الدرس الخامس والعشرون، المسألة الخامسة، المقام الثاني
الدرس الخامس والعشرون
المسألة الخامسة – المقام الثاني: دراسة ثبوت الخيار للصغير – أدلة القول الثاني – الدليل الأول: الروايات – الرواية الرابعة ودراستها – الرواية الخامسة ودراستها – الدليل الثاني: لا ضرر – دراسة الدليل الثاني – النتيجة الكلية
25 ذو القعدة 1406 هـ
الرواية الرابعة يمضي البحث في أدلة القول بعدم لزوم عقد النكاح الذي أوقعه الأب أو الجد للصبي قبل بلوغه. وقد أسلفنا أن عمدة مستمسكات القول بثبوت الخيار لهذا الصبي بعد بلوغه هي الأخبار والروايات، واستعرضنا منها ثلاثاً بالدراسة والمحاكمة.
والخبر الرابع في هذا السياق هو رواية أبان عن الإمام الصادق (ع) قال: «إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَهُ كَانَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِهِ وَ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ جَازَ ذَلِكَ».
ووجه الاستدلال بالرواية أن مفادها يثبت الاختيار للصبي في فرض تزويج الأب له؛ لقوله (ع): «كَانَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِهِ»، بينما قرر في جانب البنت نفوذ العقد وامتناع الخيار لها بقوله: «جَازَ ذَلِكَ». وحيث إن لفظ “الابن” في النص مطلق يستوعب فرض كونه كبيراً أو صغيراً، فإن إطلاق اللفظ وتفويض أمر النكاح إلى مشيئته -سواء أكان بالغاً حين العقد أم غير بالغ- ينهض دليلاً على ثبوت الخيار له. نعم، يبرز هنا فارق صناعي بين الصغير والكبير؛ فإنه رغماً عن ثبوت الاختيار للابن بموجب النص، إلا أن صحة عقد الصغير هنا مشروطة بإمضائه بعد البلوغ، فالخيار المبحوث عنه هو نقض عقد متصف بالصحة الفعلية. أما في فرض كونه كبيراً بالغاً، فإن تزويج الأب له يعد تصرفاً فضولياً؛ لانتفاء ولاية الأب على الابن البالغ في النكاح، وعليه فإن إجازته أو رده تندرج تماماً تحت أحكام خيار الأصيل تجاه العقد الفضولي. وعلى كل حال، يتقرر بموجب إطلاق الرواية ثبوت خيار الفسخ للصبي بعد بلوغه.
دراسة الرواية الرابعة
وقد وُجه لهذا الاستدلال إشكال دلالي حاصله: أن ظاهر جملة «كَانَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِهِ» يفيد ثبوت الاختيار للابن في حينه وفور وقوع العقد، ولم يقل النص إن الأمر يؤول إليه مستقبلاً أو بعد حين. وهذا الظهور يعد قرينة صارفة تحصر دلالة لفظ “الابن” هنا في خصوص الابن البالغ؛ فالرواية مسوقة لبيان أنه لو أوقع الأب عقداً لولده البالغ، فإن زمام الأمر بيده فوراً إن شاء أمضى وإن شاء رد. وعليه، فالنص قاصر عن شمول فرض الابن الصغير غير البالغ. وبعبارة أخرى: إن تمام ركيزة المستدل كانت قائمة على استكشاف إطلاق في الرواية يجمع بين البالغ وال صبي، بيد أن الإيراد يمنع استقرار هذا الإطلاق؛ لوجود القرينة الحاصرة للحكم في البالغ، وهي ظهور جملة «كَانَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِهِ» في ثبوت الاختيار الفوري الحاضر، وهو ما لا يتأتى في الصغير الذي يتأخر اختياره إلى ما بعد البلوغ بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: إن ظهور قوله «كَانَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِهِ» يقتضي ثبوت الحق له في حينه ومجرد وقوفه على الأمر، بينما الشأن في الصغير ليس كذلك؛ إذ يتقيد ثبوت الاختيار له برتبة ما بعد البلوغ. فالعرف يرى فرقاً بين أن يقال “كان ذلك إلى ابنه في هذا الوقت” وبين “كان ذلك إلى ابنه بعد البلوغ”؛ والظهور العرفي الحالي يساق إلى المباشرة الفورية دون تعليق على البلوغ، مما يكشف عن كون موضوع الحكم هو الابن البالغ لا الصغير. ويؤيد هذا الحمل ويشهد له ملاحظة الغلبة العرفية القائمة قديماً؛ حيث كان الدارج والمألوف تزويج البنات الصغيرات منأى عن استئمارهن أو استطلاع رأيهن، بخلاف الصبيان؛ إذ لم يكن من المألوف تزويجهم صغاراً بذاك النحو. فهذه الغلبة الموضوعية تقف قرينة وشاهداً على أن السؤال مسوق لبيان حكم الولد الذكر البالغ.
