام يستدعي الإشارة إلى فعل الزوج، صار المراد من الآخر هو الزوج الآخر. فكأن الإمام (ع) أفاد بأن الأخ الأكبر أولى، إلا أن يكون الزوج الثاني قد دخل بالبنت، فحينئذٍ يسقط العقد الأول عن القابلية للإمضاء. ولعل هذا الاحتمال هو الأقوى عرفاً. وعلى كل حال، لو لم نرتضِ دلالة هذه الرواية، فلن نجد روايةً تثبت استحباب الاستئذان بخصوص المدعى الثالث، وحينئذٍ نضطر للذهاب نحو الدليل الثاني.
الدليل الثاني
والدليل الثاني هو عينه المستند الذي تمسكنا به في المدعيات السابقة؛ ومفاده أن احترام كل كبير مستحب شرعاً؛ كالأب والأم والعم والخال؛ ففي كل أسرة يكون احترام كبير العائلة أمراً راجحاً ومستحباً. ومن أبرز مصاديق هذا الاحترام هو جلب موافقته واستئذانه في أمر مصيري كالزواج. ومن الطبيعي أنه عند تعدد الإخوة، يكون الأخ الأكبر هو المصداق الجلي والأبرز لمن يتعين حفظ احترامه وتبجيله. ولذا لا يبعد القول باستحباب استئذان الأخ الأكبر من هذا الباب.
دراسة الدليل الثاني
بيد أن هذا الدليل لا ينفي استحباب استئذان سائر الإخوة؛ فلنفرض وجود بنت لها ثلاثة إخوة وكلهم أكبر منها سناً؛ فلو كان المدار هو استحباب احترام كل كبير للأسرة، لتعين عليها استئذان أمها وسائر إخوتها الكبار؛ أما القول بأن هذا الاستحباب مقصور على الأخ الأكبر بالخصوص فمما لا يمكننا المساعدة عليه صغروياً. وعليه، فلا ينهض قوله: «و إن تعدد الأخ قدمت الأكبر» لمنع تقديم الباقين؛ إذ الاحترام متوجه للجميع ويستوعب الأم والعم والكل؛ ولو تعدد الإخوة فإن مثل هذا الاحترام يكون راجحاً وحسناً في حق الجميع. وبهذا يتم الكلام بالتمام في المسألة التاسعة؛ وسنشرع في الجلسة المقبلة في المسألة العاشرة إن شاء الله تعالى.