الدرس الثالث والأربعون، المسألة 8، دراسة الصور الخمس
الدرس الثالث والأربعون
المسألة 8 – دراسة الصور الخمس – الحق في الصورة الثالثة – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للمولى عليه – أدلة ثبوت الخيار – الدليل الأول ودراسته – الدليل الثاني ودراسته – الدليل الثالث ودراسته
19 شعبان 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
كان البحث جارياً في الصورة الثالثة من الصور الخمس للمسألة الثامنة؛ وهي ما إذا كان الولي عالماً بالعيب، وكانت هناك مصلحة ملزمة في التزويج ممن به عيب، وكان العيب من العيوب الموجبة لخيار الفسخ والمجوزة له. وقد ذكرنا أن في هذه الصورة ثلاثة أقوال؛ غير أن مقتضى التحقيق يوجب علينا دراسة الخيار في حق كل من المولى عليه والولي. ومن هنا، فقد صنفنا البحث في مقامين؛ المقام الأول: في دراسة ثبوت الخيار للمولى عليه. وقد أشرنا سابقاً إلى الدليل المذكور لعدم الخيار، وبيّنا هذا الدليل مع ما يرد عليه من إشكال، وإن كان لجناب السيد المكاري شبهة وإشكال لا يزال قائماً، وسوف أتعرض له وأجيب عنه إن شاء الله تعالى.
أدلة ثبوت الخيار
وفي المقابل، يمكن ذكر دليلين أو ثلاثة أدلة لثبوت الخيار للمولى عليه. ونحن نُخضع هذه الأدلة للدراسة لنرى مدى وفائها بالمقصود وصلاحيتها للاعتماد فقهياً.
الدليل الأول
ومفاد الدليل الأول الذي أشار إليه المحقق الثاني في “جامع المقاصد”، يرتكز على أن النکاح يبتني أساساً على الميل الجنسي والشهوة؛ بمعنى أنه لعل الغريزة الجنسية هي محط النظر الأبرز في تلك الظروف التي يقدم فيها الشخص على النكاح. وبناءً عليه، فحينما يكون الشخص عالماً بالعيب ومع ذلك يقدم على النكاح مع علمه واطلاعه عليه، لا يُعدّ إقدامه هذا رضا بالعيب؛ وهذا يفترق عما هو المقرر من العلم بالعيب في المبيع. فالشخص عندما يشتري سلعة من السوق وهي معيبة، يكون شِراؤه هذا في الحقيقة إمضاءً لهذا العيب؛ أي إنه راضٍ به ويشتري السلعة بناءً على ذلك؛ لأنه يعلم بعيبها في نفس وقت الشراء. ولما كان إقدامه على الشراء ناشئاً عن رضا بالعيب، فلا يثبت له الخيار بعد ذلك. أما في مسألة النكاح، وللنكتة المشار إليها آنفاً، فكأن هذا العيب لا يُرى؛ فصحيح أنه عالم بالعيب، ولكنه مغلوب بالشهوة والغريزة الجنسية؛ ولذا لا يُحمل العلم والاطلاع والمعرفة بالعيب هاهنا على معنى الإمضاء والرضا به. فالخيار إذن ثابت في المقام. وكأن صاحب “جامع المقاصد” يريد القول بأن الاطلاع على العيب في باب الثمن والمثمن يساوق الإمضاء والرضا، بينما الأمر هنا يختلف لغلبة الشهوة التي كأنها تعمي عينه؛ ومن ثم لا يصح جعل تلك الظروف ملاكاً للقول بسقوط الخيار بدعوى أنه تزوج مع العلم والوعي بالعيب فيكون هو الساعي في ضرر نفسه فلا خيار له. كلا، ليس الأمر كذلك، وثمة فرق بين البابين.