الرواية الخامسة
والرواية الخامسة هي رواية الفضل بن عبد الملك قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ وَ هُوَ صَغِيرٌ قَالَ (ع): لَا بَأْسَ»؛ وهذا اللفظ يشهد تماماً لما قررناه آنفاً؛ إذ الإمام (ع) لو كان ناظراً للابن البالغ لما احتاج الراوي لذكر قيد، لكون لفظ “الابن” منفرداً ينصرف إليه، فلما كان موضع سؤاله هو غير البالغ قيده بقوله “وهو صغير”. «قُلْتُ: يَجُوزُ طَلَاقُ الْأَبِ؟ قَالَ (ع): لَا»؛ فاستفهم عن ولاية الأب في إيقاع الطلاق على زوجة الصغير كما ملك ولاية تزويجه، فمنعه الإمام (ع). «قُلْتُ: عَلَى مَنِ الصَّدَاقُ؟ قَالَ (ع): عَلَى الْأَبِ إِنْ كَانَ ضَمِنَهُ لَهُمْ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِنَهُ فَهُوَ عَلَى الْغُلَامِ إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ضَمِنَ»؛ فبيّن (ع) أحكام عهدة المهر وأنه مع ضمان الأب يقع عليه، ومع عدم ضمانه يقع في مال الغلام، إلا مع إعسار الغلام وفقده للمال فيتحمله الأب ضامناً له رغماً عن عدم سبقه بالضمان التشريعي. «وَ قَالَ إِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَهُ فَذَاكَ إِلَى ابْنِهِ وَ إِنْ زَوَّجَ الِابْنَةَ جَازَ». ومضمون هذا الذيل يطابق تماماً ما ورد في رواية أبان السابقة؛ من نفوذ عقد البنت وتفويض أمر الولد الذكر إليه.
دراسة الرواية الخامسة
وهذه الرواية أيضاً معروضة لذات الخدش الصناعي الموجه لرواية أبان السابقة؛ لكون ظهور لفظ “الابن” في ذيلها وبقرينة جملة «فَذَاكَ إِلَى ابْنِهِ» ينصرف إلى ثبوت الاختيار الفعلي الحاضر لا المعلق على البلوغ مستقبلاً؛ فالكلام ناظر للابن البالغ. وحيث ثبت انصراف اللفظ إليه، انقطعت صلة الرواية بمحل نزاعنا؛ إذ محور بحثنا يتركز في استعلام ثبوت خيار الفسخ للصبي الذي عُقد له في سن الصغر هل يملك نقضه بعد بلوغه أم لا، والخبر أجنبي عن هذا الفرض.
نتيجة الدليل الأول
تحصل من استعراض الأدلة الروائية الخمسة المقامة لإثبات قول الخيار وعدم اللزوم في عقد الصبي، أن عامتها مبتلٍ بخدشات سندية أو دلالية تمنع صلاحيتها للاحتجاج الفقهي، ولعل خبراً واحداً منها لا يصفو للاستدلال التام.
الدليل الثاني: لا ضرر
والدليل الثاني هو تمسك جماعة من الأعلام بقاعدة “لا ضرر” لإثبات الجواز؛ ومنهم صاحب “غاية المرام” وتبعه في ذلك شطراً من المتأخرين. وتقريب الاستدلال يبتني على صياغة قياس استثنائي حاصله: أن القول بلزوم عقد الصبي وعدم ثبوت خيار الفسخ له مستلزم للضرر في حقه، والضرر منفي شرعاً بموجب الكبرى القانوية، فينتج قطعاً ثبوت الخيار له لدفع هذا الضرر.
وفي هذا القياس لا كلام في كبراه؛ لكونها قاعدة “لا ضرر” المسلمة فقهياً بلا خلاف. وإنما الشأن كل الشأن في إثبات الصغرى والمقدمة الأولى؛ وهي الملازمة بين انتفاء الخيار وثبوت الضرر على الصبي. وحكموا بالضرر هنا نظراً لكون الصبي تتوجه إليه بالزواج التزامات مالية ثقيلة عهدتها عليه، وعمدتها الصداق والنفقة؛ فالرجل بموجب عقد النكاح ملزم شرعاً بأداء المهر والإنفاق، بينما تخلو ناحية البنت من أية التزامات مالية تجاه الزوج. فلو كان عقد الأب عليه لازماً لا يملك نقضه بعد البلوغ، لزم منه تضرره وخسرانه المالي بهذه الالتزامات؛ فشرع الشارع له الخيار وسيلةً لدفع هذا الضرر المعترض. هذا مجمل وجه الاستدلال بالقاعدة.