دراسة الدليل الأول
إن هذا الدليل غير قابل للقبول صناعةً؛ إذ هو أشبه بالاستحسان منه بالدليل المعتد به فقهياً. وغاية ما يمكن التزام به مع المماشاة والمسامحة، هو أن نعدّه مؤيداً فحسب؛ وإلا فإن من يقدم على الزواج -وإن كانت الشهوة لديه ثائرة وفوران الغريزة الجنسية متحققاً في حقه- هو في نهاية المطاف يرى هذا العيب ومطّلع عليه ويقدم على العقد عن وعي وإدراك. وعلى أية حال، فمتى ما ثبت وعيه واطلاعه على العيب، كان ذلك بمعنى الرضا به؛ ومتى ما تحقق الرضا، انتفى ثبوت الخيار؛ فالرضا بالعيب مسقط للخيار بالضرورة؛ نظير شراء السيارة مع الاطلاع على عيبها، حيث يقال للمشتري: بما أنك كنت عالماً بعيبها ومع ذلك أقدمت على شرائها، فلا يثبت لك خيار العيب. والشأن في مقامنا هو عين ذلك الشأن؛ فوجود الشهوة لا ينفي أن الإقدام على النكاح قد تم مع الاطلاع، وعليه فلا يصلح هذا الدليل لإثبات الخيار.
الدليل الثاني
والدليل الثاني -والذي لعلنا نستطيع إرجاع إطلاقات أدلة الخيار التي ذكرها السيد اليزدي إليه بنحو ما- هو ما بيّنه الشهيد الثاني في “المسالك” حيث قال: «و أمّا ثبوت الخيار فلوجود العيب الموجب له لو كان هو المباشر للعقد جاهلا و فعل الولیّ له حال صغره بمنزلة الجهل». وتوضيح تقريب الشهيد الثاني: أن الدليل على ثبوت الخيار هو فعلية المقتضي له؛ والمقتضي للخيار إنما هو وجود العيب. فالعيب مستقر في الزوج أو الزوجة، ومقتضى نظر الشارع أن وجود العيب مجوز للخيـار. وإنما الكلام في أن الشخص لو كان عالماً بالعيب ومع ذلك أقدم على النكاح، لكان ذلك بمعنى الرضا بالعيب المسقط؛ أما لو كان جاهلاً لا يعلم بالعيب، لم يكن إقدامه رضا به، فيثبت له الخيار. فالعيب إنما يوجب الخيار في فرض جهل الشخص؛ كما لو كان المولى عليه غير مطلع على العيب فأقدم على النكاح، فإن الخيار يثبت له بلا ريب. وفرضنا في المقام هو ما إذا كان الولی هو المباشر للإقدام على النكاح حال صغر هذه البنت أو هذا الصبي؛ فكأن البنت أو الصبي جاهل بالعيب (لأنه لم يكن يعلم به وإنما الولي هو العالم)؛ مضافاً إلى أنه لم يكن مباشراً للعقد؛ والخيار إنما يثبت لمن كان جاهلاً. فلو كان هو المباشر للعقد وكان جاهلاً لثبت له الخيار؛ وهو الآن ليس مباشراً للعقد، والعاقد عالم بالعيب. وقد يقال: إنه كان مطلعاً أيضاً؛ فيجيب الشهيد بأن «فعل الولیّ له حال صغره بمنزلة الجهل»، فإقدام الغير عليه وهو لم يبلغ بعدُ، منزّل منزلة جهله.
السؤال: …
الأستاذ: هذا مبتنٍ على دليل القائلين بنفي الخيار. والسؤال المطروح هو: هل علم الولي بمنزلة علم المولى عليه أم لا؟ فلو قلتم بأن علم الولي بمنزلة علم المولى عليه لكان الحق معكم؛ ولكننا قلنا إن فعله فعل المولى عليه، غير أنه لا دليل لدينا يثبت أن علمه علم المولى عليه بالتبع.
الدليل الثالث
يمكن أن يصاغ الدليل الثالث كبيان آخر للدليل الثاني أو توضيح له، كما يمكن تقريبه مستقلاً كوجه آخر، وهو عين ما ورد في كلمات السيد اليزدي والملخص في “إطلاقات أدلة الخيار”؛ بمعنى أننا نتمسك بإطلاقات أدلة الخيار للقول بثبوته؛ وهو يرجع بنحو ما إلى المطلب الذي أشرت إليه في الجلسة الماضية.
وتوضيح المطلب: أن الأدلة المثبتة لخيار العيب تقرر أنه متى ما كان هناك عيب، فهو موجب للخيار. والمنشأ في خيار العيب في باب المعاملات هو في الحقيقة شرط ارتکازي بين المتعاملين؛ فصحيح أنهم لا يصرحون به في متن العقد ولا يذكره أحد؛ إلا أنه مستقر في ارتكاز المتعاملين، وهو شرط سلامة العوضين. فأنت عندما تدفع مالاً لتشتري شيئاً، هل تشترط لفظاً وتقول بشرط أن لا يكون معيباً؟ لا أحد يقول ذلك؛ لكونه شرطاً ارتکازياً ثابتاً في أذهان الجميع؛ كما أن اشتراط تساوي الثمن والمثمن في المالية منشأ لعدم تحقق الغبن؛ فمنشأ خيار الغبن وخيار العيب هو هذا الشرط الارتكازي القاضي بالتساوي في المالية وسلامة عوضين. فإذا كنت لا تعلم أن الطرف الآخر يبيعك ما قيمته عشرة آلاف بمائة ألف، فأنت مغبون هاهنا ويثبت لك الخيار. وكذا لو كنت لا تعلم أن السلعة معيبة، ثبت لك الخيار وجاز لك فسخ المعاملة. ومن هنا، فلو كانت السلعة سالمة أو كان العوضان متساويين في المالية، كان العقد لازماً ولا يثبت فيه أي خيار. أما لو أقدم الشخص على المعاملة مع علمه بالعيب والغبن، فلا يثبت له الخيار؛ لأنه كأنه قد تنازل عن ذلك الشرط الارتكازي وأسقطه.
هذا هو منشأ الخيار في باب المعاملات؛ أما في باب النكاح، فالمنشأ هو الشارع؛ بمعنى أن تمكن الشخص من فسخ النكاح عند وجود هذه العيوب في الزوج أو الزوجة، ليس ناشئاً من وجود شرط ارتکازي يقتضي السلامة أو القيمة كما هو الشأن في المبيع والثمن؛ كلا، بل هذا الخيار ثابت بجعل الشارع وقانونه؛ فالشارع يقول: إذا تزوجت وكان في الطرف الآخر مثل هذه العيوب، فلك خيار الفسخ؛ فالنکاح يفترق عن سائر المعاملات في كون خياره مجعولاً من قبل الشارع ابتداءً؛ ومتى ما ثبت بالجعل الشرعي، فإنه يرتفع بنفي الشارع له أيضاً؛ أي إن الشارع نفسه يمكنه إسقاط الخيار ويقول بعدم ثبوته في فرض كذا. ويستفاد من بعض الأدلة أن الزوجين إذا كانا عالمين بالعيب، يسقط الخيار في حقهما. وهذا صحيح، ولكن البحث يدور مدار أن ما نحن فيه هل يندرج في موارد العلم بالعيب أم في موارد الجهل؟ ففي فرض عدم العلم، يثبت الخيار بجعل الشارع؛ وفي فرض العلم، ينتفي بنفي الشارع. وفي المورد الذي يعلم فيه شخص آخر (أي الولي)، يكون علم المولى عليه وجهله على السواء، ولا فرق بين علمه وعدمه؛ لأن الاختيار ليس بيده بل بيد الولي. فالكلام في أن هذا المورد هل تشمله إطلاقات الخيار، أم تشمله تلك الأدلة النافية له؟ بعبارة أخرى: هل يقع المورد في دائرة العالم بالعيب لتشمله أدلة نفي الخيار، أم يقع في دائرة الجاهل به لتشمله أدلة جعل الخيار؟ نحن لا نعلم ذلك. فهل المولى عليه عالم واقعاً أم جاهل؟ هو جاهل؛ وقد يقال: إنه يعلم، ولكن علمه كجهله لكونه لا أثر له؛ إذ هو لم يكن مباشراً للعقد ولا هو الذي أقدم عليه.