دراسة الدليل الثاني
وهذا التوجيه مدفوع بعدة إيرادات صناعية:
الإشكال الأول: منع كون هذا الفرض مصداقاً للضرر أصلاً؛ لقائل أن يقول بانتفاء الضرر هنا؛ لكون المهر والنفقة المبذولين من قِبل الزوج يقابلهما عوض مالي ومعنوي شرعي؛ فالزوج يبذل المال في قبال ملك البُضع وحق استمتاع الرجل بالمرأة، وصيرورتها تحت سلطانه وإدارته الشرعية. وحيث كان المبذول بإزاء عوض عقلائي، امتنع وصفه بالضرر المالي المشمول لحديث نفي الضرر.
الإشكال الثاني: أن ما أفادوه من تمخض الضرر في جانب الرجل وانتفائه في جانب المرأة أول الكلام؛ لكون عقد النكاح -وإن كان أشبه بالمعاوضات في بعض وجوهه- يشتمل على بذل وتنازل من طرف المرأة أيضاً؛ فإذا كان الرجل يبذل المهر والنفقة، فإن المرأة تبذل نفسها وتلتزم بالتسليم والتمكين له؛ فالضرر وعروض النقص بفرض انتفاء الخيار يتصور في حقها كما يتصور في حقه على السواء، فلا وجه لتخصيص الرجل بالخيار دونها بمالا مبرر له.
الإشكال الثالث: لو تنزلنا غاية التنزل وسلمنا بملازمة انتفاء الخيار لعروض الضرر، وسلمنا بتمخض هذا الضرر في جانب الصبي دون الصبية، فهل الخيار الناشئ من قاعدة لا ضرر يثبت في عقد صحيح فعلي أم يؤول بالمسألة إلى فرض العقد الفضولي؟ وجه إثارة هذا السؤال هو أنه بفرض استقرار الضرر ومفسدته في حق الصبي، فإن عقد الأب أو الجد حينئذٍ يفتقد لشرط المصلحة أو عدم المفسدة المقيد لصحة تصرف الولي؛ ومتى ما انتفت المصلحة وظهرت المفسدة المضرة، سقطت ولاية الولي في هذا التصرف بالصناعة، فصار فعله كفعل الأجنبي المحض الذي يوصف بالعقد الفضولي. والعقد الفضولي يثبت فيه للأصيل حق الإجازة أو الرد كسائر العقود الفضولية، بينما مدعى المستدل هنا هو إثبات خيار الفسخ لعقد متصف بالصحة الفعلية النافذة ليملك الصبي نقضه بعد البلوغ. فحيث أدى دليل لا ضرر بفرض تماميته إلى صيرورة العقد فضولياً، صار دليلاً أجنبياً عن المدعى ولا ينهض بإثبات الخيار بالمعنى المبحوث عنه.
فالإشكال الثالث محصلة أنه حتى مع غض الطرف عن الإيرادين الأولين، فإن الملازمة تنتفي؛ لأن عروض الضرر يسقط ولاية الأب ويصير به العقد فضولياً، فالخيار الثابت فيه هو خيار الأصيل تجاه الفضولي لا خيار نقض العقد الصحيح الفعلي. وبذلك يسقط دليل لا ضرر عن الصلاحية لإثبات المدعى.
النتيجة الكلية
تحصل من مجموع ما سلف في هذا المقام، أننا استعرضنا دليلين عُمدتين للقول بالخيار وعدم اللزوم؛ وهما الروايات وقاعدة لا ضرر، وقد تبين قصور الروايات دلالة وسنداً عن النهوض بالمدعى، كما ظهر اندفاع الاستدلال بقاعدة لا ضرر. ومتى ما حُكم بانتفاء أدلة الجواز والخيار، تعين فقهياً وصناعة الرجوع إلى مقتضى القواعد والعمومات الشرعية؛ ومقتضى القواعد والعمومات المستقرة هو اللزوم عاقبة المطاف. وبناءً عليه، يتنقى القول بأنه كما يمتنع ثبوت خيار الفسخ للصغيرة والصبية بعد بلوغها، فكذلك يمتنع ثبوته للصبي والغلام بعد بلوغه، فيكون العقد الواقع من الولي لازماً في حقهما معاً، وهو عين ما جرى عليه قلم الإمام المصنف في متن “التحرير”.