وبناءً عليه، فحيثما وقع الشك في شمول إطلاقات أدلة ثبوت الخيار لهذا المورد، قيل بالشمول بمقتضى الإطلاق؛ فيثبت الخيار إذن بمقتضى إطلاقات أدلة الخيار. وأما إطلاقات الولاية، فهي إنما تقتضي صحة هذا العقد؛ فالعقد صحيح وله صحة فعلية، وليس من قبيل العقد الفضولي؛ ولكن الكلام في أنكم في قبال إطلاقات الولاية، تثبتون حقاً واختياراً للمولى عليه أيضاً؛ وقد مرّت علينا سابقاً موارد يكون له فيها حق الإجازة والإمضاء بعد البلوغ. فالكلام هنا أن إطلاقات الولاية تقتضي صحة النكاح؛ لكون علم المولى عليه كجهله؛ ولذا تشمله إطلاقات أدلة الخيار وتثبت له الخيار في هذا المورد.
السؤال: …
الأستاذ: إذا لم تكن مصلحة فالعقد ليس صحيحاً… وهذه المطالب التي تذكرونها تقتضي غايتها صحة النكاح… ونهاية إشكالكم هي: لِـمَ لم تقولوا بهذا الكلام في مورد التزويج بأقل من مهر المثل بينما التزمتم به هنا؟ وقد أجبت عن ذلك بأن وجهه كون الخيار في باب النكاح ثابتاً بجعل الشارع، وليس أمره بيدي ولا بيدك… فنحن قلنا هناك بصحة العقد؛ لكون العمل قد جرى وفق المصلحة، وكانت المصلحة قائمة في نفس النكاح، ونحن نلتزم بتعدد المطلوب؛ فنقول إن النكاح مطلوب، والمهر مطلوب آخر؛ نعم، لو كنا نقول بوحدة المطلوب لقلنا بالإشكال هناك أيضاً؛ ولكننا نقول بصحة العقد. وأما عدم ثبوت الخيار هناك، فلأن الخيار في باب النكاح بدائرة جعل الشارع حصراً؛ فالشارع قد سمّى في العيوب قائمةً مخصوصة وجعل الخيار بناءً عليها. وحيث إنه جعل الخيار، وأنا أشك الآن في شمول إطلاقات أدلة الخيار لهذا المورد أم لا، أقول بالشمول… فقد قلت إن الشارع جعل خياراً يسمى خيار العيب، وأعطى مجوز الفسخ في النكاح، ولكنه يقول في نفس هذا النكاح بسقوط الخيار إذا كان الشخص عالماً بالعيب… فهل المولى عليه مصداق للعالم بالعيب أم لا؟… إن ذلك يقتضي كون العقد صحيحاً ولازماً؛ فنحن لدينا إطلاقات أدلة الولاية من جهة، وإطلاقات الخيار من جهة أخرى؛ فالنکاح اللازم نفسه إذا طرأ عليه عيب، وجد فيه خيار يجوز الفسخ به… فلو كنا نحن وهذه الأدلة دون أن تقابلها أدلة الخيار، لقلنا بأن العقد صحيح ولازم؛ ولكننا الآن في مواجهة أدلة الولاية نملك هذا الدليل… وأنتم تريدون القول بأن إطلاقات أدلة الخيار منصرفة عن هذا المورد… وكلامكم هذا هو عين الدليل الذي نقلته في الجلسة الماضية عن القائلين بنفي الخيار؛ لكونهم يقولون بانصراف أدلة الخيار عن ما نحن فيه وعدم شمولها له… وجوابي هو: لِـمَ تنصرف؟ إن تلك الأدلة تقرر عدم ثبوت الخيار لمن كان عالماً بالعيب؛ وكلامنا في أن المولى عليه هل هو عالم بالعيب أم لا؟… ونحن نرى شمول إطلاق أدلة الخيار لهذا المورد.